تاريخ النشر: الأحد ٠١ - أيلول - ٢٠١٩
Post Image


كتب أسامة العاشور عضو الحركة السياسية النسوية السورية هذه الورقة السياسية التي تناول فيها  الصراع في إدلب ومآلاته خلال جلسة النقاش السياسي مع الهيئة العامة للحركة السياسية النسوية السورية بتاريخ 12/6/2019.


لا تزال الحملة العسكريّة الشرسة التي تشنّها قوات النظام السوريّ وحليفها الروسي منذ تاريخ 29/4/2019 مستمرة على مناطق ريف إدلب الجنوبي، وريف حماة الشمالي، وريف اللاذقية، وريف حلب والتي كرسها اتفاق سوتشي بين روسيا وتركيا، في 17 أيلول 2018 كمناطق منزوعة السلاح ضمن منطقة خفض التصعيد الرابعة في سوريا بموجب اتفاق استانة في منتصف أيلول عام 2017.

وقد أدى هذا الهجوم الآثم حتى التاسع من حزيران الحالي على الشمال السوري إلى مقتل 697 شخصاً، بينهم 203 أطفال. وبلغت أعداد النازحين أكثر من نصف مليون إنسان  فيما ذكر أنّ عدد المنشآت الحيوية والبنى التحتية المستهدفة بلغ 183 نقطة، بينها 57 مركزاً طبياً ومستشفى، وستة مراكز للدفاع المدني و71 منشأة وبناءً تعليمياً وستة مخيمات للنازحين و31 مسجداً، إضافة إلى 11 مخبزاً.  ويُنذر استمرار التصعيد هذا بسقوط اتفاق سوتشي ومعه كامل مسار أستانا، وبمواجهة شاملة ومديدة بين قوات المعارضة المدعومة تركياً وقوات النظام المدعومة روسيا وتستنزفهما معاً وتستدعي قتلاً ودماراً وتشريداً لما يقرب من أربعة ملايين مدني يعيشون في هذه المنطقة أكثر من ثلثيهم  من النساء والأطفال وبخسارة المعارضة خلالها الأرض وموقفها التفاوضي ما قد يقضي على فرص تحقيق اتفاق سلام وحل متوازن في سوريا تنتقل بموجبه من الديكتاتورية إلى مسار من الديموقراطية وفق قرارات جنيف.

جذر التصعيد ومرجعية اتفاق سوتشي :

نص اتفاق سوتشي على التزام الجانب الروسي ضمان عدم القيام بعمليات عسكرية ضد إدلب، في مقابل إبعاد الجماعات "المتطرفة" عن المنطقة منزوعة السلاح، وهي منطقة تفصل  بين مقاتلي المعارضة وقوات النظام السوري، في ريفَي إدلب الجنوبي وحماة الشمالي، بعرض يتراوح بين 15 و20 كيلومتراً. كما نص الاتفاق على "العمل على ضمان حرية حركة السكان المحليين والبضائع، واستعادة الصلات التجارية والاقتصادية، واستعادة حركة الترانزيت عبر الطريقين إم 4 (حلب -اللاذقية) وإم 5 (حلب -حماة) بحلول نهاية عام 2018". كما أكد الطرفان "عزمهما محاربة الإرهاب داخل سوريا بجميع أشكاله وصوره"، واتخاذ "إجراءات فاعلة لضمان نظام مستدام لوقف النار داخل منطقة خفض التصعيد في إدلب عبر إنشاء 12 نقطة مراقبة للجيش التركي، وقيام  تركيا وروسيا بتسيير دوريات عسكرية منسقة على امتداد حدود المنطقة منزوعة السلاح وباستخدام طائرات من دون طيار لمراقبة الالتزام بالاتفاق".

ما الذي تحقق من الاتفاق؟

ما تحقق فعلياً من هذا الاتفاق هو تعزيز نقاط المراقبة التركية الـ 12، وسحب المعارضة لأسلحتها الهجومية من المنطقة منزوعة السلاح. وبالمقابل لم تخرج عناصر هيئة تحرير الشام من المنطقة منزوعة السلاح، ولم تسيَّر الدوريات الروسية المشتركة على حدود المنطقة، ولم يُفتح طريقا M4 وM5  رغم موافقة الهيئة على فتحهما شريطة أن توكل لها حمايتهما في إدلب، كما لم يسحب النظام أسلحته الهجومية، ولم يتوقف عن انتهاك وقف إطلاق النار.

