تاريخ النشر: الجمعة ٢٦ - حزيران - ٢٠٢٠
Post Image تحمل عضوة الحركة السياسية النسوية السورية هناده الرفاعي صورة أخيها نايف الرفاعي الذي استشهد تحت التعذيب في معتقلات النظام السوري


تجربتي في المعتقل

 

 

*هناده الرفاعي

 

 

أظهرت الثورة قدرات المرأة السورية الكامنة، وألقت الضوء على قوتها وجرأتها، فقد ساهمت في كل المجالات منذ انطلاق الثورة، من الدعم النفسي إلى المظاهرات وإسعاف الجرحى، ثم العمل المدني بكافة نواحيه، وتعرضت لكل أنواع الخسارات من الخوف والإهانة والضرب إلى الاعتقال والتهجير، وكثيرات منهن فقدن حياتهن. والآن تلعب الكثيرات دور المعيل والسند لنفسها ولعائلتها، مادياً ومعنوياً، وما أكثر الزوجات لمعتقلين وما أكثر الأرامل.

اسمي هناده الرفاعي، مواليد 1962 من محافظة درعا، عند انطلاق الثورة، كنت أعمل معلمة رياضيات باللغة الإنكليزية في المدرسة الباكستانية بدمشق، لم أكن منتمية لأي حزب ولم يكن لدي نشاط سياسي، كانت عائلتي وأطفالي وعملي جل اهتمامي، لكن مع انطلاق أولى صرخات الحرية لم أستطع أن أكون غير فاعلة، شعرت أن هنالك ما هو أثمن من الروح وأسمى من الحياة ومن كل ما أملك، إنها الحرية والكرامة والعدالة، وصرخة شعب مقهور طربت لها واندفعت بكل ما أوتيت من قوة للمشاركة في طلب الحرية.

 تم اعتقالي بعد عام من بداية الثورة، وكانت البداية عند حصار مدينتي درعا، بدأت بالتعرف على ناشطات وناشطين شجعان، وهكذا تابعت وكنت أعمل ضمن فريق إعلامي بأسماء مستعارة، كنا ننشر كل ما يحدث خلال المظاهرات ونرسل الصور والمقاطع المصورة إلى كافة وسائل الإعلام والمنظمات الدولية المختصة بحقوق الإنسان، وخاصة صور المعتقلات والمعتقلين والشهيدات والشهداء، وآثار الضرب والتعذيب على أجسادهن/م في حال استطعنا الحصول على صور تظهر علامات التعذيب_ فبعض الأهالي كانوا يرفضون مشاركتها خوفاً من النظام، وكانوا يدفنون الشهيد بصمت خوفاً على باقي أفراد الأسرة، كذلك كنت أساعد في الحصول على أدوية لدعم المشافي الميدانية، إضافة إلى مساعدة النازحات/ين الذين أتوا إلى دمشق من مدن أخرى، ومن ريف دمشق.

مر الآن سبع سنوات على ذلك اليوم المقيت، يوم اعتقالي، وما أن بدأت بذكره حتى بدأت يداي بالارتجاف وقلبي بالخفقان. كان ذلك على حاجز عند مدخل دمشق، كنت عائدة من مدينة النبك برفقة شخصين، أحدهما ضابط منشق، والثاني مسعف في المشافي الميدانية، وقد ساقونا معاً إلى فرع المخابرات الجوية في مدينة حرستا بريف دمشق، حيث قضيت سبعة أشهر بذات الزنزانة.

عند الاعتقال تعرض الشابان للضرب والتعذيب قبلي، ثم جاء دوري، حيث رموني على الأرض وخلعوا حذائي ووضعوني في الدولاب، وبدأت حفلة الضرب والشتائم والتحقيق في مكتب رئيس الفرع وكان اسمه "محمد رحمون"، كان كل العناصر رجال، أذكر قهقهاتهم واستهزائهم بي، عند نهاية التحقيق في اليوم الأول، أمسكوا بي لإيقافي على قدمي، وشعرت أن دماء و دماء تسيل من أقدامي، كانوا يقولون هيا للدبكة، اقفزي بالهواء وادبكي، حتى لا تصابي بالشلل.

لا أندم أبداً على كل ما جرى لي، لأنني أنا من اخترت ذلك، ولو عاد الزمن بي لقمت بذات الدور، رغم أني خسرت أخي، فقد تم اعتقاله بعد اعتقالي بأسبوع، وكان حينها على رأس عمله، كقاضٍ عسكري في النيابة العسكرية.  تم الافراج عني بعد سبعة أشهر، ولكن أخي تمت تصفيته في سجن صيدنايا، بعد اعتقال دام عامين وشهرين، ضربوه حتى استشهد تحت التعذيب، ولا ندري أين أخفوا جثته حتى اليوم.

