تاريخ النشر: الجمعة ٠٨ - كانون الثاني - ٢٠٢١
Post Image



الجندر والتنمية

 

*نبال زيتونة

 
لاشكّ بأنّ العدالة الجندريّة، تساهم إلى حدّ كبير في دفع عجلة التنمية، حسب منظّمة الأغذية العالميّة، حيث تُعدّ قضية محوريّة للقضاء على الفقر. من هنا، تحثّ المنظّمة على الدفع باتجاه تمثيل الجندر في السياسات الاقتصاديّة، التي تعمل على ردم الفجوة بين الجنسين في الحصول على الموارد والخدمات، وتجد فيها أحد أهم السبل لمكافحة الفقر والعوز، وتحسين الزراعة، وتدعيم التنمية الريفيّة المستدامة والمنصفة. كما ترى أن تمكين المرأة الريفيّة من المشاركة في اتخاذ القرار، يسهم في تحسين مستوى الأسر المعيشيّة والمجتمعات المحليّة، ويساهم أيضاً في دفع عجلة النموّ الاقتصاديّ. ولا يغيب عنها أن المرأة الريفيّة تدعم الأسواق الزراعيّة الوطنيّة والدوليّة بآن، إضافة إلى أنها تدعم جهود الارتقاء بالمستوى الاقتصاديّ للأسرة، وتأمين حصول المرأة على دخل لرفع مستواها المعيشيّ، ودعم دورها في الأسرة والمجتمع.

فالاستثمار في المرأة أمر بالغ الأهميّة، لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وذلك من خلال الإقرار بالمساواة بين الجنسين، وتمكين المرأة لامتلاكها أدوات العمل.

أمّا منظمة العمل الدوليّة، فترى أنّ العدالة الجندريّة تساهم في التصدّي للعنف الممارس على المرأة، ويفضي إلى دعم أهداف التنمية المستدامة من خلال زيادة إنتاجها في العمل. في حين ينعكس العنف المنزليّ والعنف في مكان العمل، سلباً على الاقتصاد، ويكلّفه خسائر فادحة.


فكيف نقرأ أهميّة السياسات الجندرية، وانعكاساتها على التنمية في الحالة السوريّة؟!
 لعلّ ما يميّز المشهد السوريّ اليوم، هو انعدام الأمن الغذائيّ، الذي يُرخي بظلاله القاتمة على حياة السوريّات/ين على امتداد التراب السوريّ طولاً وعرضاً، ويحفر آثاره العميقة في حياة الأسر واستقرارها، في ظلّ الأزمة الاقتصاديّة الحادة، مضافاً إليها وباء كوفيد19، ليس داخل البلاد فحسب، بل وفي مخيمات اللجوء أيضاً، حيث ترتفع معدّلات انعدام الأمن الغذائيّ والصحيّ بوتيرة مرعبة.

وكثيراً ما لجأت الأسر إلى تبنّي تدابير قاسية في التقشف لمواجهة الأزمة. فحسب برنامج الأغذية العالميّ، هناك ما يزيد على التسعة ملايين سوريّ/ة يئنّون تحت وطأة انعدام الأمن الغذائي، وهذا العدد قابل للزيادة في ظل تفشّي وباء كوفيد19، وانعدام الخدمات الصحيّة. ويأتي تأثير هذه الأزمة أكثر إيلاماً على حياة النساء والأطفال.

لاشكّ بأنّ أولويّات النساء، تتلخّص في بيئة آمنة، تفسح لها المجال أولاً، لتعمل على تأمين أسباب الحياة. فالمرأة السوريّة على اختلاف مناطق تواجدها في الداخل، مازالت مرتهنة للقوى العسكريّة المسيطرة على الأرض، بدءاً من مناطق النظام وداعميه، مروراً بمناطق سيطرة قوى الأمر الواقع والفصائل الإسلاميّة في الشمال، وليس انتهاءً بمخيّمات اللجوء في دول الجوار، التي تستخدم اللاجئات/ين كورقة ضغط سياسيّة.

وفي الوقت ذاته، تدفع المنظّمات الفاعلة في الداخل السوريّ وفي دول الجوار، باتجاه تحسين أوضاع النساء. لكنها أيضاً تبقى مرتهنة إلى حدّ ما، لسياسات الجهة المسيطرة أو البلد المضيف، وتخضع لشروطها وتوجّهاتها. أو تكون رهينة للجهة المموّلة التي تحدّ من نشاطها في مواكبة الأولويّات. فيأتي دعمها قاصراً، ولا يلبّي الاحتياجات الأساسيّة للنساء.

في الحقيقة، لم تكن النساء يوماً عاجزاتٍ عن تحديد أولويّاتهن، حتى في أحلك الظروف التي مررن بها، فكنّ في كلّ مرحلة قادراتٍ على اجتراح الحلول المعجزة، في ظلّ الانسدادات الكثيرة الحاصلة على مدار سنوات الحرب الطويلة. فقد شهدت مدن وبلدات سوريّة عدة، حصاراتٍ طويلة من النظام وداعميه، على مرأى ومسمع المنظّمات الأمميّة والمجتمع الدوليّ، وكانت المرأة قادرة إلى حدّ ما على اجتراح الحلول لاستمرار الحياة. لم تكن السوريّات قاصراتٍ، في حين عجزت المنظّمات الأمميّة الداعمة لحقوق النساء، عن تغطية الاحتياجات الأساسيّة لهن، كما عجزت عن الضغط على المجتمع الدوليّ لتسريع وتيرة الحلّ السياسيّ الشامل، الذي من شأنه أن يوفر البيئة الآمنة للتنمية المستدامة.


لم تغب ورقة التنميّة الجندريّة عن أعمال الحركة السياسيّة النسويّة السورية، حيث عملت عبر لقاءات تشاوريّة مع نساء الداخل، على صياغة ورقة سياساتيّة، توجز رؤية النساء السوريّات للمشكلة القائمة أساساً على فقدان مقوّمات الأمان الاقتصادي، التي جُيّرت لخدمة مصالح القوى المسيطرة على حساب المجتمع المحليّ، وتراجع الاقتصاد الرسميّ أمام اقتصاد الظلّ. كما استشرفت الحلول بمجموعة من التوصيات، مبنيّة على أسس الاستقرار الأمنيّ والسياسيّ، لتفعيل دور المؤسّسات، ودعم العمل المدنيّ على خلفيّة قانونيّة منصفة، لخلق بيئة اقتصاديّة منتجة.

وأخيراً، ستظلّ السياسات الجندريّة قاصرة في الحالة السوريّة، طالما أنّ المنظّمات الأمميّة الداعمة لحقوق النساء، عاجزة عن الضغط على المجتمع الدوليّ، في تسريع وتيرة الحلّ السياسيّ الشامل، ما يتيح بيئة آمنة للسوريّات، لإعادة ترميم خرابهن الذي طال أمده.

 


*كل ما ذكر في المقال يعبر عن رأي الكاتبة، ولا يعبر بالضرورة عن رأي الحركة



إلى الأعلى