تاريخ النشر: الأحد ١٥ - آذار - ٢٠٢٠
Post Image


آذار التغيير: الألم والأمل

 

*ميرنا الحسن

 

أعربت وزارة الدفاع الروسية عن ارتياحها لنتائج المفاوضات العسكرية مع تركيا، وقالت: "إن النقاشات حول إدلب بناءة وتفتح الطريق لتنفيذ كل الاتفاقات بين الطرفين"، هكذا ظنت روسيا أنها بدأت بنشر خبر النهاية للثورة السورية في ذات تاريخ اليوم الذي اندلعت فيه قبل 9 سنوات في آذار من عام 2011، وأنها تمكنت من وأدها في آخر قلاعها في إدلب، محاولة سلب حياة السوريات/السوريين في اليوم الذي أعلن/وا فيه ولادتهن/م من جديد.


لكنها لم تعلم ولا تعرف ماذا يعني شهر أذار  بالنسبة للسوريات/السوريين عامة، وللصامدات/ين من أهالي إدلب خاصة، بل حاولت مع نظام الأسد منذ سنوات إجهاض الأمل القابع في نفوس السوريات/ين مراراً كي يتخلوا عن مطلبهن/م في عيش حياة حرة كريمة داخل بلدهم.

فإذا ما عدنا معًا بذاكرة الثورة إلى سنواتها الأولى في مدينة إدلب لوجدنا أن شهر آذار بما يحمله من ألم وأمل، خوف وقوة، خيبة ونصر، وكل هذه المشاعر المتناقضة في آن واحد، فهو ليس ولادة للثورة فحسب بل هو رمزية لكل شخص يقطن في إدلب حتى الآن بما فيها من نازحات/ين ومهجرات/ين قسراً من كل المحافظات السورية المحتلة من نظام الأسد وحلفائه، بعدما حرك هذا النظام آلة القتل في كل شبر من الأراضي السورية وبوجه كل مواطنة/مواطن طالبت/طالب بالحرية.


السبت 10 آذار 2012 وفي صباح يوم باهت، استيقظ سكان مدينة إدلب باكراً على صوت المدفعية التابعة لنظام الأسد، التي دكت الأحياء السكنية من أربعة محاور بالقذائف العشوائية، والتي أودت حينها بحياة مدنيات/مدنيين كثر، وقامت بتدمير وحرق وسرقة مئات المنازل، وسببت دمار في الممتلكات العامة والخاصة، فضلًا عن الاعدامات الميدانية لعشرات الشباب واعتقال المئات غيرهم.
منذ ذلك الحين والنظام يظن أنه أنهى الثورة في إدلب، وبدأ يتغنى عبر قنواته التلفزيونية الرسمية وفي خبر عاجل بالخط العريض (الجيش العربي السوري يسيطر على أكبر معقل للإرهابيين).

عامان من القهر والذل اللذان تجرعهما أهالي مدينة إدلب على يد ما يدعونه (الجيش العربي السوري الباسل)، فالاعتقال طال الأطفال والنساء والرجال من شتى الفئات العمرية، والتخريب والاستيلاء على أملاك المدنيات/ين بات أمر طبيعي لدى عناصرهم، وأضحى الانتقام من المدنيات/ين سيد الموقف، وعلى يد جيش كان من المفروض أن يكون حامي الشعب لا قاتله.


وبما أن الأرض لا يمكن إلا أن تعود لمن ضحى لأجلها، واختلط دمه بثراها فداء لتحريرها من يد عصابة آل الأسد التي جلبت ميليشيات عدة، لا وبل احتمت بدول كبرى وأتاحت لهم استخدام وتجريب كل أسلحتهم الفتاكة حتى المحرمة دوليًا منها وبرعاية أممية لمساعدتها في قتل المدنيات/ين، الذين انتفضوا في وجه الظلم والاستبداد، ومنحت هذه الدول خيرات سوريا تباعًا كهدية مستحقة مقابل بقائها على كرسي الرئاسة!

كان لابد أن تعود مدينة إدلب لأحرارها في آذار أيضا عام 2015، وتم تطهيرها على يد جيش الفتح، من تلك العائلة المسيطرة على سوريا شكليًا وعلى حساب دماء الشعب السوري، لتبدأ حياة جديدة للمدنيات/ين المستنشقين هواء الحرية مجدداً بعد عامان من الانتظار.
وتم تحرير جسر الشغور بالكامل نهاية نيسان، آخر معاقل نظام الأسد ذاك الوقت في محافظة إدلب، وليتم الاعلان عن أن إدلب هي أول محافظة سورية  تخرج من سيطرة نظام الأسد وحلفائه كمدينة وريف بشكل كامل، وهنا بدأت تتشابه كل أشهر السنة في الوجع والمأساة فلا يمر يوم سواء في مدينة إدلب أو ريفها من غير مجزرة يرتقي على أثرها عشرات المدنيات/ين ويدمر خلالها أحياء كاملة، خاصة بعد تدخل روسيا بسلاحها الجوي في المعركة.


وحينها توالت الخيبات على الشعب السوري المطالب بحريته، عندما بدأت رحلة التهجير القسري من شتى المحافظات السورية وتجميع كل المدنيات/ين في محافظة إدلب في تغيير جذري لمجرى الأحداث السياسية، لتصبح إدلب بكل مدنها وبلداتها سوريا المصغرة والخزان البشري الأكبر للسوريات/ين الأحرار وقلعة الثورة الحصينة التي يحاول نظام الأسد وحلفائه هدمها بكل ما أوتوا من قوة السلاح والمكر والخديعة وبوحشية طمست كل معايير الإنسانية وكل الخطوط الملونة التي تشدق بها الطغاة كمراوغة منهم لدثر معالم الحرية وإنهاء الثورة السورية وفق زعمهم.


واليوم 15 آذار 2020 من المفترض تسيير دوريات مشتركة ما بين روسيا وتركيا، لتتفاخر الأولى بانتصارها على الإرهاب وانهائها للحرب السورية، ولتتبنى الثانية أنها الضامن والساعي باستمرار لإيقاف شلال دماء أكثر من 4 مليون مدنية/مدني في إدلب.
والواقع عكس ذلك تمامًا فلا نظام الأسد عاد قادراً على حكم سوريا مجدداً مثلما كان قبل عشرات السنين محكمًا قبضته على رقاب السوريات/ين، بعدما فقد شعبيته وأصبح دمية تتلاعب بها روسيا والصين وايران كما يشاؤون، ولا روسيا حققت مكسبًا سوى أنها مجرمة حرب بحق شعب أعزل ترك أشلائه وذكرياته ومقابره في مدن تم افراغها تمامًا بعد تدميرها كليًا.


بينما يبقى الطرف الثالث هو الرئيسي رغم تجاهله من قبل كل الأطراف، فلا حقيقة أصح وأقوى من أن الشعوب هي المنتصرة ولو بعد حين، ولابد أنَّ منْ تحمل 9 سنوات من الظلم لن يستسلم بسهولة كما يظن العالم أجمع، ولعل وعسى أن يكون آذار الحالي كما يأمل الشعب السوري منه هو نصر عظيم على كل ديكتاتوري، وأن يكون تجديداً لعهد وروح الثورة وحافزاً وملهماً وربيعاً مشرقاً لكل ثورات الشعوب الثائرة، وكسر جبروت الرؤساء القامعين للحريات.

 


*المقال يعبر عن رأي الكاتبة، ولا يعبر بالضرورة عن رأي الحركة.

 



إلى الأعلى