التحديات التي واجهت الاتفاق:

أ‌-     ما حصل في سوتشي لم يرقَ الى مستوى اتفاق أو معاهدة بل هو تطوير فني لاتفاق تخفيض التصعيد وتمديد للمهلة الممنوحة لتركيا للتعامل مع هيئة تحرير الشام.

ب‌- الطريقة التي صيغت فيها مواد الاتفاق يجعلها قابلة لتعدد التفسيرات  وفي الغالب ما كان للطرفين الروسي والتركي فهمين متباينين لكل بند.

ت‌- لا توجد ضمانات حقيقية بأن النظام السوري سيلتزم تماماً بهذا الاتفاق بل الأمر منوط بالضغط الروسي عليه لتنفيذ الاتفاق وعدم تخطيه.

ث‌- إنَّ ترك بعض التفاصيل المهمة للتفاهم حولها لاحقاً تَسبّبَ بإشكالات كبيرة.

ج‌-  أكبر تحدٍ للاتفاق هو كيفية تفكيك هيئة تحرير الشام حتى لا يكون ذريعة للنظام وروسيا للتدخل.

ح‌-    ارتباط الاتفاق بالتفاهمات الأميركية التركية حول شرق الفرات واستعداد روسيا والنظام لتقويضه إذا لم تتم هذه التفاهمات بموافقتهم

الظروف السياسية واللوجستية للتصعيد:

حققت روسيا بهذا الاتفاق هدفاً سياسياً مهماً هو استمرار الزحم  لمسار أستانا ومنحها قدراً أكبر للسير في رؤيتها للحل السياسي وإصلاح دستوري وانتخابات، والإطاحة بهيئة الحكم الانتقالي.. أي القضاء على مسار جنيف مستفيدة من التعاون التركي معها في هذا المجال، وهي عملياً لم تغير خطتها الاستراتيجية المبنية على الحسم العسكري لتتمكن من فرض حلها في النهاية، وإنما كانت تؤجله، فروسيا تعتبر الاتفاقيات حول مناطق خفض التصعيد، ترتيب مؤقت، وأنه في النهاية، لا بد من عودة هذه المناطق إلى سلطة النظام لذلك استخدمت في ادلب نفس سياستها في إدارة مناطق خفض التصعيد الثلاثة السابقة، حيث تبدأ  بالتسخين المدروس في مناطق محددة ثم تلجأ الى القضم التدريجي لبعض المواقع و تقطيع الجغرافيا" وتهجير المدنيين والعسكرين عبر قصف البنى التحتية ومقومات الحياة وصولاً إلى اجتياح المنطقة عسكرياً بتوافقات سياسية وميدانية، معتمدة الفارق النوعي في موازين القوى

لم يرق للروس فشل مفاوضات أستانا 12 وبدا أنهم متضايقون جداً من الحصار الأمريكي النفطي على النظام السوري، وهذا ما يضعفهم في سوريا، كما أنهم غير مرتاحين لتقدم التفاهمات الأمريكية التركية شرق الفرات التي قد ينجم عنها تفاهمات أكبر حول الحل النهائي في سورية بمعزل عن الروس، إلا أن أكثر ما أثار حفيظة الروس هو عدم قبول هيئة تحرير الشام بالدوريات المشتركة، وعدم تعهد الأتراك بضمان حمايتها، وعدم ضغطهم على الهيئة لإخلاء المنطقة منزوعة السلاح بحلول 15 تشرين الأول 2018 كما حمَّل الروس الأتراك مسؤولية عدم ضبط منطقة خفض التصعيد، واستهداف القاعدة الجوية الروسية في مطار حميميم العسكري، (رغم أن هذا الاتهام غير صحيح فلم  تقصف القاعدة إلا  بعد القصف الروسي الجنوني على إدلب المتزامن مع فشل مفاوضات أستانا).

