تاريخ النشر: الثلاثاء ١٠ - تشرين الثاني - ٢٠٢٠
Post Image


النساء المعيلات ضغوط وتحديات

 

*كبرياء الساعور

 

 
تركت سنوات النزاع في سوريا أثرها على المجتمع، وأدت لنزوح ملايين السوريات والسوريين، وتعد النساء اللواتي فقدن المعيل بسبب القتل والاعتقال والتهجير من الفئات الأكثر ضعفاً بين اللاجئات واللاجئين، وهذا الضعف يشمل جوانب تأمين سبل العيش والقدرة على الصمود. لقد تزايدت نسب النساء المعيلات بحسب مفوضية اللاجئين لعام 2014، حيث بلغت ربع اللاجئات السوريات.
لم تلق ظاهرة المرأة المعيلة العناية اللازمة لجهة تسلط الضوء عليها أو دراسات لتحديد احتياجاتها الفعلية، كما أن معايير المساعدات المقدمة لم تراع الحساسية الجندرية والثقافية لتلك الفئة. لقد وجدت آلاف النساء السوريات أنفسهن في مواجهة مسؤوليات جديدة، أجبرتهن على خوض صراع يومي بمفردهن للبقاء على قيد الحياة وعائلاتهن.
 وتعرف المرأة المعيلة: بالمرأة التي تتولى الإنفاق على أسرتها بالكامل، وهي تشمل فئات الأرامل وزوجات المعتقلين والمرضى والمعوقين، كما تشمل النساء اللواتي لم يتزوجن.
وظاهرة المرأة المعيلة منتشرة بشكل كبير في المجتمعات العربية، ويرى علماء الاجتماع أن هناك علاقة بين ظاهرة تأنيث الفقر والمرأة المعيلة، فالأسر التي ترأسها نساء معرضة أكثر من غيرها للفقر مقارنة بالأسر التي يرأسها رجال، نظراً لمحدودية الوصول إلى فرص العمل والأعباء التي تضطلع بها النساء داخل الأسرة، التي تحد من تطوير قدرتها بالتعليم، فمعظم النساء المعيلات من الفئات المهمشة لا تشملهن برامج التأهيل والتدريب، وتشير تقارير التنمية البشرية إلى وجود فجوة بين الرجال والنساء في الفرص الوظيفية والأجور والتعليم تسهم في تنامي ظاهرة "تأنيث الفقر".
وفي تقرير الفجوة بين الجنسين العالمي لعام 2019، تأتي سوريا في ذيل القائمة حيث تحتل المرتبة 150 من أصل 153، وينطوي ذلك على فجوة في الموارد والفرص الاقتصادية والعلمية والسياسية المتاحة للنساء والرجال.
 
كيف تتمكن اللاجئات السوريات المعيلات من التكيف الاقتصادي؟
وما هي التحديات والضغوط الاجتماعية والنفسية التي يواجهنها؟
إن عملية كسب العيش في ظروف اللجوء تختلف عنها في الوضع الطبيعي، لقد خسرت معظم اللاجئات/ون السوريات/ون مواردهن/م وشبكات الدعم الاجتماعي والمادي، ويعانين/ون من مشكلات نفسية وصحية تؤثر على قدراتهن/م في التكيف الاقتصادي، وتأمين دخل مستدام يحقق الأمان المعيشي، وبالنظر لواقع النساء السوريات المعيلات نجد أن الشريحة الأوسع من هذه الفئة لا تمتلك مهارات تؤهلها لكسب العيش، فالمستوى التعليمي لمعظمهن هو مرحلة التعليم الابتدائية أو الأمية مقارنة مع نسبة قليلة من النساء اللواتي حصلن على تعليم ثانوي أو جامعي.
 كما تلعب بيئة البلد المضيف دوراً في التكيف الاقتصادي للاجئات/ين، تبعاً للحقوق الممنوحة لهن/م لاسيما في مجال تصاريح العمل.

