تاريخ النشر: الأحد ٢٩ - كانون الأول - ٢٠١٩
Post Image




مجازر إدلب، جريمة حرب في العصر الحديث




*ميرنا الحسن

الصورة: من داخل أحد المساجد في مدينة إدلب، بعدما تحولت مساجد  المدينة إلى مراكز إيواء مؤقتة



يتعرض ريف إدلب الجنوبي والشرقي منذ أشهر حتى الآن لحملة عسكرية شرسة، من قبل نظام الأسد وحليفه الروسي، سواءً من خلال القصف الجوي بالطائرات الحربية والمروحيات وبشتى أنواع الأسلحة حتى المحرمة دولياً منها أو من خلال القصف البري بالمدفعية الثقيلة وراجمات الصواريخ.

 أدى هذا القصف إلى حركة نزوح جماعي لسكان مدن وبلدات ريف إدلب الجنوبي والشرقي، باتجاه القرى والبلدات في ريف إدلب الشمالي الحدودي مع تركيا أو إلى مراكز المدن الأساسية مثل مدينة إدلب على اعتبارها أقل خطراً من مناطقهم التي باتت مدمرة بشكل كامل أو جزئي، بعدما اتبع نظام الأسد وحليفه الروسي سياسة الأرض المحروقة التي أدت بدورها لأكبر محرقة وإبادة جماعية في العصر الحديث، على مرأى ومسمع العالم الصامت بأجمعه.


 "بقيت هنالك فقط أرواحنا وذكريات العمر، وبعض المنازل التي تستقبل صواريخ الحقد الأسدية والروسية من كل صوب"


بلغت أعداد النازحات/النازحين منذ شهرين حتى الآن، وفق "منسقو استجابة سوريا"، أكثر من مئتين وخمسين ألف مدني، علماً أن الأعداد التي يجري العمل على توثيقها أكبر من الرقم المذكور، ويتم التعامل في الوقت الحالي مع حالات النزوح كأولوية قصوى. توزع هؤلاء النازحون على أكثر من 249 قرية وبلدة ومخيم، علماً أن عدد المخيمات في الشمال السوري هو 1153 مخيماً. 

أكدت ذلك سهام (اسم مستعار)، وهي نازحة من قرية تلمنس، بقولها: "لم يبق أحد من السكان لا في قريتنا ولا في القرى المجاورة لنا في ريف إدلب الجنوبي أو الشرقي. بقيت هنالك فقط أرواحنا وذكريات العمر، وبعض المنازل التي تستقبل صواريخ الحقد الأسدية والروسية من كل صوب".

 واعتبر "منسقو استجابة سوريا" في بيان صادر عنهم أنه لم يكن لقوات النظام وروسيا أن يتمادوا في اعتداءاتهم وجرائمهم ضد المدنيين، لولا صمت المجتمع الدولي وعجزه عن الوفاء بالتزاماته وواجباته بفرض القانون الدولي وتوفير الحماية للمدنيين، الذين بلغ عدد الضحايا منهم أكثر من 250 ألفاً بينهم 79 طفلة وطفل خلال شهرين فقط، بينما بلغ عدد الضحايا الإجمالي عام 2019 (1233).

 وفي هذا الصدد أضافت سهام، أن مقبرة قريتهم لم تعد تتسع لمزيد من الشهداء بعدما امتلأت بقبور الأطفال والنساء والرجال من شتى الأعمار، الذين سَرَقت حياتهم آلة القتل العالمية المتآمرة على المدنيات/المدنيين في إدلب والمناطق المحررة.


"النزوح رحلة موت وصراع من أجل البقاء"


 وأطلق منسقو الاستجابة مناشدة إنسانية ودعوة فورية، مطالبين بتجنيب المدنيات/المدنيين في ريف إدلب الجنوبي والشرقي من أي خطر، وإبعادهن/م عن مناطق الحرب من خلال السماح بفرض هدنة إنسانية في المنطقة، وعبروا عن رفضهم لتحويل المدنيات/ين إلى أهداف عسكرية أو إجبارهن/م على البقاء في أي منطقة نزاع بما يخالف حق الإنسان في العيش بأمان، وطالبوا القوى الدولية بحمايتهن/م والممتلكات العامة والخاصة.