التصعيد الأخير في إدلب الذرائع والأسباب:

 بدأ التصعيد على إدلب من قبل النظام والروس في شباط 2019 (3)عبر المفخخات وتصاعد عبر القصف المدفعي والصاروخي تدريجيا (4)حتى بداية  الهجوم المباشر بكل صنوف الأسلحة في اواخر نيسان 2019 متذرعين ب:

1-  رفض هيئة تحرير الشام تنفيذ بنود اتفاق سوتشي ومنها تسيير الدوريات التركية الروسية المشتركة، وسحب جميع مقاتليها من المنطقة العازلة رغم إعطائهم مهلة أشهر إضافية بعد الخامس عشر من شهر تشرين الأول/أكتوبر موعداً لسحب هذه القوات وفق ما نص عليه الاتقاق.

2-  مصرع 22 جندياً من قوات النظام أواخر نيسان/ أبريل 2019 نتيجة هجمات نفذتها هيئة تحرير الشام  في إطار التصعيد المتبادل.

3-   تعرض مطار حماة العسكري، وقاعدة حميميم في ريف اللاذقية، لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة انطلاقاً من المنطقة منزوعة السلاح. (قام حراس الدين، والهيئة خلال جولة أستانة 12 يوم الخميس 25نيسان/أبريل في أكبر عملية قصف على مطار حميميم منذ توقيع اتفاق سوتشي وأُطلقت فيه صواريخ غراد 40 من قرى جسر الشغور الغربية الأقرب إلى القاعدة الروسية.)

4-  فشل تركيا في الفصل بين التنظيمات المعتدلة والمتطرفة بل السماح لهيئة تحرير الشام المصنفة ارهابية في أوائل عام 2019 بتوسيع نفوذها ليشمل 90% من ادلب بعد ان كان لا يتجاوز 60% والفشل في فتح الطريقين الدولي M4 ,M5 حسب ما نص عليه اتفاق سوتشي.

5-  فشل التفاهم الروسي – التركي حول (البند  السري في اتفاقية سوتشي)  سماح  تركيا بسيطرة "غير عسكرية" للنظام على مناطق من ريف إدلب الجنوبي ومدينة جسر الشغور، بما يشمل الطرق الدولية، في مقابل السماح بسيطرة تركية على منطقة تل رفعت، لفتح طريق حلب – غازي عنتاب.  

6-  انفراج في العلاقات المتوترة بين أنقرة وواشنطن وقرب التوصل إلى اتفاق بين تركيا والولايات المتحدة الأميركية، لإنشاء منطقة عازلة بعمق 20 كيلومتراً، على  الحدود السورية – التركية المشتركة، في مناطق شرق الفرات التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية.

7-   الضغط على تركيا لإتمام صفقة صواريخ "إس 400" التي تعاقدت تركيا لشرائها من روسيا، وعدم الرضوخ  للطلب الأمريكي بإلغائها في مدة أقصاها  31/7/2019 والتي رفضت أي حل وسط في ذلك  .

المعطيات الميدانية:

بعد انتهاء جولة محادثات أستانا بالفشل كثّف الطيران الروسي في 29 نيسان 2019 ، قصفه للمنطقة منزوعة السلاح؛ تمهيداً لهجوم قوات النظام والميلشيات المتحالفة معها. وفي اواخر أيار تمكنت هذه القوات من انتزاع السيطرة على 18 بلدة وقرية، في مناطق ريف حماة الشمالي والغربي، كانت تحت سيطرة المعارضة، وأهمها قلعة المضيق وكفر نبودة.
خلال الأسابيع الأولى للهجوم، ساد صمت تركي تجاه الخروقات الروسية، لكن الوضع تغير مع امتداد القصف الروسي إلى عمق منطقة خفض التصعيد، وحصول حملات تهجير واسعة للسكان، وقصف النظام محيط نقاط المراقبة التركية في ريف حماة الشمالي.
وعليه قام تحالف من قوات المعارضة من "الجبهة الوطنية للتحرير" المدعومة من تركيا،وقوات جيش العزة وهيئة تحرير الشام في 6 حزيران2019، بإطلاق هجوم مضاد، أدى إلى استعادة بعض المناطق التي انتزعها النظام، والسيطرة على مناطق كانت سابقاً تحت سيطرة النظام في ريف حماة الشمالي. مستخدمة  في الهجوم أسلحة مضادة للدروع وأسلحة جديدة مضادة للطائرات ساعدت في الحد من تأثير القصف الجوي أثناء المعارك، وإصابة طائرة سوخوي 22 تابعة للنظام. وحتى الآن، باءت بالفشل محاولات روسيا إنشاء وقائع جديدة على الأرض عبر فرض سيطرتها على مثلث سهل الغاب حتى جسر الشغور، وعلى  الطرق الدولية اللاذقية-حلب وحماة –حلب.


