تاريخ النشر: الأربعاء ٠٦ - أيار - ٢٠٢٠
Post Image


معضلة أجهزة الأمن ومفاوضات التسوية


*ألكسي خليبنيكوف

ترجمة: محمد دريد

 

ألكسي خليبنيكوف، كاتب روسي، خبير بشؤون الشرق الأوسط والسياسة الروسية

نشرت المقالة في كتاب "الأمن والجيوش في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" عام 2019 الصادر عن المجلس الروسي للشؤون الدولية الذي تأسس بمرسوم صادر عن الرئيس الروسي عام 2012

إدارة المجلس: وزراء خارجية سابقين وشخصيات رفيعة من بينها المتحدث باسم الكرملين دميتري بسكوف

********

 

مضى أكثر من سبعين عاماً على إنشاء الجيش وأجهزة الأمن في منطقة الشرق الأوسط. لعبت هاتان المؤسستان ومازالتا دوراً محورياً في تأمين استقرار الأنظمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. استخدمت القوى الصاعدة في تلك الدول القوة بشكل واسع بعد قيام الثورات ضد المستعمر في نهاية الأربعينيات والخمسينيات مما أوصلها إلى دفة الحكم. كانت تلك القوى وقتها هي الجهة الوحيدة القادرة على استلام السلطة وحماية الاستقلال ووحدة البلاد. المقصود بتلك القوى الجيش والمخابرات اللذان استطاعا على مدى عشرات السنين السيطرة على الحكم مما يفسر قيام السلطات الحاكمة في تلك البلدان بتقديم الامتيازات الكبيرة للعسكريين. سعت السلطات إلى تغيير وإجراء التنقلات بين أجهزة الأمن والقطع العسكرية لاستبعاد إمكانية حدوث الانقلابات وتركيز السلطة والقوة ببعض الأيدي وهذا أدى إلى وجود مؤسسات أمنية وعسكرية كثيرة تقوم بنفس المهام. تتعمد السلطات الحاكمة أن تقبض على هذه المؤسسات بيدها بقوة. يعتبر الجيش والمؤسسات الأمنية في معظم دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حجر الزاوية في النظام الحاكم لأنها هي التي تضمن استقرار النظام وتجسد جبروته. يظهر تأثير ودور هذه المؤسسات من خلال مشاركتها في الحياة السياسية والاقتصادية للبلاد. وبما أنها تشارك في هذه النشاطات فلديها كل المصلحة في حماية النظام الحاكم لأنها بذلك تحمي مصالحها وامتيازاتها ومكانتها الاجتماعية. ويمكن أن نأخذ كمثال على تلك الحالة مصر وسوريا حيث تقوم الأجهزة الأمنية فيهما بعمل كل ما تستطيع لحماية النظام الحاكم بينما نراها في تونس ولبنان وتركيا مثلاً لا تتمتع بتلك الصلاحيات الكبيرة لذلك لا نرى لديها نفس الحماسة لحماية النظام.


يعتبر جهاز المخابرات السوري الجهاز الرئيس لحماية النظام كما في كثير من دول المنطقة. توجد أربعة أجهزة أمنية تحت أمرة الرئيس السوري مباشرة. لكن المثير في الأمر أن هذه الأجهزة تتقاطع مهماتها وصلاحياتها مع بعضها البعض وذلك من أجل أن لا يرتبط أمن النظام الحاكم بمؤسسة أمنية واحدة. يسمح هذا الأمر للسلطات الحاكمة أن تخلق بين هذه الأجهزة المنافسة وأن لا يتمكن جهاز أمني واحد من السيطرة على الآخرين. يعتبر مكتب الأمن القومي جهازاً أمنياً رئيساً في البلاد. يرتبط المكتب مباشرة بالرئيس. بعد عملية التفجير الإرهابي الذي حدث بتاريخ 18/7/2012 والذي أودى بحياة كبار الضباط والمسؤولين ومن بينهم وزير الدفاع العماد داوود راجحة ونائبه اللواء آصف شوكت وآخرين أصبح علي مملوك رئيساً لمكتب الأمن القومي. زادت صلاحيات المكتب وأصبحت اهتماماته تنصب على تخطيط سياسات الأمن وصار أقل اهتماماً بتنسيق عمل أجهزة الأمن ورفع التقارير الأمنية. هناك أربعة أجهزة أمنية في سوريا: إدارة المخابرات العامة، إدارة الأمن السياسي، شعبة المخابرات العسكرية، إدارة المخابرات الجوية. على الرغم من أن بعض هذه الأجهزة ترتبط شكلياً بوزارة الدفاع أو وزارة الداخلية لكنها عملياً ترتبط مباشرة بالرئيس. تتمتع هذه الأجهزة بسلطات واسعة.

1-        إدارة المخابرات العامة: هي إدارة مخابراتية مدنية رئيسة. تخضع مباشرة لرئيس البلاد. ينسق هذا الجهاز عمله مع مكتب الأمن القومي فقط. تتكون إدارة المخابرات العامة من 3 أفرع.