حتى اليوم لا تفارق مخيلتي تلك الزنزانة البغضية، أشم رائحتها، أرى الضوء الخافت بالكاد يصل من الممر الخارجي، والجدران الباردة التي تحمل ذكريات من سبقوني بالمكوث في زنزانة بعرض متر ونصف وطول ثلاثة أمتار، لكنها تضج بحكايا ومعاناة من دخلها، جدرانها تحولت لدفاتر تحكي ألم وأمل النزيلات والنزلاء. أذكر أرض الزنزانة... الأرض كانت تحمل رائحة الدم والقيء والبول.

والأهم من الجدران والأرض، إلى اليوم ترنّ أصوات البكاء والأنين وكلمات المعتقلات والمعتقلين في أذني حتى الآن، تقطعها شتائم السجانين، ما زلت أسمعها حرفياً، كنا نستيقظ عليها ونغفو عليها. أما رؤية الشبان المعلقين في الحمامات بطريقة "الشبح" ودماؤهم تسيل من أجسادهم الواهنة، فمنهم من أصابه الإغماء من الألم، ومنهم ما زال يصرخ، كلهم أحياء في الذاكرة وكأنه اليوم.

ذلك الشعور بالمهانة لا يوصف، ولا أستطيع نسيانه، ليس الضرب أثناء التحقيق... وليس الخوف... بل ذلك الشعور بأنني لا شيء ولا أملك أبسط حقوق الإنسان.
 

زميلات الزنزانة
عرفت في الاعتقال 64 امرأة، دخلن وغادرن نفس الزنزانة خلال سبعة أشهر. كن من شرائح عمرية واجتماعية ودينية مختلفة، كنت في البداية بمفردي، ثم بدأن بالتوافد، أحياناً كان يصل عددنا إلى سبع نساء، وفي إحدى المرات، كنا 12 امرأة معاً، وكنا ننام بالعرض وعلى جنب واحد لضيق المكان. نساء مختلفات المنشأ، لكن الهم واحد... والذل واحد... والرعب من الاغتصاب، الذي يهددون به طوال الوقت ويعرفون أنه الرعب الشخصي والاجتماعي الأكبر لكل معتقلة؛ واحد.

أذكر شابة فلسطينية، كانت طالبة جامعية، كيف عادت إلى الزنزانة ممتلئة بالرعب، لأنهم كانوا يقولون لها طوال التحقيق، خذوها إلى مهجع الرجال، سوف تعجبهم لأن جسدها ممتلئ.

 أذكر حين سمحوا لي بالاستحمام لأول مرة، وكان ذلك بعد ثلاثة أسابيع من دخولي الفرع، عندها أعطوني حقيبة، جلبها لي أخي القاضي العسكري عندما زارني في الفرع بعد يومين من اعتقالي. هذه الحقيبة الصغيرة، رغم أنهم سرقوا منها بعض الأشياء، وأخذوا فرشاة الأسنان وحمالات الصدر، حرصا منهم على سلامتنا، باعتبارها خطيرة وربما نستخدمها كأداة للانتحار، ولكن مع ذلك، ما تبقى بداخلها كان سبيلنا الوحيد للنظافة، كأن نحظى بتغيير ثيابنا، وغسل ما كنا نرتديه وننشره على قضبان نافذة الزنزانة الرطبة، وبالطبع كنا ننتظر وقتاً طويلاً حتى يجف، حيث كنا تحت الأرض، لا شمس ولا قمر ولا هواء. زميلاتي استفدن من حقيبتي (الكنز)، رغم أنها لم تكن تحوي سوى القليل من الملابس.

أما عن مخاوف الحمّام، أذكر كانت تشاركني الزنزانة حينها شابة حمصية، لم أستطع النوم ليلتها خوفاً من أن يكونوا سمحوا لنا بالاستحمام لكي يتحرشوا بنا أو يغتصبوننا. في الصباح فقط شعرت بالاطمئنان قليلاً، لأن ما كنت أخشاه لم يحدث.

معاناة النساء لم تكن سهلة، على جميع الأصعدة، لا زيارات، ولا مجال للحصول على أي ملابس ولا مستلزمات ضرورية، ومن شدة الخوف، كانت الدورة الشهرية تباغت كل معتقلة فور دخولها، وهذا ما حدث معي، كنت أتحايل على الممرض يومياً، للحصول على بعض القطن والشاش، وكنت ألف قطعة من القطن ببعض الشاش، وأعطيها لمن تأتيها الدورة الشهرية، كنت أقدم معتقلة هناك، لذلك كن يشعرن بالاعتماد علي كأم أو أخت لهن.

