تاريخ النشر: الأحد ١٨ - آب - ٢٠١٩
Post Image

بعد تناولنا لوجبة السحور بوقت قصير، استهدف صاروخان الشارع الذي كنت أقيم فيه، رأيت الشظايا تتطاير بين أولادي كالسكاكين وبعد لحظات من إدراكي أننا جميعاً سالمين؛ قررت النزوح رغم رفضي المستمر للفكرة سابقاً.

توجهنا بداية إلى كفركرمين، استقبلتنا عائلة صديقة لم يكن حالهم أفضل منا فهم نازحون أيضاً وضيق المكان جعلنا لا نطيل البقاء، توجهنا ليلاً نحو قبو في سرمدا، كان رطباً وفارغاً تماماً، قررت أن أطرق أبواب الجيران علني أحصل على بطانية أو وسادة تخفف عن أولادي الشعور بالبرد، لكنهم رفضوا "ماما الدنيا ليل وما منعرف حدى كيف بدك دقي عليهم، وأصلا ما في برد"، نمنا ليلتها أنا وزوجي وأولادي الستة على الأرض، ليلة باردة وموحشة، عندما استيقظنا في الصباح كان أولادي يعانون من الإقياء. قررت أن أعود لكفرنبل لأحضر بعض الأشياء من منزلي، كان قراراً صعباً، أراد زوجي أن يرافقني أو أن يذهب هو لكنني رفضت وبحزم شديد. حقيقة لم أكن أريد أن يخسر أولادي الأم والأب في ضربة واحدة؛ ولم أرد أن أفقده، خرجت مسرعة؛ أمسكت نفسي عن البكاء أمام أولادي، آخر ما سمعته منهم رجائهم لي بأن لا أذهب.

كنت سابقاً حين أغادر كفرنبل أعد الدقائق لأعود إليها لكن طريقي إليها اليوم يشبه الكابوس، إنها جهنم.
طوال الطريق لم أتوقف لحظة عن التفكير بأولادي، ترى هل سأراهم مرة أخرى؟ 

عند وصولي للمعرة التي تبعد ١٥ كم عن كفرنبل طلبت من السائق أن يشغل القبضة اللاسلكية حتى أسمع حركة الطيران "حربي نفذ، حربي أقلع، حربي..." قلت له أكمل فإذا كان الموت مقدراً لي فلا بد من ذلك. عند وصولي لكفرنبل كانت الشوارع فارغة، شاهدت الدمار الذي لحق بالأبنية بسبب قصف الطيران، توجهت فوراً نحو منزل والدي الذي يبلغ من العمر ٨٠ عاماً والذي رفض الخروج من بيته وأرضه ككل المسنين في كفرنبل، في الساعة الحادية عشر ليلاً ذهبت لمنزلي، وعلى ضوء الهاتف لملمت أكثر الحاجات ضرورة وطلبت قلاب رمل لنقلها فكان من الصعب جداً تأمين شاحنة، توجهت فوراً نحو سلقين لكن لم نجد بيتاً للإيجار فكل البيوت مؤجرة، رأيت الناس تجلس في الشوارع وفي الأراضي الزراعية تحت الأشجار، استأجرت محلاً تجارياً لأضع الأشياء التي أحضرتها بشكل مؤقت، والآن أجلس في منزل عبارة عن غرفتين صغيرتين مع ٣٨ شخصاً.

كان النزوح كارثةً لا تختلف برعبها وقسوتها عن قصف الطيران، حتى أن بعض العائلات فضلت العودة لبيوتها والجلوس تحت نيران القصف، بسبب ما عانوه من تجربة النزوح. والخوف الآن من أن يبدأ القصف في الأماكن التي نزحنا إليها، فالكثير من أهالي كفرنبل نزح إلى الأتارب وبعدها بأيام بدأ القصف فيها، وكأن الموت يلاحقنا في كل مكان.

الشهادة من عضوة الحركة السياسية النسوية السورية سعاد الأسود Soad Alaswad من مدينة كفرنبل.

إلى الأعلى