في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تعيشها آلاف الأسر السورية في تركيا، تواجه اللاجئات المعيلات ضغوطاً يومية، من أجل كسب العيش وتأمين احتياجات عائلاتهن من غذاء ومأوى، ومع صعوبة الحصول على فرص عمل، اضطرت الكثيرات إلى العمل في اقتصاد الظل، أو الاقتصاد غير الرسمي بشروط غير عادلة، ساعات عمل طويلة وأجور متدنية، كما تعتمد النساء المعيلات أساليب وطرق متنوعة، مثل المشاريع المنزلية كالطبخ وتأمين طلبات الطعام أو العمل في تصفيف الشعر في المنزل، والعمل بوظائف غير رسمية كأعمال التنظيف، ونظراً لأن أغلب المعيلات ينتمين لفئة العمالة غير الماهرة لذا فإن العمل في المنزل هو خيار الكثير من النساء، حيث يعملن بالقطعة لصالح ورشات الخياطة، وهو عمل لا يحتاج للخبرة أو اللغة، وهو يناسب النساء اللواتي لديهن أطفال، كما تعمل اللاجئات السوريات المعيلات في تركيا في ورشات الخياطة وتوابعها وهي الأكثر رواجاً.

تحصل هذه الفئة على بعض المساعدات المادية والعينية من الجمعيات الخيرية ومنظمة الهلال الأحمر التركية، غير أن المعايير التي تضعها بعض الجهات للحصول على المساعدة، تحرم بعض النساء من الحصول على الدعم، وهو بالأصل قليل نسبياً.
كما تعاني اللاجئات السوريات من الاستغلال من قبل أرباب العمل، لجهة الأجور المتدنية وغياب الضمان الاجتماعي، حيث يفضل أرباب العمل العمالة الرخيصة والمحرومة من الحقوق.

 

التحديات الجندرية:

تواجه النساء السوريات المعيلات، تحديات اللجوء مثل بقية السوريات/ين، لكن النساء المعيلات يواجهن تحديات خاصة، بسبب النوع الاجتماعي، حيث يضطلعن بأدوار مضاعفة، من أعباء المنزل والرعاية بالإضافة لدورهن الجديد في إعالة الأسرة معيشياً، وبالنظر للخلفية الثقافية الاجتماعية للمعيلات المتمثلة بالمجتمع الأبوي، الذي يعطي السلطة المطلقة للرجال في مناحي الحياة المختلفة، مما جعل الكثير من المعيلات يعانين من نظرة المجتمع لهن، بسبب خروجهن من المنزل والاحتكاك بالرجال، حيث  ترزح المرأة المعيلة تحت ضغط عائلتها، وفي أحايين كثيرة تتدخل العائلة  لمنعها من العمل، دون  تقديم العون  اللازم.
السيدة (ن) لاجئة سورية مطلقة في العقد الثالث، تعمل في الترجمة وتعليم اللغة التركية لتعيل أسرة مكونة من أربعة أطفال، عانت من صراع مرير بسبب تدخلات عائلتها والتي وصلت للتهديد، اضطرت معها لترك فرصة عمل في مؤسسة اقتصادية، بحجة التعامل مع الرجال، في الوقت الذي لم تقدم عائلتها أي دعم لها في إعالة أسرتها، وتحمل تكاليف الحياة المعيشية الباهظة في تركيا، فضلاً عن العبء الكبير لتربية أطفالها والتعامل مع مشكلاتهم، ولقد تعرضت من جراء ذلك للإنهاك النفسي، الذي استنفد طاقتها في مواجهة التحديات المركبة والمعقدة.
وتؤثر الخبرات الجندرية للنساء قبل اللجوء على أسلوبهم وقدرتهم في التكيف الاقتصادي، وتتجلى بشكل أوضح لدى النساء اللواتي لم يعملن سابقاً، فالكثير من النساء المعيلات يفتقرن للخبرة الحياتية في الفضاء العام.
(أم محمد) سيدة مطلقة في الأربعين من عمرها، وهي لاجئة من مدينة حلب، لم تعرف الخروج إلى الشارع بحسب قولها، واليوم تعيل أسرة مكونة من طفلين، في البداية وجدت صعوبة في التعامل مع مجتمع وثقافة جديدة، لكن في المقابل كان لهذا التغيير أثره الإيجابي على شخصيتها وشعورها بالتقدير، تتحدث أم محمد عن تجربتها فتقول: "إن العمل يكسب المرأة الاحترام حتى أمام أفراد أسرتها".
 تواجه النساء المعيلات ضغوطاً نفسية عديدة، حيث يشير الخبراء في علم النفس إلى أن المرأة المعيلة هي عرضة أكثر من غيرها للضغوط النفسية، الأمر الذي يضعف قدرتها على التكيف، وتنتشر بين النساء اللاجئات أمراض نفسية مثل الاكتئاب والقلق وغيرها.


