عضواتنا وأعضاؤنا

غادة عبدالله باكير

غادة عبدالله باكير، من إدلب، درست الإرشاد الاجتماعي في مدينة معرة النعمان، عملت كمدرّسة، وتقيم حالياً في مدينة غازي عينتاب التركية، عضوة في الحركة السياسية النسوية السورية.

غادة عبدالله باكير، من مدينة سراقب في ريف إدلب الشرقي، درست الإرشاد الاجتماعي في الجامعة الدولية بمدينة معرة النعمان في إدلب وعملت في التدريس، انتقلت غادة حديثاً إلى مدينة غازي عنتاب التركية. تبدأ غادة حديثها بتذكر مدينتها سراقب، تقول: ما يجمعني بسراقب هو أكثر من كونها مسقط رأسي، فلي فيها ذكريات وأيام لا تنسى، عشت في كنف أسرة مجتمعة على المحبة، ولعبت في ساحاتها طفلة مع بنات وأبناء الجيران ، وتشاركت مع نسائها جلسات في طبيعتها الجميلة نحكي عن أحلامنا. تشكل سراقب الجزء الأكبر من ذاكرتي وفيها شعرت بوجودي لأول مرة حين صرخت مع نسائها ورجالها “حرية” في عام 2011.

بالانتقال للحديث عن مشاركة غادة في الثورة عام 2011، تقول: عندما كنت أتابع أخبار الثورة التونسية والمصرية كنت أقول في نفسي هل من الممكن أن ينتقل الربيع العربي إلى سوريا وأشهد لحظة الهتاف ضد نظام الأسد، الذي حول سوريا إلى مزرعة، وأحكم قبضته الأمنية على الشعب السوري، وأطلق يد حزب البعث في البلاد لتكم أفواه السوريات والسوريين؟ وبالفعل بدأت الثورة السورية وشاركت بها منذ انطلاقها في سراقب من خلال كتابة اللافتات المناهضة للنظام والمطالبة بالحرية لسوريا وللتضامن مع المدن والقرى السورية الثائرة، كما عملت بمشاركة صديقات على حشد النساء وحثهن على التظاهر كون كثيرات منهن أردن المشاركة وكن يحتجن بعض الدعم والتشجيع، وما زلت أذكر أول مظاهرة، كانت مظاهرة مسائية جابت شوارع سراقب الرئيسية وكانت مكبرات الصوت تصدح بأغاني ابن حماة إبراهيم القاشوش، وعند وصولنا إلى الشارع العام شمال المركز الثقافي، بدأ عناصر للنظام بإطلاق الرصاص علينا وكان هتافنا يرتفع وكأننا نقاوم الرصاص بالصوت.

عن دوافعها للمشاركة في الثورة تقول غادة: كبرت في منزل يعادي الأسد، ومنذ طفولتي كنت أسمع والدي الموظف البسيط وهو يشتم النظام، طبعاً ضمن نطاق منزلنا، وأذكر ما يروى عن أحداث الثمانينات في حماة، وسجن تدمر، بالإضافة إلى تأثري بشقيقي الأكبر الذي كان معارضاً للنظام واعتقل لمدة قصيرة إثر أحداث جرت في سراقب في التسعينات، حيث كُتِبت عبارات على جدران المدينة ضد حافظ الأسد واعتقلوا الكثير من الشبان حينها، فوجدت نفسي منذ صغري أحمل حقداً على هذا النظام ورئيسه، الأسد الأب حينها، الذي كان يصفه والدي بـ “بائع الجولان”. أما عن دوافعي العامة فهي غير منفصلة عن الشخصية وتتلخص في واقع سوريا قبل الثورة، فسوريا تحولت على يد نظام الأسد إلى بلد المحسوبيات والفساد وقمع الحريات عدا عن التدني في مستوى الخدمات العامة والبطالة والتضييق على السوريات والسوريين في كافة المجالات.

تهجّرت غادة من مدينتها سراقب في الشهر الأول من العام 2020، وانتقلت إلى مدينة الباب في حلب حيث بقيت سبعة أشهر قبل أن تقرر العبور إلى تركيا، تقول غادة: كنا مدركين بأن النظام سيحكم السيطرة على سراقب لكن رغم هذا لم أستطع تقبل الأمر حين حصل، قررت التوجه إلى تركيا بعد أن ساءت حالتي النفسية وضاقت بي السبل، وخلال رحلة العبور إلى تركيا اختبرت مرحلة جديدة من الشقاء، أذكر منها أني كنت أنظر باتجاه سوريا وأبكي قهراً على حلم بالحرية انتهى بقتل واعتقال وتشريد الملايين. 

