تاريخ النشر: الإثنين ٢٤ - آب - ٢٠٢٠
Post Image

 

حرب المياه

العطش يخنق الحسكة

  

 

*عُليّا الشلق (اسم مستعار)

 

 

شهدت النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية استخدام المياه من قبل الأطراف المتحاربة كسلاح لتغيير موازين المعارك، حيث وجهت الأعمال العدائية نحو الموارد المائية والسدود وخزانات المياه ومراكز توليد الطاقة، خاصة في ظل بقاء هذا الأسلوب العدائي خارج إطار التنظيم الدولي، إذ لم ينص قانون لاهاي ولا اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 على منع المتحاربين من الاعتداء على الموارد المائية أو استخدامها كسلاح في زمن النزاعات المسلحة.

لكنّ خطورة المشكلات المترتبة عن الأضرار التي تلحق بمخزون المياه ونظم الإمداد دفع للتحضير للبروتوكولين الإضافيين لاتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1977، والذي تضمن أربعة نصوص لحماية الموارد المائية.

حيث ورد حظر استخدام الموارد الطبيعية كسلاح في حالات النزاع والحروب في البروتوكول الإضافي الأول، الذي تناول حماية حقوق الإنسان الأساسية في الحرب وأساليب ووسائل القتال، وذلك في المادة 35 البند الثالثيحظر استخدام وسائل وأساليب القتال يقصد بها أو قد يتوقع منها أن تلحق بالبيئة الطبيعية أضراراً بالغة واسعة الانتشار“، ونرى هنا أن الغرض من هذا النص حماية البيئة الطبيعية من أجل حماية البشر وإبقائهم على قيد الحياة.

كما حظر البروتوكول في المادة 54 البند الثاني التي تحدثت عن حماية الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين أنه يحظر مهاجمة أو تدمير أو نقل أو تعطيل الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، ومثالها المواد الغذائية والمناطق الزراعية التي تنتجها والمحاصيل والماشية ومرافق مياه الشرب وشبكاتها وأشغال الري، إذا تحدد القصد من ذلك في منعها عن السكان المدنيين أو الخصم لقيمتها الحيوية مهما كان الباعث سواء كان بقصد تجويع المدنيين أم لحملهم على النزوح أم لأي باعث آخر“.

ووفق هذه المادة لا ترفع حصانة الممتلكات التي لا غنى عنها إلا عندما تستخدم لتموين أفراد القوات المسلحة وحدهم أو لدعم عمل عسكري مباشر وحتى في مثل هذه الحالة فإنه يتعين على المتحاربين الامتناع عن مباشرة أي أعمال من شأنها تجويع السكان أو حرمانهم من المياه التي لا غنى عنها، كما ويحظر أن تكون الممتلكات التي لا غنى عنها عرضة للأعمال الانتقامية.

 إذاً بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان وقوانين الحرب، ينبغي لجميع أطراف النزاع المسلح حماية الأعيان الجوهرية لحياة المدنيات والمدنيين، بما فيها تلك المتصلة بتوزيع المياه والصرف الصحي. 

كما تُلزم الحكومات والسلطات الفعلية باحترام الحق في الماء، وضمان تمتّع الناس بالمياه النظيفة، والمتوفرة، والمقبولة، والتي يسهل الوصول إليها، وبكلفة معقولة.

 

التعطيش عقاب جماعي في سوريا 

بدى واضحاً خلال الأعوام التسع الماضية في الصراع السوري سعي القوى العسكرية المختلفة لاستخدام الموارد المائية كسلاح ضد بعضها البعض على أكثر من جبهة قتال. حيث يعد سلاح المياه وسيلة فاعلة من وجهة نظر هذه القوى للتوسع والاحتفاظ بالسيطرة في مناطق الصراع، كما أصبح قطع مياه الشرب وسيلة إضافية في الحصار والعقاب الجماعي للسكان بالإضافة لجعله مصدر دخل لبعض القوى العسكرية، وسوقاً جديدة تحولت فيها مياه الشرب إلى سلعة باهظة الثمن، مع ما يلحق ذلك من الأذى للمدنيات والمدنيين، إضافة إلى تحول هذه القضية إلى وسيلة ابتزاز في حالات عدة.

فتعد مدينة حلب شاهداً على استخدام مياه الشرب كسلاح حرب حين امتنعت مؤسسة الكهرباء التابعة لنظام الأسد في شباط 2014 عن تزويد محطتي الخنفسة والبابيري المسيطر عليها من قبل تنظيم الدولة آنذاك، مما حول هذه الأزمة إلى معاناة كبيرة لسكان المدينة.