صراع استراتيجيات:

إن ما يجري في ريف حماة الشمالي، وجنوب إدلب تصادم استراتيجيتين، فروسيا حاولت على الدوام إنهاء القدرة العسكرية للمعارضة السورية على نحو تام مجردة إياها من أوراق قوتها قبيل الدخول في المسار السياسي. وضغطت طوال الأشهر الماضية، على أنقرة بالطرق السياسية والعسكرية كافة، لإدخالها في مواجهة عسكرية مباشرة مع هيئة تحرير الشام. بينما عملت تركيا بدافع حرصها على أمنها القومي وضمان مصالها في سورية المستقبل من أجل تحقيق اختراق في المسار السياسي قبل الحديث عن المصير النهائي لإدلب، وسلاح المعارضة السورية، وسعت لتأجيل حسم مصير إدلب، وماطلت مراراً مع روسيا، وانتقلت من اتفاق مناطق خفض التصعيد إلى اتفاق المنطقة منزوعة السلاح، ولاحقاً لتسيير الدوريات، وغيرها من التوافقات المرحلية بهدف تحقيق تقدم في المسار السياسي قبل فقدان المعارضة السورية أبرز أوراق القوة المتبقية في يديها.

احتمالات التصعيد والتسوية:

إن تضييق سيطرة المعارضة قرب الحدود السورية التركية من أكثر الأهداف استراتيجية لحماية قاعدة حميميم ركزت روسيا قصفها على قرى وبلدات ريف حماة الشمالي الممتدة من مدينة مورك شرقاً إلى قلعة المضيق غرباً، وووسعت دائرة القصف لتشمل بلدات ريف إدلب الجنوبي، ومن ثَمَّ قرى جبل الزاوية بالبراميل المتفجرة، بهدف إبعاد نيران مدفعية المعارضة وصواريخ الراجمات إلى نحو 25 كم والسيطرة على كامل ريف حماة الشمالي من مدينة مورك شرقاً إلى اللطامنة وكفر نبودة وهو المحور الأقرب إلى مدينة محردة، وكذلك قلعة المضيق وريفيها الشرقي والغربي التي تشكل الخطر الأكبر لمدينة السقيليبة، وهي مدن غالبيتها مسيحية، تَعُدُّ موسكو أمرَ حمايتها من أوليَّات دورها في سورية وكذلك تأمين القرى العلوية في سهل الغاب مما يتطلب إبعاد المعارضة عنه إلى حدود جبل الزاوية الغربية، بالإضافة إلى  السيطرة على جسر الشغور وريفها الغربي.

وتدرك موسكو أن عملية عسكرية كبيرة في إدلب ستؤدي بالضرورة إلى انهيار اتفاق سوتشي حول إدلب وبالتالي انهيار مسار أستانا عبر انسحاب تركيا منه، و خاصة أن المسار ذاته  يتعرض لضغوط شديدة من الولايات المتحدة بمحاولاتها الضغط على إيران لإخراجها من سوريا ولإعادة الاعتبار إلى مسار جنيف، ومن شأن ذلك أن يقوض فرص الحل السياسي وفق الرؤية الروسية في سوريا، والقائمة على ثنائية الدستور والانتخابات. أما في إطار إستراتيجي أوسع، فإن عملية عسكرية كبيرة في إدلب ستدفع تركيا مجدداً إلى التقارب مع الغرب، وستؤدي بالضرورة إلى تبديد كل جهود روسيا لانتزاع تركيا من حضن الولايات المتحدة؛ تلك الجهود المستمرة منذ المحاولة الانقلابية الفاشلة في تموز 2016، بما في ذلك مساعي ربط تركيا بروسيا باتفاقيات حول التجارة والطاقة، وحتى تزويدها بمنظومة صواريخ إس 400 التي أثارت قلقاً واسعاً لدى  أمريكا و الغرب، مما دفع بترامب إلى إعطائها مهلة نهائية لإلغاء هذه الصفقة بتاريخ 31/7/2019 ورفض أي تسوية أو حلول وسط في ذلك . لكن هذا لم يؤدّ إلى التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