تصف غادة وضعها الحالي قائلةً: ما زلت في حالة من الضياع والتشوش، يصعب عليَ تصديق ما حل بي، لقد خسرت بلدي وعملي وكل ما أملك، وأعيش وحيدة بعيدة عن أهلي وأصدقائي في بلد غريب. صحيح أننا اعتدنا على هذا النوع من الخسائر والمعاناة، لكن إنكارها وتجنب ذكرها بات يشعرني بخسارة أكبر، نعم أنا أعاني من الفراغ والبطالة إلى جانب كل خساراتي النفسية، وهذا لايعني أنني مستسلمة لهذا الواقع، فأنا أحاول الوصول إلى بعض الاستقرار النفسي، وعلى الصعيد العملي، أريد أن أنهض من جديد وأعيد بناء حياتي.


“إذا أردنا فعلاً تفعيل مشاركة النساء في الحياة السياسية، والعمل على تحقيق تمثيل سياسي عادل لهن، لابد أن نعمل على خلق جسم سياسي من منظور نسوي، وهذا ما وجدته في الحركة السياسية النسوية السورية.”


عزز نشوء غادة في عائلة لديها اهتمام بالسياسة وبالشأن العام، رغبتها بالانخراط في العمل السياسي وطموحها بأن يكون لها دوراً في هذا المجال مستقبلاً. تقول: لم يكن متاحاً لنا كسوريات وسوريين حتى التعبير عن رغبتنا بالعمل السياسي، وقبل الثورة لم يكن هناك أجساماً حقيقة معارضة للنظام ويمكنها ممارسة نشاطها بحرية، فالشعب مقصي عن السياسية. اليوم اتسع هامش العمل السياسي بعض الشيء لكن في الحقيقة ما تزال الأغلبية بعيدة عن النشاط السياسي الفعلي، ربما لأن النموذج الحالي، أي الهيئات والمجالس والأجسام الأخرى، لم تقدم أداءً سياسياً لائقاً، وهذا قلل اهتمام السوريات والسوريين بالعمل السياسي ودفع بالكثيرات والكثيرين لالتزام الصمت، ولا ننسى ظروف الحرب والتهجير والفقر التي شغلت الغالبية عن التفكير بالمستقبل.

أما عن التحديات التي تواجه المرأة في العمل السياسي فهي كثيرة، تضيف غادة: دور المرأة في الميدان السياسي منقوص ولا تزال مبعدة عن أماكن صنع القرار لأسباب مختلفة، أهمها سلطة المجتمع التي نمطت النساء وحدت أدوارهن ومهامهن في الحياة وجعلت من غالبيتهن حبيسات الأعمال المنزلية، هذا التهميش أضعف معرفة المرأة بالسياسة وأقصاها عن الأدوار التي من المفترض أن تتقاسمها مع الرجل، وتصدر الرجل المشهد السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي، وغيرها.

إحدى القنوات التي اختارتها غادة للانخراط بالعمل السياسي حالياً، هي الحركة السياسية النسوية السورية، عن كيفية وأسباب انضمامها للحركة تقول: بدأت ألاحظ منشورات للحركة على مواقع التواصل الاجتماعي،  شدّت اهتمامي وأعجبت بالكثير من الطروحات التي تتبناها، وأهمها أنها جسم نسوي بالدرجة الأولى، لأنه إذا أردنا فعلاً تفعيل مشاركة النساء في الحياة السياسية، والعمل على تحقيق تمثيل سياسي عادل لهن، لابد أن نعمل على خلق جسم سياسي بمنظور نسوي، ومن هنا تولدت لدي الرغبة بأن أكون ضمن الحركة، فتقدمت بطلب انتساب عبر صفحة الحركة على فيسبوك وتم قبولي. تضيف غادة: تضم الحركة عضوات وأعضاء لهن\م تجارب مهمة في العمل السياسي ومنهن\م صاحبات وأصحاب خبرة في ميادين العمل الاجتماعي والحقوقي وغيرها، ويوجد أيضاً عضوات وأعضاء فاعلات/ين ميدانياً، كلنا نتبادل الخبرات والمعرفة وكثيرات\كثر منا في طور التعلم والاستفادة من خبرة الأخريات\الآخرين. 

