لماذا لا تؤسس النساء حزبًا نسويًا-بيئيًا؟ مقابلة مع الكاتبة والمترجمة رحاب منى شاكر

 “أصوات نسوية، قراءة في الحراك النسوي السوري “

مقابلة مع الكاتبة والمترجمة رحاب منى شاكر

إعداد: كبرياء الساعور

 

1- رحاب منى شاكر نسوية سورية، كاتبة ومترجمة عن اللغة الهولندية. اهتمت بترجمة الأدب النسوي الهولندي، ونشرت على مدى سنوات مقالات وتحليلات وترجمات متنوعة على “موقع الجمهورية نت”. تنوعت أعمالها لتشمل قضايا نسوية متعددة، من بينها، النسوية التقاطعية، النسوية البيئية والنسوية في الإسلام. أسست “بيت النرجس للمعرفة النسوية”، وهو مساحة نسوية للقراءة والمعرفة، وفضاء إلكتروني للحوار والتعلّم.  هل يمكنك أن تشاركينا قصة رحلتك التي جمعت بين التجربة الشخصية والمسار النسوي؟ كيف أصبحت نسوية؟

طُرِح هذا السؤال علي في مناسبات سابقة، سأحاول اليوم ألا أكرر نفسي، وألا أعود إلى قصة أني عشت بين ثقافتين ولغتين مختلفتين في تعاملهما مع النساء، الثقافة العربية الإسلامية من جهة، والثقافة الهولندية الغربية من جهة أخرى، مما جعل لدي حساسية عالية حيال بعض المواضيع. ربما من الأفضل أن أخوض بالتفاصيل هذه المرة.

لو طرحتِ سؤالكِ على نساء أخريات، فمعظمهن سيقلن لكِ إنه كان لديهنّ أخوة ذكور أكبر أو أصغر منهنّ بقليل، وكانت أمهاتهنّ يفضلنهم عليهنّ أو كنّ مضطرات لخدمتهم. تظهر براعم الوعي النسوي غالبًا في هذه المرحلة المبكرة، أما أنا فقد تربيت في عائلة تكثر فيها البنات، وفرق العمر بيني وبين أخي الصغير خمسة عشر عامًا تقريبًا. وفي فترة اعتقال والدي عشت في بيئة يمكن وصفها بأنها نسائية عمومًا، وبخاصة لأن زوجات المعتقلين السياسيين وأمهاتهم شكلنَ صداقات فيما بينهن، وصرن يلتقين كثيرًا للأنس والدعم المتبادل. البيئة التي عشت فيها بيتوتية ومحافظة، ولم أعي التفريق بين الذكور والإناث إلا بشكل غير مباشر. أعتقد أن وعيي النسوي بدأ متأخرًا نسبيًا، أذكر أن أول لحظة وعي لدي كانت أثناء قراءة رواية عربية في سن السابعة عشرة، وبعدها من خلال مقارنة حياتي العاطفية مع صديقاتي الهولنديات في سن المراهقة (هاجرتُ مع عائلتي إلى هولندا بعد إطلاق سراح والدي من المعتقل السياسي، وكنتُ حينها صغيرة نسبيًا). ففي حين كانت تجربتي العاطفية فقيرة ومشحونة بالتوقعات والألم، كانت صديقاتي الهولنديات يعرفنَ ما يردن وما لا يردن، ولم يصادفنَ رجالًا من النوع الذي نصادفه نحن النساء العربيات، ولم يتوهمنَ أن الحب الأول يجب أن يكون الأخير، وجميعهن تقريبًا وجدن شخصًا ديمقراطيًا رضينه شريكًا مدى الحياة. يمكنني القول إني دخلت النسوية من باب “الحب”، وربما من هنا جاء اهتمامي بالترجمة والكتابة عن معضلات الحب أيضًا. لم أكن شخصية متمردة من تلقاء نفسها، كل ما هنالك أني تفاجأت بأن الحياة ليست عادلة مع النساء!

وربما هناك عامل آخر لعب دورًا غير مباشر في نسويتي، وهو أني عادة حين ألقى مقاومة غير مفهومة أتمسك أكثر. فبعد تعرفي على بعض كتابات المفكرة النسوية “نوال السعداوي”، رحت أتماهى بها بطريقة ما (لصقتُ صورتها على حائطي على سبيل المثال، ورحت أدافع عنها حين يتم الهجوم عليها). وقد كان هذا يثير ردات فعل سلبية من قبل أشخاص مقربين، فينصبّ غضبهم منها على رأسي أنا، مما جعلني أتشبث بالنسوية قبل أن أعرف ما هي فعلًا. أظن أن ردات الفعل السلبية علينا نحن النسويات هي التي رسّخت تمردي. النسوية هي ضرب من العناد في آخر المطاف، أليس كذلك؟

وطبعًا لن أنسى أن الثورة السورية لعبت دورًا كبيرًا في ربط اهتمامي الفردي بحراك نسوي صاعد، وبأمس الحاجة إلى روافد ودعم، وسبق أن تحدثتُ عن ذلك في موضع آخر. والحق أن الوضع السوري ما زال يزوّدني بالأسئلة الكبيرة والمعقدة التي أحاول أن أجد جوابًا لها من موقعيتي الخاصة. فضلًا عن أن الحياة لا تفتأ أن تضع النساء أمام تحديات غير عادلة. 