1-1-       فرع الأمن الداخلي: مهمته مراقبة نشاطات السكان من الناحية السياسية ويتقاطع عمله مع إدارة الأمن السياسي. على فرع الأمن الداخلي كذلك القيام بواجبات مكافحة التجسس ومراقبة مجموعات المعارضة السياسية والمواطنين الأجانب والأقليات الدينية والعرقية. يجب على هذا الفرع أيضاً القيام بمكافحة الفساد والمخدرات.

1-2-       فرع الأمن الخارجي: يقوم بضمان سلامة البعثات الدبلوماسية السورية ومكافحة التجسس.  

1-3-       فرع فلسطين: يراقب نشاط الفلسطينيين في سوريا ولبنان.

هناك 12 فرعاً لهذه الإدارة موزعة في المحافظات السورية.

2-       إدارة الأمن السياسي: على الرغم من أن هذا المكتب يتبع نظرياً لوزارة الداخلية فإنه عملياً لا يتبع لها. يرفع هذا المكتب تقاريره لرئيس الجمهورية  ويقوم بمراقبة عمل وزارة الداخلية وضباطها وموظفيها وسلك الشرطة. كما يقوم هذا المكتب بمراقبة عمل القوى السياسية النظامية ودوائر الدولة المختلفة والقضاء على المعارضة والأحزاب السياسية التي تنشط ضد القيادة في البلد، ويقوم بمراقبة أجهزة الإعلام والأشخاص الأجانب داخل سوريا وكشف صلاتهم بالمواطنين السوريين. بما أن عمل إدارة الأمن السياسي مرتبط مباشرة بالسكان فإن نطاق عمله يشمل كل البلاد وكل شرائح المجتمع. تشير كل التقارير والمعلومات أن هذه الإدارة تقوم بعمل الإحصاءات ورفع التقارير. يوجد 13 فرعاً لهذه الإدارة في المحافظات. 

3-       شعبة المخابرات العسكرية: هي المؤسسة الأمنية العسكرية الرئيسة في سوريا. تخضع شكلياً لوزارة الدفاع لكنها تخضع عملياً لرئيس الجمهورية. تشارك هذه الشعبة في تعيين وزراء الدفاع ونوابهم ورؤوساء الأركان. يتم تعيين رئيس الشعبة من قِبل رئيس الجمهورية. تعتبر مهمة الشعبة الأولى جمع المعلومات الأولية عن جيش العدو ومراقبة عمل المؤسسات الأمنية الأخرى في البلاد. تقوم كذلك بتقديم الدعم العسكري والمادي والتقني للمجموعات الفلسطينية واللبنانية والتركية المتطرفة كما وتراقب وتتعقب المنشقين السياسيين الذين يعيشون خارج سوريا.

4-       إدارة المخابرات الجوية: هي مؤسسة أمنية كبيرة ومحترفة وتعتبر الأكثر ولاءً لرئيس الجمهورية. تم إنشاء هذه الإدارة عندما كان حافظ الأسد قائداً للقوى الجوية والدفاع الجوي. وهي منذ ذلك الوقت تعتبر الأكثر تأثيراً وقوة من بين كل الأجهزة الأمنية. على الرغم من أنها تتبع شكلياً لوزارة الدفاع التي تزودها بما تحتاجه من السلاح والعتاد فإنها فعلياً لا تملك أي سلطة عليها. تقوم هذه الإدارة مع شعبة المخابرات العسكرية بمراقبة عمل وزير الدفاع. كانت مهمتها الأولى في البداية حماية العتاد العسكري وطائرة الرئيس وضمان أمن الرئيس في الخارج وضمان أمن السفارات. توسعت مهمات الإدارة مع الزمن وباتت  تتناول الأمور غير العسكرية. وأصبحت تشارك في العمليات القتالية ضد الجماعات المناهضة للدولة. لذلك نراها شاركت في عملية  القضاء على جماعة الإخوان المسلمين في حماه في ثمانينيات القرن الماضي وجماعة حزب التحرير الإسلامي عام 1999 كما ولعبت دوراً كبيراً في عمليات الاعتقال الواسعة ضد النظام وقامت بتنفيذ بعض العمليات السرية في الخارج. يخضع لهذه الإدارة 6 أفرع، واحد في دمشق والباقي في المحافظات.