تتطلع غادة إلى الوصول عبر الحركة، إلى تمثيل سياسي عادل للسوريات، والمشاركة بصياغة دستور جديد للبلاد يكفل حقوق السوريات ومساواتهن مع المواطنين السوريين. أما عن التحديات التي تواجه الحركة السياسية النسوية السورية، فمن وجهة نظر غادة أن نشاط الحركة في الداخل السوري تقابله معوقات بحسب السلطة التي تخضع لها المنطقة سواءً كان النظام أو الفصائل المتشددة، وكلاهما يجرمان الأنشطة السياسية والمدنية.

“أنا متمسكة بالعمل في الشأن السوري العام لأن الأمل بأن ما نمر به من أزمات وكوارث، ما هي إلا مخاض عسير سوف ينتهي بولادة وطن جديد قادر على النهوض بقوة رغم كل ما أصابه، لدي ثقة أن الشعب السوري شعب عظيم وسينال حريته يوماً ما.”



بالحديث عن الوضع الحالي في سوريا وبعد مرور قرابة العشر سنوات على انطلاق الثورة، تقول غادة: للأسف مبادئ الثورة السورية أصبحت ضمن مفاوضات ومناورات بحث عن حلول للخروج من الواقع الحالي، بالإضافة إلى الحالة المؤلمة في الشمال السوري، كالعسكرة والفساد والفوضى والتدخلات الدولية، كل هذا حرف الثورة عن مسارها، ولن يخرجنا من هذا التشظي إلا توحيد الصوت السوري بعيداً عن الطائفية والتشرذم الذي أصابنا في السنوات الأخيرة، بالإضافة إلى ضرورة  تظافر الجهود ونبذ الارتهان لدول خارجية.

عن  الدافع وراء تمسك غادة بالعمل في الشأن السوري العام اليوم، تقول: الأمل بأن ما نمر به من أزمات وكوارث، ما هي إلا مخاض عسير سوف ينتهي بولادة وطن جديد قادر على النهوض بقوة رغم كل ما أصابه. لدي ثقة أن الشعب السوري شعب عظيم وسينال حريته يوماً ما. 

 رغم قسوة المرحلة، إلا أن غادة ترى الجزء الإيجابي منها ، تقول: أعتقد أن هذه التجربة رغم صعوبتها، إلا أنها لعبت دوراً في بناء شخصيتي وتطويرها، فأنا قبل الثورة لم أكن راضية عن حياتي العملية ولا الشخصية، ولم أمتلك الطاقة لمواجهة الواقع، ولكن مشاركتي في الثورة ولدت عندي طاقات جديدة لم أكن أعلم أني أمتلكها وقادرة على استثمارها. تتابع: من أهم التجارب العملية التي اختبرتها؛ عملي كمسؤولة متابعة وتقييم في مشروع “الشرطة الحرة”، كانت تجربة مميزة حيث تنقلت في إدلب وريفها ودخلت المخافر كمراقبة على المشروع، منحتني هذه التجربة قوة شخصية ومهارات في التواصل، لقد كانت الفترة الأولى صعبة، حيث رأيت في عيون رجال الشرطة عدم ارتياح كوني امرأة ومسؤولة عن متابعة العمل، ولكن لا أنسى أن كثر منهم كانوا يتعاونون معي بشكل رائع ويقدمون لي المعلومات التي أحتاجها.

كما أني تمكنت في مجال آخر من العمل على توثيق حياة شهداء في المعتقلات، وصدر لي كتاب عن هذا الموضوع بالتعاون بين فريق داخل سوريا وجريدة زيتون في تركيا.

عن سوريا التي تطمح لها غادة، تقول: أحلم بسوريا موحدة وشعب واحد ينبذ الطائفية ويتجاوز كل جراحه ليبني وطناً قوياً بعلمه ومتطوراً بصناعته وينافس الدول الكبرى في كل مجالات الحياة. أحلم أن تصبح المرأة قائدة حقيقة في المجتمع السوري وفي مراكز صنع القرار وتترك بصمتها في الحياة السياسية والفكرية والعلمية وشتى المجالات، وأن يكون للنساء السوريات بصمة واضحة في صناعة تاريخ سوريا الحديث.

لنساء سوريا تقول غادة: أنتن مستقبل سوريا وعليكن أن تدركن أن الوطن يحتاج لكل امرأة قادرة على العمل والتطور، لا ترضين بالصورة النمطية التي رسمت لكن، بل ناضلن لبناء الإنسان والوطن ولتغيير الواقع الذي نعاني منه جميعنا.