جميعنا اختبرنا عصا الكهرباء، ونُعتنا بأبشع الأوصاف، أذكر أول شابة دخلت بعدي، كانت من حمص وزوجها سعودي وأم لطفل، وكانت قد أقنعت زوجها بالقدوم إلى سوريا لتأخذ والديها معها إلى السعودية، تم اعتقالها وأبيها، بسبب وشاية قريبة لها مقابل المال، كانت تبكي وتصرخ، وهي تسمع صراخ أبيها تحت التعذيب، كانت تقول لي: "زوجي قطعاً سيطلقني ويأخذ طفلي، ولن أراهما بعد اليوم"، أغلبنا تعرض لمضايقات الأهل والمجتمع بعد تجربة الاعتقال. كل النساء كن يعبرن عن مخاوفهن، فمن سيتزوج معتقلة، فالرجل يخرج من الاعتقال بطل، أما المرأة فتخرج حاملة "العار"، وما زلت إلى يومنا هذا أتعرض لهذا السؤال حين أتعرف على أشخاص جدد، "هل تم اغتصابك في المعتقل؟؟؟"

 كثيرات خسرن عائلاتهن وأطفالهن بسبب الاعتقال، فذلك زوج أخذ ابنه وسافر عند اعتقال زوجته، وتلك تبرأ منها الأهل، وأخرى أصبحت تجربة اعتقالها مذمة لها عند أي شجار مع الزوج أو الأخوة، حتى أطفالنا، عندما يفشل أحدهم، يحملنا ذنب خروجه من سوريا بسبب مساهمة الأم بالثورة واعتقالها.

أكثر ما كان يقلقني خوفي على أولادي وأهلي، لأنهم في ساحة حرب بالخارج، كنت أتمنى الحصول على خبر لأطمئن عليهم، لذلك جربت الإضراب عن الطعام مرتين، ظناً مني أنني أستطيع إرغامهم على السماح لي بإجراء مكالمة هاتفية أطمئن فيها عليهم، استمر الاضراب عن الطعام كل مرة خمسة أيام دون أي طعام أو نقطة ماء، ولكنهم لم يرضخوا، وعند شعوري بالضعف وأنني سوف أفقد الوعي، كنت أتراجع خشية أن يتم نقلي إلى المشفى، حيث كنا نسمع أنه حتى في المشافي يتم ضرب المعتقلات والمعتقلين حتى الموت، وكنت أريد أن أبقى واعية لما يحدث حولي.

أما الطعام هناك، فكان يأتينا في وعاء بلاستيكي، ويسمى "قصعة"، نأكل الطعام بأيدينا، فهو عبارة عن أرز أو برغل دون ملح أو زيت، وعلى سطح الوجبة سكبت ملعقة من صلصة حمراء بالفاصولياء أو البامية، وأحيانا بطاطا مسلوقة مملوءة بالوحل ورائحتها كريهة نصف فاسدة، والأهم أن تلك الأوعية كانت في الحمام المشترك مع المرحاض، وأغلب السجناء يدخلونها معهم عند قضاء الحاجة، ولا يمكن رؤية لونها لأنها مغطاة بالحشرات، ولكنها النزعة للهروب من الموت ما يجعلنا نأكل رغم كل شيء، لذلك بعد خروجي من السجن، صرت أتعامل مع الطعام بشكل سلس، لم يعد مهماً  إن كان الطعام قديماً، ولا مشكلة لدي مع أكل الخبز اليابس حتى مع العفن، بت آكل الخضار والفواكه حتى دون غسلها، أما النوم فصار ممكناً تحت أي ظرف، بعد النوم على البلاط لمدة سبعة أشهر دون مخدة أو غطاء، ومع القذارة والحشرات والقمل الذي كان ينهش جسدي .

أعيش الآن في واحدة من أجمل مدن العالم، فيينا في النمسا، ولكن يخطر لي أحياناً أنني أحلم وسأستيقظ لأجد نفسي هناك، في تلك الزنزانة، حيث كنت أهرب أثناء الاعتقال للأحلام، كنت أتخيل أنني نائمة وأرى كابوساً مريعاً، وأنني حين أستفيق سأرى الأهل والشمس والقمر والشوارع والشجر، كم لعبتُ هذه اللعبة لتمضي الأيام والليالي والشهور، بالترقب وانتظار المجهول، كانت الثانية بطول عمر بأكمله.

 


إلى الأعلى