ضبط الجسد وآليات الحكم في سوريا

*نهى سلوم

 

الهيمنة الاجتماعية على أجساد النساء لا تحتاج إلى قوانين صريحة لتُمارس، بل تبدأ من التفاصيل اليومية: كيف يُرى الجسد؟ كيف يُحكَم على مظهره؟ ومتى يُسمح للمرأة بالظهور في المجال العام؟ 

 في سياق تتشكل فيه السياسات عبر قرارات وممارسات تحدد أماكن وأطر ظهور النساء، من الشواطئ العامة إلى المؤسسات والأسواق، لا يمكن النظر إلى هذه السياسات على أنها مجرد تنظيم مظهري، بل مؤشر على علاقة متشابكة بين السلطة والجندر والمجتمع. السلطة خفية لكنها مستمرة، تجعل المرأة تراقب نفسها قبل أن يراقبها الآخرون. السلطة هنا ليست مجرد عقوبة أو قانون، بل منطق يُمارس عبر الحياة اليومية، تتحول معه الأجساد إلى أدوات لإعادة إنتاج الهيمنة الرمزية. 

 

آليات الحكم الناعمة: الإدارة الرمزية للحياة اليومية كأداة للهيمنة

القرارات في سوريا غالبًا ما تأتي على شكل تعاميم أو توصيات فضفاضة، ما يعكس تحولًا في أسلوب الحكم من التشريع الصريح إلى إدارة الحياة اليومية بطريقة رمزية. منع الموظفات من التبرج والزينة لا يقوم على معايير مهنية موضوعية، بل على افتراض ضمني بأن المظهر المزيَّن يُخل بالنظام الرمزي للمؤسسة. الشكل الفضفاض للقرار يسمح للسلطة بالعمل بشكل غير مباشر، ويشارك المجتمع في تطبيع الرقابة الذاتية، ويصبح الضبط النفسي والاجتماعي جزءاً من الحياة اليومية للمرأة. حيث تصبح الممارسات الشخصية انعكاساً للقواعد الاجتماعية والسياسية المفروضة. يستخدم مفهوم الإدارة الرمزية هنا لوصف أسلوب حكم غير مباشر يضبط الأجساد والسلوكيات في الحياة اليومية. 

 

الجندر كأداة تنظيمية: الأنوثة بين الرؤية والمكان 

وفق ما يوضحه الفيلسوف الفرنسي “ميشيل فوكو“، في مفهوم نظريته عن السلطة الحيوية؛ يُستثمر النوع الاجتماعي كآلية لتنظيم المجتمع والسيادة وأداة تقنية لإدارة الحضور، ليس فقط في السلوك، بل في المكان والزمان اللذين يُسمح فيهما للمرأة بالظهور. منع الرجال من بيع الملابس النسائية في إحدى المدن السورية يظهر أن السيطرة تركز على إمكانية الوجود نفسه، وليس مجرد الأفعال الفردية. هذا المنطق يعيد إنتاج تصورات تقليدية عن حدود حرية النساء، ويحول الحياة اليومية والجسد إلى أداة مباشرة لإظهار القواعد الاجتماعية والسياسية. 

 

الجسد كمرآة للهيمنة: التعويض الرمزي عن الفشل السياسي

التركيز على المظهر والسلوك يعكس ضعف الدولة في إدارة السياسة والمجال العام. الجسد يصبح مساحة يمكن ضبطها بسهولة نسبية، ويُنتج إحساساً زائفاً بالنظام، بينما تتحول النساء إلى سطح رمزي لتثبيت السلطة. تجربة طالبان في أفغانستان تقدم نموذجًا للتدهور التدريجي لأوضاع النساء. القيود بدأت بسياسات تنظيمية للمظهر، ثم توسعت لتشمل البرقع الكامل، حظر التعليم والعمل، وتقييد وصول النساء إلى الرعاية الصحية المقدمة من أطباء رجال. هذه الخطوات تعكس استثمار السلطة للجسد والمساحات اليومية لتعويض ضعفها الرمزي والسياسي.

 

إنتاج المعرفة وسيطرة الذات: الرقابة الداخلية والخارجية

إعادة إنتاج المعرفة عن الجسد الأنثوي بوصفه مشروع ضبط دائم تنتقل إلى المجتمع فتُطبّع، وتعيد النساء إنتاجها داخلياً. تتحقق الرقابة الذاتية عندما تراقب النساء أنفسهن، ويشارك المجتمع في الرقابة، فيما تكتفي الدولة بالإشارات الرمزية. هنا يصبح الضبط متجذرًا في العقل الجمعي، حيث تتقاطع المعايير الثقافية والاجتماعية والسياسية، مما يجعل كل مساحة جسدية محتملة للمرأة ميدانًا للرقابة الذاتية والمجتمعية على حد سواء. هذا يعكس جوهر فكرة فوكو: السيادة ليست مجرد قهر مباشر، بل إنتاج لمعايير تجعل الضبط مستدامًا وذاتيًا. 

