تاريخ النشر: الثلاثاء ٢١ - تموز - ٢٠٢٠
Post Image الصورة من حارات مدينة إدلب القديمة



في الإشكالية بين المدينة والريف...

النسوية مدخل لحل النزاع

 

 

 

*جليلة الترك

 

شهدت بعض الصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي مؤخراً طروحات مؤسفة في الحقيقة حول المدينة والريف. ولا غرابة في سيطرة التشويش على بعض العقول في هذه الآونة مما يؤدي إلى تعصّب الخطاب وطفو العنصرية على سطح الأفكار، فهي تتفشى في كل الكوكب من أقصاه إلى أقصاه، من العنصرية ضد السود في أميركا، إلى العنصرية ضد الأجانب في أوروبا، والعنصرية ضد المسلمين في الصين... إلخ. لكن أن يأتي ذلك متزامناً مع ما نعيشه اليوم من كوارث، فلا يمكن وصفه بغير حالة من الخواء الفكري والعطالة وغياب الأفق، والتي يصر بعض المصابين بها على تظهيرها للعلن. آثرت في البداية عدم الخوض في الجدال أو الكتابة حول الموضوع، ولكن التمادي العبثي في اللغط حوله، يستدعي إيضاح بعض الأمور، خاصةً بعد أن استرعى انتباه وسائل إعلامية سورية وشخصيات تشغل حيّزاً لا بأس به في فضاء السوريات والسوريين.

 

ما الجدوى الآن؟

هل حقاً ما يجب أن يشغل بالنا اليوم هي الإشكالية بين المدينة والريف، التي تعاني سوياً أهوال ما نعيشه؟ عشر سنوات من الحرب الطاحنة، في سوريا وعليها، فعلت الأفاعيل في بنية المجتمع السوري وأدّت إلى ظهور كل أنواع الأمراض المجتمعية والعقد النفسية لدى البعض منهم، كانت نتيجتها كافية لتقسيم المجتمع، بل قولوا تشظّيه، وتنسيل نسيج مكوناته ونشر الكراهية فيما بينها، ولقد كان للنظام وحاشيته الدور الأكبر في ذلك من خلال تأليب مكونات المجتمع على بعضها واستخدامها كأدوات لضربها ببعضها البعض حفاظاً على السلطة، مما فتح شهية القوى الإقليمية والدولية لاستغلال ذلك والتدخل لمصالحها امعاناً في التقسيم. وكنتيجة لما سبق يطالعنا البعض اليوم بسفسطته حول الفروقات بين المجتمع المديني والريفي وأثرها على الثورة. عندما نرى من ينكب على التفكير بهذا الأمر والحديث حوله، في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد، من احتلال أجنبي مباشر، تهديد وبائي خطير، ملايين المهجرات والمهجرين، مئات آلاف المعتقلات والمعتقلين، وأحوال اقتصادية ومعيشية يُرثى لها، وغيرها من الكوارث التي حلّت بنا، نجد أنفسنا أمام لوحة سريالية! ألا يوجد ما هو أضر ليتربّع على رأس سلم أولويات فكرنا؟ أم هي حالة من الترف الفكري المنفصل عن الواقع، التي يعيشها البعض ويريد اشاعتها بين السوريات والسوريين لتشتيت فكرهن/م المشتت بما يكفي؟

 

 تشويه البحث العلمي في أسباب ما آلت إليه الأمور!

إن تعليل إثارة الجدال حول إشكالية المدينة والريف بأنها محاولة للبحث بشكل علمي في أسباب مآلات الأمور من "فشل الثورة" كما يحلو للبعض تسميتها، وأن الاستدلال بهذا التقسيم وتبعاته باستخدام نَفَس عنصري، يمكن أن يقودنا إلى تفسير ما نحن فيه اليوم، هو ساقط شكلاً ومضموناً. فهل لرمي الكلام بهذه الطريقة العشوائية من خلال منشورات على وسائل التواصل أي علاقة بالبحث العلمي؟ وهل تؤهل ادعاءات البعض معرفتهم بالسياسة إلى الخوض في وضع نظريات علمية أو اسقاط نظريات سابقة لا تصلح لتفسير ظواهر حالية؟