قليلة هي الدراسات عن النساء السوريات المعيلات، ومن هذه الدراسات دراسة ميدانية بعنوان (لاجئات، عن تكيف اللاجئات السوريات المعيلات في اسطنبول 2011-2018) رسالة ماجستير لـ "منى هداية" هدفت الدراسة إلى تسليط الضوء على واقع النساء المعيلات، وجلب المزيد من الاهتمام لتمويل مشاريع سبل العيش وتطوير أشكال الدعم المقدمة للاجئات المعيلات.
رصدت الدراسة الآليات التي طورتها اللاجئات السوريات في ظروف اللجوء الصعبة، وبحثت في الأنماط والآليات المتنوعة للتكيف الاقتصادي، ولقد بينت الباحثة أن قطاع سبل العيش مهمل إلى حد ما، ويعاني من نقص كبير في التمويل والدعم الإنساني، كما نوهت الباحثة إلى أن تلك الآليات ليست بالضرورة آليات ايجابية، بل هناك آليات سلبية تجلت في تنامي ظاهرة زواج القاصرات وعمالة الأطفال وحرمانهم من التعليم، الأمر الذي يفاقم تدهور رأس المال البشري لهذه الأسر، ويعيد إنتاج الفقر.
كشفت الدراسة أيضاً أن اللاجئات المعيلات يواجهن تحديات تتركز في الوصول للخدمات المختلفة، نظراً لحاجز اللغة، وضعف المعرفة بالإجراءات البيروقراطية المعقدة المطلوبة، بالإضافة لموقف المجتمع المضيف، مثل ظهور بعض المواقف العنصرية ضد اللاجئات/ين السوريات/ين.
كما لفتت الدراسة إلى أن سوق العمل لا يخلو من محاولات الاستغلال الجنسي، حيث اشتكت النساء من التعرض للتحرش الجنسي بمستويات مختلفة، من قبل أرباب العمل والزملاء في مكان العمل، ومن صور الاستغلال الجنسي الأخرى؛ رضوخ بعض اللاجئات الشابات للقبول بالزواج العرفي غير الموثق، أو أن تكون زوجة ثانية لرجال أتراك أو سوريين أو رجال أعمال يترددون على إسطنبول بحكم العمل.


في أحيان كثيرة تضطر النساء المعيلات للتكيف مع الظروف الاقتصادية إلى تقليل النفقات للحد الأدنى، من خلال تقليل عدد وجبات الطعام أو التقليل من نوعية الطعام، ولمواجهة غلاء ايجارات السكن تضطر الكثير من الأسر للإقامة في مساكن تفتقر للحد الأدنى من الشروط الصحية، أغلب اللاجئات يشعرن بالخوف من المستقبل المعيشي ويرافقهن هاجس عدم الاستقرار، الذي يزيد من صعوبة التخطيط للمستقبل.


تعد النساء المعيلات أكثر الفئات احتياجاً للدعم والمساندة، لذا لابد من دعم النساء في الدخول لسوق العمل من خلال توفير فرص التدريب والتأهيل، وإقامة برامج دعم فئة النساء المعيلات للحصول على مساعدات مادية، وتيسير فرص التعليم لأولادهن، وتزويدهن بالمشورة المناسبة للمشكلات الاجتماعية والنفسية، وتنمية إمكانات النساء ليتمكن من الخروج من دائرة الفقر.

 

 

*كل ما ذكر في المقال يعبر عن رأي الكاتبة، ولا يعبر بالضرورة عن رأي الحركة

 

إلى الأعلى