كما قام النظام بقطع مياه الشرب عن مخيم اليرموك في أيلول 2014 وقيامه بتحويل مياه الصرف الصحي إلى حي جوبر المحاصر كوسيلة عقاب جماعي لأهالي الحي بهدف نشر الأمراض والأوبئة وإغراق الأقبية التي تقيم بها المدنيات والمدنيين.

وكان نبع الفيجة عام 2015 شاهداً آخر، حيث قامت الفصائل العسكرية في وادي بردى آنذاك بإشهارها لسلاح المياه ضد النظام السوري ومساومته على سماحها بضخ مياه عين الفيجة لدمشق مقابل التوصل إلى هدنة مؤقتة تضمن تطبيق جملة من المطالب الإنسانية للسكان، تمثلت بإيقاف كافة أنواع القصف واستهداف المدنيات والمدنيين والإفراج عن النساء المعتقلات وإدخال المواد الطبية.

 

ومؤخراً، وليس آخراً، تعيش محافظة الحسكة منذ ما يزيد عن عشرين يوماً شحاً شديداً في مياه الشرب بسبب استخدام الأطراف المسيطرة وقوى الأمر الواقع لمحطات الماء والكهرباء كورقة سياسية للضغط وتحقيق المكاسب. 

وإلى الآن تتبادل الأطراف المتحاربة مسؤولية انقطاع المياه في شمال شرق سوريا في محافظة الحسكة وما حولها، وحرمان ما يزيد عن ٣٠٠ ألف مواطنة ومواطن من المياه، ناهيك عن آلاف النازحات/ين واللاجئات/ين في مخيمات الشمال الشرقي.

حيث تخضع محطة علوك المائية للسيطرة التركية وقوات الجيش الوطني السوري (وهي المصدر المائي العذب الوحيد لمحافظة الحسكة وعدة بلدات مجاورة لها) بينما تخضع محطتي كهرباء سد تشرين والسويدية لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وهما المسؤولتان عن إمداد محطة علوك بالتيار الكهربائي.

ويُذكر أنه منذ أن سيطرت تركيا على المحطة منتصف شهر تشرين الأول 2019 ورغم وجود تفاهمات بين القوى الروسية والتركية إلا أن عمل هذه المحطة يتوقف بين الفينة والأخرى. 


وهنا يجدر القول بإن استخدام سلاح قطع المياه المباشر وغير المباشر عن السكان في المدن كأسلوب من أساليب الحرب يرقى إلى جريمة حرب. وهو عمل إجرامي غير مقبول يهدد حياة المدنيات والمدنيين، كما أن مسؤولية احترام حقوق المدنيات/ين تقع على عاتق جميع أطراف الصراع ويجب استخدام جميع الوسائل الدبلوماسية للضغط على سلطات الأمر الواقع لتحييد الخدمات الحيوية للناس من إمداد المياه والكهرباء عن الجوانب السياسية المتصلة بالنزاع، وضمان الوصول الآمن إلى المياه كحق من حقوق الإنسان التي ينبغي ضمانها لجميع السكان.

كما يجب تذكير تركيا بأهمية احترام الاتفاقية الدولية المبرمة عام 1987 مع سوريا حول نهر الفرات والمتضمنة حق الأراضي السورية بالحصول على 500 متر مكعب في الثانية أي ما يعادل 2500 برميل.

 وأخيراً، ما زالت المواطنات/ون السوريات /ون يدفعن/ون الثمن الأكبر حرماناً واعتقالاً ونزوحاً وقتلاً وتهجيراً. حيث أن الكثير منهن/م تعايش مع واقع الصراع والقصف والدمار والخوف وفقدان أدنى مقومات الحياة، إلا أن صمودهن/م تجاه فقدان المياه أمر لا يمكن تحمله إذا ما طالت فترة انقطاعه خاصة مع وجود وباء عالمي تعتمد مقاومته الأساسية على المياه!

نذكر أن وسمي أنقذوا الحسكة، والعطش يخنق الحسكة، أطلقه مجموعة من الناشطات والناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي لزيادة الضغط على صناع القرار حول انقطاع المياه في مدينتي الحسكة وتل تمر.


 

*كل ما ذكر في المقال يعبر عن رأي الكاتبة ولا يعبر بالضرورة عن رأي الحركة

 

 

 

المصادر

https://www.icrc.org/ar/resources/documents/treaty/protocol-i-additional-to-the-geneva-conventions

https://f24.link/GabBJ


إلى الأعلى