      كما أشرنا سابقاً فإن عمل كل هذه الأجهزة والمؤسسات الأمنية يتضارب مع بعضها البعض. هذا الوضع جعل الأسد يقبض عليها بيده ولا يسمح لأحدها بالسيطرة والبروز على الآخرين. مع انطلاق الحرب الأهلية انحصر عمل كل الأجهزة الأمنية السورية بقمع المعارضة والمتمردين. وأضحى عملها مرتكزاً أكثر على عمليات القمع. الآن والحرب الأهلية في سوريا تقترب من نهايتها بات واضحاً الدور الكبير والرئيس الذي تلعبه مؤسسات الأمن في النظام السياسي والعسكري القائم وباتت مسألة إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية إحدى المسائل الملحة. بما أن مؤسسات الأمن قد شاركت بقوة في عمليات القمع ومن ثم في الحرب الأهلية فإنه بات واضحاً أنه لا بد من إعادة تحديد وظائفها وإجراء التعديلات الضرورية عليها، وهذا الأمر لابد أن يدخل في جدول أعمال المفاوضات بين أطراف الأزمة. إن مما يزيد من صعوبة إجراء التعديلات المذكورة هو الدور الكبير والتقليدي الذي تعلبه قضايا الأمن حسب ما تؤكده أحداث العقود الأخيرة في الشرق الأوسط وسوريا على وجه التحديد. إن إيجاد حل وسط لهذه المسألة بين المعارضة والحكومة يعتبر أمراً في غاية الصعوبة. بداية من الضروري تحديد متى يجب إجراء هذه التعديلات؛ قبل الإصلاحات السياسية أو بعدها أو بالتوازي معها. للإجابة على هذا السؤال علينا أن نحلل العقبات التي تقف على طريق إعادة هيكلة أجهزة الأمن وكيف يمكن للفرقاء أن تبدأ التحرك نحو الحلول الوسط.


من المعلوم أن أجهزة الأمن الأربعة الرئيسة في سوريا تخضع للرئيس وتعمل بشكل منفرد وليست خاضعة للقانون، ويتمحور هدفها في سحق المعارضة وملاحقة الناس. بكلمات أخرى لقد أنشأ النظام هذه الأجهزة لحمايته وتأمين مصالحه. هذا يعني أن أي حديث حول إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية يرتبط بشكل وثيق بمصير القيادة وإنجاز إصلاحات سياسية وتغيير تركيبة النظام. إلى جانب ذلك تلعب هذه الأجهزة دوراً أساسياً في تجنيب البلاد الانهيار الكامل. لذلك توجد مخاطر حقيقية من جراء حل أو إصلاح هذه الأجهزة والذي قد يؤدي إلى إلحاق آثار سلبية على الدولة. إن من بين الأسباب التي جعلت روسيا ترسل قسماً من قواتها الجوية إلى سوريا هو احتمال انهيار المؤسسات السورية ولعلمها أن الجيش وأجهزة الأمن كانت أثناء الأزمة مؤسسات حكومية محورية. مافتأت روسيا تستخدم مثال العراق لإثبات مدى الضرر الذي ألحقه التغيير الجذري في هياكل السلطة والذي أدى إلى الشلل الكامل لأجهزة الأمن الحكومية. لا ينتهي خطر التنظيمات الإرهابية بالقضاء عليها بل قد يستمر بعد ذلك بسبب احتمال ظهورها مرة أخرى. لذلك فإن أي حكومة قد تستلم البلاد ولو كان ذلك أثناء الفترة الانتقالية فإنه يتوجب عليها إعارة مسألة الأمن أهمية خاصة بسبب المخاطر المحتملة. بما أن معظم المعارضين يطالبون بحل الأجهزة الأمنية فإن ذلك من شأنه إبطاء عملية إصلاح البلاد.

يعتبر الأمن أثناء المرحلة الانتقالية شرطاً ضرورياً لابد منه لأنه يؤمن التربة لانطلاق العملية السياسية التي تضمنها أجهزة الأمن والجيش. يسعى القسم الأكبر من المعارضة السورية إلى تحطيم القوى المرتبطة بالنظام وهذا من شأنه أن يلحق أذى بالأمن. لذلك من الضروري التحرك بحذر شديد أثناء القيام بإصلاح أجهزة الأمن ويجب أن يتم ذلك تحت رقابة عامة و/أو دولية بحيث تقوم أجهزة الأمن الحالية بعملها في الحفاظ على الأمن. يحمل أي تصعيد جديد في طياته مخاطر جمة. لابد من إرساء الثقة بين أجهزة الأمن المختلفة والمجتمع السوري ويمكن أن يبدأ ذلك بإصلاح أجهزة الأمن. هذا الأمر سيؤدي إلى تحقيق نتائج إيجابية ببعض المسائل الحساسة التي يجب البدء بها قبل التفاوض على المسائل الأخرى الشاملة والمعقدة. لا يمكن تحقيق هذه النتائج إلا إذا أظهر الفرقاء الرغبة في التفاهم. لكن احتمالات هذه المقاربة مازالت ضبابية. توجد احتمالية واحدة لتحقيق هذا الأمر وذلك فقط عندما يقوم اللاعبون الأساسيون بالضغط على كل من المعارضة والنظام لجعلهم ينخرطون في مفاوضات الانتقال السياسي. دون هذا التدخل لا يمكن تحقيق هذه العملية.           

 

 

*المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي الحركة       


إلى الأعلى