 

البعد الرقمي والرمزي للسيطرة على الجسد

امتدت السيطرة على جسد المرأة اليوم إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبح ظهور النساء ونشر صورهن يخضع لضوابط محددة كـ “وقار المهنة‘‘. هذه الرقابة لم تقتصر على الشوارع والمؤسسات الرسمية، بل امتدت إلى المؤسسات الأكاديمية والفنية، حيث تُفرض معايير على تمثيل الجسد البشري، بحجة احترام الثوابت الأخلاقية والاجتماعية. ما يعكس استثمار الجسد كأداة لإعادة إنتاج المعايير. الجسد، بهذا المعنى، ليس مجرد كيّان فيزيائي أو صورة افتراضية، بل مساحة تتقاطع فيها القواعد الثقافية والمؤسساتية لتثبيت السلطة الرمزية، لتصبح الرقابة متغلغلة في الممارسات اليومية وفي تصورات المجتمع عن النساء وأدوارهن. 

 

غياب النساء في التاريخ: السيطرة على المعرفة والوعي الاجتماعي

يمتد ضبط الجسد إلى أشكال أوسع من السيطرة على المعرفة والوعي الاجتماعي. حذف صور نساء بارزات مثل زنوبيا من المناهج الدراسية، وغياب النساء بشكل عام عن التاريخ، لا يقتصر على مسألة رمزية، بل يعيد إنتاج تصورات تحدد مكان المرأة وأدوارها في المجتمع.

 بهذا الغياب، تحّول النساء إلى كيانات ثانوية أو غير موجودة في الذاكرة الجماعية، ويُضعف إدراكهن كفاعلات سياسياً واجتماعياً. السيطرة إذًا لا تقتصر على الجسد المادي أو الرقمي، بل تمتد لتشمل المعرفة والثقافة والموروث التاريخي، لتثبت أن حضور المرأة في المجال العام غالباً ما يُصاغ وفق قواعد تضبطه وتقيّده، ما يجعل مقاومتها للهيمنة ليس مجرد حرية شخصية، بل معركة لإعادة تشكيل البنية الاجتماعية نفسها. 

 

استِشعار المجتمع وقياس نبض الرأي العام: 

غالبًا ما تتخذ القرارات التي تمس النساء بصيغة عامة أو صارمة، ثم تراقب ردود الفعل في الشارع ووسائل التواصل الاجتماعي. عند اعتراض المجتمع، تصدر مجموعة توضيحات لاحقة لا تغير جوهر القرار أو بنيته التمييزية، بل تعيد صياغته بلغة أكثر ليونة، وكأن المشكلة كانت في فهمه لا في المضمون. بهذه الطريقة، لا تلغى الممارسات التمييزية بل يعاد تأطيرها خطابيًا، ويبقى القرار قائمًا.

يُمنح المجتمع انطباعًا زائفًا بوجود تراجع أو تصحيح. يتحول الاعتراض إلى أداة لإدارة الغضب، والتوضيحات وسيلة لامتصاص الاحتقان بدل من معالجة جوهر المشكلة. ويحوّل عبء الإشكال إلى المتلقي، ويُقال للناس أنهم أساؤوا الفهم ويبقى السياق نفسه. التوضيحات توهم بالحوار والتجاوب، بينما تبقى بنية السيطرة ذاتها. المجتمع يُدفع للتكيف مع هذه القرارات عبر تطبيع لغوي وإعلامي يجعل التمييز يبدو كسوء فهم عابر، لا سياسة ممنهجة تؤثر على حياة النساء يوميًا.  

 

الجسد كساحة صراع نسوي يومي: المقاومة والحرية ضمن الهيمنة الرمزية

السياسات المتعلقة بالنساء في سوريا لا يمكن قراءتها بمعزل عن البنية السياسية والاجتماعية التي تنتجها. الجسد الأنثوي ليس مجرد كيان محايد، بل أداة إنتاج الضوابط، التي تتشكل عبر السياسات الجزئية، الممارسات اليومية، والمعايير الاجتماعية نفسها. 

من منظور نسوي، التحرر ليس مجرد حق فردي في الحرية، بل معركة لإعادة تشكيل بنية السلطة نفسها. الجسد أداة فضاء للصراع الرمزي اليومي، حيث تتقاطع السلطة والمقاومة والقيود الاجتماعية مع الحرية لتكشف كيف تتحرك الممارسات الصغيرة والقرارات الجزئية داخل السياسات الكبرى. 

 

*كل ما ذكر في المقال يعبر عن رأي الكاتبة، ولا يعبر بالضرورة عن رأي الحركة السياسية النسوية السورية