لا يخفى على أي طالب علم، أن بناء النظريات أو استخدام بعضها حتى قبل التحقق من صحتها لا يأتي هكذا اعتباطاً، بل يحتاج إلى تأصيل، يمر بتعريف المفاهيم المستخدمة في صياغة تلك النظرية ووضع الفرضيات ومن ثم اختبارها للتأكد من اتساقها فيما بينها ومع النظرية الأعم. وانطلاقاً من هنا، فهل يمكننا فعلاً تعريف المدينة والريف كمفاهيم؟  وما هي طبيعة المعيار أو الفيصل الذي يجب الاعتماد عليه في التفريق بينهما؟ هل هو جغرافي مكاني فقط أم مفاهيمي نظري لا يمكن التحقق منه في الواقع؟ فماذا عن صحة الحديث حول المدن التي تريفت أو الأرياف التي تمدنت؟ ما مدى قدرة أي من الفرضيات التي يمكن صياغتها لبناء تلك النظرية على الصمود أمام التداخل المجتمعي الرهيب الناتج عن عوامل عديدة تفرضها الحياة الطبيعية للبشر؟ قبل الإجابة على تلك الأسئلة وربما على أسئلة أخرى تنبثق خلال بحثنا عن الأجوبة، لا يمكننا القفز مباشرةً للوصول إلى نتيجة موجودة في مخيلتنا مسبقاً ونريد إثباتها بأي شكل، ومن ثم ندّعي أن ما نتفوّه به يمت بأي صلة للعلم!

 

الحل في النسوية

أجزم أن خلاص السوريات والسوريين من محنتهن/م وخروجهن/م من التيه الذي هن/م فيه، يكمن في لم شمل مكوناتهن/م المجتمعية المتشظّية، وعلاج نسيجها الذي تفكك، وذلك من خلال بحثهن/م عمّا يجمعهن/م ويوحّدهن/م والعمل بكل جهد ممكن من أجل الوصول إليه، وليس بالاستمرار في السعي خلف ما يفرّقهن/م ويقسّمهن/م ويصبّ الزيت على نار الحرب التي تحرقهن/م جميعاً منذ 10 سنوات. ويبقى ذلك رهن بوقوفهن/م في وجه أي مشروع قومي، طائفي، أو مناطقي واجتماعهن/م خلف قضية يتفقن/ون عليها، لتكون بمثابة ربط نزاع حتى الوصول إلى دولة المواطنة الجامعة القائمة على القانون والمؤسسات والمساواة بين كل المكونات المجتمعية وصيانة حقوقها وكرامتها. أعتقد أنه في هذا المجال لا يوجد قضية أفضل وأنسب من النسوية تحمل المقومات المطلوبة، وفي هذا السياق لا بد لي من التنويه إلى أنه يمكن التعمق أكثر في شرح المقومات بما لا يتيحه مقال الرأي، ولكن هناك عدة اعتبارات يمكن ذكرها، أهمها ارتباط هذه القضية بالواقع اليومي المعاش للسوريات والسوريين وعدالتها والحاحها، بالنظر إلى شؤون المرأة السورية، وحاجتها للدعم. هناك شريحة واسعة من السوريات والسوريين يناضلن/ون في سبيل هذه القضية ولديهن/م ما يمكن تقديمه على هذا الصعيد، كونها عابرة للجماعات وتعني أكثر من نصف المجتمع، بالإضافة إلى أنّها لا تخلق حالة صدامية مع المجتمع الدولي. لذلك أدعو السوريات والسوريين إلى ثورة وعي حول النسوية لأنها ستكون مطروحة بقوة على رأس القضايا المستقبلية في سوريا، تبدأ بتكثيف النقاش حولها منذ الآن من خلال إطلاق ندوات وورش عمل للوصول إلى فهم وتفهّم جمعي لهذه القضية، خاصةً وأن معظم المواقف التي تتعارض معها مبنيّة على أحكام مسبقة تجعل مجرد التفكير بها من قبل البعض بمثابة "تابو"، مع الاشارة إلى أن التنميط الناجم عن تعميمات مبنية على الأحكام المسبقة مؤذٍ للحياة المجتمعية السليمة، كما في حالة الإشكالية بين المدينة والريف. ومن المهم الانتساب إلى الحركات والمنظمات النسوية لإعطائها زخم أكبر ومن أجل الحفاظ على الفاعلية الاجتماعية من خلال تأطيرها مؤسساتياً، وذلك للابتعاد عن النهج العشوائي والتفرّد الذي صبغ الحياة العامة للسوريات والسوريين في العقد المنصرم.



*المقال يعبر عن رأي الكاتبة ولا يعبر بالضرورة عن رأي الحركة



إلى الأعلى