تاريخ النشر: الإثنين ١٠ - شباط - ٢٠٢٠
Post Image

 

السياسة بين النظرية والتطبيق في المنظور النسوي


 

*صبيحة خليل

 

يحتدم السجال حول المشاركة السياسية للمرأة لدى العاملات/العاملين في الشأن العام، داخل وخارج سوريا، وعلى وجه التحديد في فضاءات الأطر النسوية التي قامت وتقوم بالعديد من الأنشطة والمشاريع ضمن سياق دمج المرأة في الحياة السياسية، من حملات المناصرة ومشاريع التمكين والتدريب، واستهدفت طيفاً واسعاً من الناشطات والنشطاء.

ضمن هذا المنحى، كنا نتوقع الأثر الإيجابي لتلك الحملات، سواءً على صعيد تحفيز النساء للعمل في المجال السياسي، أو إزالة العقبات التي تعترض طريق الكفؤات منهن في الوصول إلى مراكز القرار لأخذ دورهن الكامل.

 

لكن على ما يبدو ما تزال الهوة شاسعة بين المنطلقات والدوافع النظرية للحركات النسوية السورية وبين التطبيق أو الجانب العملي، ويمكن تلخيص ذلك بعدة نقاط فشلت فيها هذه الحركات النسوية، وبالتالي حالت دون تحقيق أهدافها، حيث بقي الخوف لدى بعض النسويات من اقتحام عالم السياسة "المتسخ" حسب نمطية رأيهن، والذي يجدن فيه مجرد حبائل ومكائد لصفقات ومساومات تحكمها المصالح، هذه المفاهيم ما تزال راسخة في أذهان بعض النساء كمواد أولية فيما يخص العمل السياسي. ورغم أن الكثير من الأطر النسوية ترفع لواء "السياسات الأخلاقية" كطرح بديل عن سياسات التناحر القائمة على تحقيق مصالح الأقوياء، إلا أن إحجام النساء عن المشاركة السياسية يتم تبريره على الدوام بالنمطية السابقة السائدة لفهم السياسة، على أنه مستنقع لا يمكن الدخول إليه أو الخروج منه دون أن تتلطخ بالأوحال. بقاء هذه القاعدة سارية المفعول ربما يفسر جانباً من جوانب فشل السياسة الأخلاقية المنحازة للمهمشات/ين، وفي أكثر من مكان حول العالم والتي ترفع النسوية لواءها. وإذا اتفقنا من حيث المبدأ على صحة التشخيص، هل يشفع ذلك لترك الساحة السياسة دون نساء، والاكتفاء فقط بالاحتجاج المستمر على إقصائهن!؟

قد تعتبر البعض من النسويات ما تطرقت له هجوماً على الحراك النسوي واعترافاً بفشل هذا الحراك، لكن أعتقد أن القضية تحتاج إلى قياس الأثر ورجع الصدى وكل هذا بالنهاية يخدم النسوية وقضايا المرأة بالعموم.

في السياق ذاته أورد مثالاً حقيقياً يثبت خللاً يكمن ما بين النظرية والتطبيق، في نهاية كانون الأول 2019 تمت دعوة مجموعة من الناشطات والناشطين السياسيات/ين المستقلين إلى اجتماع في الرياض من أجل اختيار وفد المستقلين ضمن وفد هيئة التفاوض للمعارضة السورية. وتمت دعوة العديد من النسويات السياسيات اللواتي لا يشك أحد بخبرتهن أو نضالهن الطويل في المطالبة بحقوق المرأة، وعلى رأسها المشاركة السياسية، إلا أن معظمهن اعتذرن عن الدعوة لأسباب متعددة، قد لا أعلم كنه تفاصيلها الصغيرة وربما سردها لا يخدم موضوع المقالة، لكن أعتقد أن قسماً منهن اعتذرن نتيجة النمطية السائدة والتي أشرت إليها في الأسطر السابقة.

وبالعودة إلى مثالنا، الملفت أنه تم انتخاب أربع سيدات نتيجة فرض كوتا المناصفة، أربع رجال وأربع نساء، ولكن ماذا عن رد فعل الحراك النسوي؟ كان الصمت سيد الموقف. رغم أن هذه الكوتا مثل غيرها من نجاحات السوريات جاءت نتيجة كفاح نسوي مرير خلال السنوات الأخيرة، وعلى خلفية عقود طويلة من مقارعة الاستبداد، كانت فيها المرأة تعتقل وتتعرض لشتى أنواع التعذيب والإقصاء والإلغاء، وهي جهود تستحق التقدير في ظل نظام أمني مغلق. لكن المفارقة فيما يخص المثال الذي أوردته، كانت على العكس تماماً من منطلقات هذه الحركات النسوية حيث لم يستدع نجاح أربعة نساء، ولو القليل من الاحتفاء المعنوي، حتى على شكل خبر مقتضب في مواقعها الإلكترونية. في الوقت الذي تكرس فيه جزءاً أساسياً من برامجها لزيادة نسبة المشاركة السياسية للمرأة في مراكز صنع القرار، وتصرف على هذه المشاريع الكثير من جيوب الممولين والمانحين. تصرفت وكأن الأمر برمته لا يعنيهن. بالمقابل تحتفي صفحات ومواقع هذه الأطر بالنساء اللبنانيات وهن يحصدن الحقائب الوزارية، وصولاً إلى الاحتفاء بالنساء الفنلنديات اللواتي حققن أكثرية وزارية ساحقة. هذا الاحتفاء حق ومنجز نسوي عالمي، ولكن ماذا عن المنجز الوطني السوري!


وبعيداً عن المثال الذي استخدمته كنموذج، وهنا أيضاً لست بوارد مناقشة تحفظات البعض على ما جرى في اجتماع الرياض، يبقى هذا حال الراهن السوري المعقد، إلا أن ازدواجية التعامل بين ما هو محلي وخارجي يحيلنا إلى نقطة مهمة وجوهرية وهي إما أن الحركات النسوية السورية غير جادة فيما تطرحه عبر أدبياتها المتعلقة بالمشاركة في الحياة السياسية وكل شعارات المناصفة والكوتا هي مجرد تسويق إعلامي لكسب ثقة الممول، ولا أعتقد ذلك، خاصة مع وجود نساء سوريات رائعات لهن باع نضالي مشرق ومشرف، وإما أن هذه الحركات والمنظمات مسلوبة الإرادة وباتت ضمن قائمة الاستقطابات السورية المحلية والدولية والإقليمية، وهذا يعيدنا لنقطة الصفر، ويضرب العمق الأخلاقي للسياسات النسوية، والتي من المفروض أن تكون إحدى ثوابت هذه الحركات النسوية من خلال التمسك بالاستقلالية وعدم تحولها إلى أدوات قابلة للمساومة. غير ذلك نكون في منتصف المستنقع السياسي، ولا يعود لهذا الحراك النسوي أية قيمة مضافة بالمعنى السياسي الأخلاقي، وهنا مربط الفرس. 

 


كل ما ذكر في المقال يعبر عن رأي الكاتبة، ولا يعبر بالضرورة عن رأي الحركة.

إلى الأعلى