خاتمة ونتائج:

1-   أوصلت المقاومة الشرسة التي أبدتها قوات المعارضة في الدفاع عن معقلها الأخير والدعم التركي لها والرضى الغربي عن ذلك حتى الآن رسالة مهمة إلى روسيا، مفادها أن  بقاء إدلب خارج سيطرة النظام والروس ورقة مهمة للضغط في اتجاه الحل السياسي.

2-  بما أن معركة السيطرة على إدلب، ، ستكون مكلفة  لجميع الأطراف وللمدنيين خاصة  يرجح أن تؤدي الضغوط الدولية لمنع اجتياح منطقة إدلب و ما يترتب عنه من ضحايا وموجات نزوح واسعة؛ وبقاء المواجهات محصورة في مناطق محددة ذات أهمية إستراتيجية أو اقتصادية.

3-  يرجح بدء جولة جديدة من المفاوضات التركية - الروسية للتفاهم  حول

أ‌-     سعي تركيا إلى فرض وقف لإطلاق نار في المنطقة، والعودة إلى وضع ما قبل الحملة العسكرية التي بدأها النظام السوري اواخر نيسان 2019، وحقق فيها تقدماً. أما روسيا فسوف تحاول إلزام تركيا تنفيذ الأجزاء التي لم تنفذ من اتفاق المنطقة منزوعة السلاح، وخاصة بما يوفر الحماية لقاعدة حميميم الجوية الروسية من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة، وفتح الطريق الدولية بين اللاذقية وحلب وبين حماة وحلب، وهو شريان التجارة الرئيس الذي يحتاجه النظام للبدء بالتعافي اقتصادياً.

ب‌-  مستقبل تل رفعت، والوجود الكردي في مناطق غرب الفرات. ولن تكون واشنطن بعيدة عن تلك المفاوضات في ضوء تحالفها مع الأكراد ووجودها العسكري في منبج.

النتائج:

في ضوء عدم إمكانية حسم وضع إدلب نهائياً، ريثما تتضح صورة التفاهمات الإقليمية والدولية حول قضايا الحل السياسي في سوريا وكيفية الوصول إليه. ولكن هذا لا يلغي أن روسيا والنظام قد يستغلا أي فرصة للتقدم على أية محور يمكنهما التقدم عليه، وهذا لا يعني أن مآلات معارك الشمال السوري اليوم رهينة بالصراعات الدولية والإقليمية وحدها، ولا يعني أنها فقط حرب الآخرين على أرضنا، ذلك أن النظام في الواقع لا يقاتل من أجل روسيا، بل لأنه يريد إرغام العالم على الاعتراف به مجدداً من خلال السيطرة على آخر معاقل المعارضة الخارجة عن سيطرته ورفض أي حل سياسي في سوريا. كذلك لا تقاتل فصائل المعارضة في ريف حماة الشمالي من أجل تركيا، بل يدافع أبناء أرياف حماة وإدلب وحلب والمهجرون إليها عن أنفسهم، وعن بيوتهم وقراهم في مواجهة الموت والتهجير والاحتلال الأسدي. وبالتأكيد فإن الثوار يسطرون بتضحياتهم ودمائهم بطولات مشرفة في تصديهم لقوى اجتمعت عليهم من الجو ومن البر ويُوقعون خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد في صفوف القوى المعتدية ويكفي المدنيين فخرًا صبرهم على أصعب وأطول الحصارات والاستهدافات التي عرفتها الحروب. ولكن البطولات وحدها لا تكفي لانتصار ثورة تئن تحت وطأة حرب إبادة منظمة. ولا بد من انتظام  المعارك الدفاعية الصغيرة والقوى المشتتة في إطار جسم ثوري ذو استراتيجية واضحة وأهداف وطنية جامعة ومواكبتها بتحرك سياسي واسع منظم.

 

 

إلى الأعلى