 ووصف أحمد (اسم مستعار) أحد الناجين من استهداف الطائرات الحربية الروسية لسيارات النازحين على أوتوستراد (دمشق، حلب) أن نزوحه هو رحلة موت وصراع من أجل البقاء، فقد لاحقته الصواريخ مراراً وتكراراً إلا أنه ظل صامداً. أحمد يعتبر المعيل الوحيد لعائلته التي تنتظره في أحد مساجد مدينة إدلب بعد أن تركهم داخل المسجد، وعاد إلى قريته في ريف إدلب الجنوبي ليجلب بعض الاحتياجات الضرورية، وبقي عالقاً فيها إلى أن قرر العودة إليهم وعبور ذاك الطريق المشؤوم.


 لم تقتصر نتيجة الحملة العسكرية على الخسائر البشرية، إنما كان للأضرار المادية النصيب الوافر من التدمير، فبحسب "منسقو استجابة سوريا" فإن عدد المنشآت والبنى التحتية المستهدفة خلال 2019 وصل إلى 504 منشأة (نقاط طبية وتعليمية، أفران، محطات توليد طاقة كهربائية ومياه، دور عبادة، مراكز خدمية ومنظمات، مراكز دفاع مدني، مراكز إيواء ومخيمات) غالبيتها تم استهدافها في الأشهر الأخيرة من العام المنصرم.

تقول سناء، النازحة من قريتها، أن من يسمع ليس كمن يرى، وأن مشهد الدمار الذي رأته في القرى والبلدات التي مرت بها في أثناء رحلة نزوحها فاق الخيال، فالحجر كان مستهدفاً قبل البشر، وبذلك خسروا ما بنوه خلال سنوات بلمح البصر وأمام أعينهم، وغادروا أرضهم مرغمين. وتابعت قائلة إن أسلوب احتلال المناطق المحررة بعد تهجير سكانها وإفراغها عقب تدميرها بات معلوماً للجميع، مشيرة إلى أن النظر عن بُعد على أوجاع السوريات/السوريين وإحصاء شهدائهم كأرقام هو سيد الموقف لرؤساء الدول كافة.


 أما مأساة النزوح اللامحدودة فقد طغت ليس على من تم تهجيرهم فقط،  بل على من يقوم باستقبالهم أيضاً. فالأول فقد أغلى ما يملك بفعل الصمت الدولي على المجازر المستمرة منذ سنوات وحتى هذه اللحظة، المجازر التي تطال كل سوري طالب بحقه في العيش بحرية وكرامة، وأما الثاني فقد أنهكه شعوره بالعجز أمام أبناء بلده وهو غير قادر على تلبية أقل احتياجاتهم بسبب الوضع الاقتصادي المتردي لمجمل السكان السوريين، الذين يعيش 83% منهم تحت خط الفقر كما وثقت الأمم المتحدة.


"الأطفال دفعوا الثمن الأكبر في حرب لا ذنب لهم بها"


 "قمة القهر أن ترى أنامل طفل نال البرد منها وجعلها حمراء مثل الدم، وأن لا تستطيع أن تؤمّن له منزلاً يحميه من شقاء النزوح في الشتاء، بسبب غلاء إيجارات البيوت، وعدم توفرها أساساً حتى لو توفر المال اللازم، كل ذلك بسبب الازدحام السكاني في بقعة جغرافية صغيرة".

 بتلك الكلمات عبّرت إحدى المتطوعات من مدينة إدلب عن ألمها لعدم تمكنها من إعانة أطفال صغار دفعوا الثمن الأكبر في حرب لا ذنب لهم بها. فرغم تكاتف جهود منظمات المجتمع المدني وظهور المبادرات الخيرية الفردية في الداخل السوري، ومساعي السوريات والسوريين في دول اللجوء، بتبرّع الكثير منهم بمبالغ مالية لمساعدة النازحات والنازحين، إلا أن جميع الجهات المذكورة تبقى استجابتها متواضعة في ظل الوضع الراهن مقارنة بأعداد النازحات/النازحين المستمرة بالازدياد تزامناً مع استمرار الحملة العسكرية حتى ساعتنا هذه. 


ولكي تزيد روسيا والصين من حجم الكارثة الإنسانية في إدلب، استخدمتا مؤخراً حق الفيتو لنقض قرار مجلس الأمن المتضمن إدخال مساعدات إنسانية إلى سوريا، متجاهلتين كل المبادئ والقوانين الدولية الإنسانية، كما تجاهلتا سابقاً أن المطالبة بالحقوق والحرية والكرامة ليست جريمة تُحاسب عليها الشعوب، سوى لدى الأنظمة الديكتاتورية.


إلى الأعلى