 

2- في حديثك مع موقع رصيف 22 ذكرتِ “أن تجربتك كمهاجرة وضعتك في موقع استثنائي وصعّبت عليكِ بناء التحالفات مع النساء السوريات والهولنديات على حد سواء”. انطلاقًا من هذه التجربة، كيف تنظرين إلى العمل النسوي في المنفى وما مدى تأثيره على النساء داخل سوريا؟

أجل، عانيتُ لفترة طويلة من الإحساس أني لست من هنا ولست من هناك، كما يقول “محمود درويش”. النسويات الهولنديات يطرحنَ قضايا متقدمة مرحليًا مقارنة مع أسئلتي، أما في السياق النسوي السوري الذي شعرتُ بارتباط مصيري به، فقد كان ثمة سباق حول من هم السوريين/ات؟: الذين بقوا في سوريا أم الذين خرجوا منها؟ هذا إذا لم نتكلم عن المفاضلة التي كانت بين السوريين/ات الذين هاجروا، أي بين المهاجرين القدامى والجدد. والطريف أن أشخاصًا كانوا في الداخل يقصون المغتربين، لكن حين صاروا بأنفسهم في الخارج باتوا يدافعون عن تلك التجربة. باختصار، شغلني هذا الصراع بين المركز والهامش، في السياقين السوري والهولندي، وصعّب عليَّ التحالف كما سبق أن عبّرت. 

أما اليوم، فقد تغير تفكيري حول الموضوع، وحين تغير تفكيري اختفت المشكلة تقريبًا. صرتُ أعي أن كل تجربة هي مركز نفسها، تجربتي ليست أقل أو أكثر من غيرها، بل هي مختلفة وربما نادرة. الخروج من البلد لا يعني بالضرورة أنكِ اغتربتِ عنه. قد يحصل هذا طبعًا، لكنه ليس قانونًا، من ناحيتي أرى أن معرفتي لتجارب مختلفة عن سياقنا وسّعت مداركي وساعدت على فهمي لما يحصل في سوريا، وأنقذتني من التفاصيل التي تحجب كثرتها رؤية الصورة العامة. أعتقد أني منشغلة بسوريا وهمومها أكثر من كثيرين ممن جاؤوا بعدي إلى هولندا على سبيل المثال. وفي آخر المطاف، تعدد زوايا الرؤية يولّد معرفة قوية!

كيف يمكن نقل تجربة سوريات الخارج إلى الداخل؟ لا يمكنني أن أتكلم عن كل شخص، فلكل منا تخصّصه، وقد تغيب عني بعض الأمور، لكن من ناحيتي، فقد تمكنتُ من نقل بعض النصوص النسوية من اللغة الهولندية إلى العربية، وقد لاقت رواجًا معقولًا، وبعض الصديقات قلن لي إنهن أصبحن نسويات من بعد قراءتها. أحاول كذلك تكريس حبي للمعرفة في تواصلي مع النساء السوريات اللواتي تعرفتُ عليهن في العقد الأخير، أفعل ذلك من خلال “بيت النرجس للمعرفة النسوية“، وعبر إجراء سلسلة حوارات معمقة مع نساء سوريات تم نشرها على موقع الجمهورية نت، ولدي مشروع كتابة أشتغل عليه ببطء. 

 

3- في مقابلة لك على موقع جمهورية نت ذكرتِ أن بيت النرجس قدّم لكِ شخصياً الكثير وساعدك على مراكمة معرفة نسوية. برأيكِ، ما أهمية هذا الرصيد المعرفي النسوي، ليس فقط في بناء وعي فردي، بل في بناء وعي جماعي قادر على التأثير في المجتمع؟

ملاحظتي أن جزءًا لا بأس به من الخطاب النسوي السوري لا يتجاوز عرض الانتهاكات الجسيمة التي تصيب النساء في محيطهن. أما إذا أردنا أن نبتكر حلولًا للخروج من دائرة الألم المفرغة، فنحتاج أن نفهم أنفسنا والآخر بشكل أعمق.

تصبحين نِسوية حين تعين المعادلة التي وضعتكِ في مرتبة أدنى ضمن ثنائية ذكر وأنثى، هذا الوعي يأتي عبر التجربة الشخصية والمراقبة والمعارك التي نشنها مع الحياة. وفوق هذا يمكننا التعلم من الأعمال التي تركتها لنا نساءٌ فكرن طويلًا في هذه الأمور وغيرها. أذكر أني بعد ابتعاد طويل عن الأدبيات النسوية، خوفًا من أن أصبح “متطرفة”، أحسستُ بقفزة في تفكيري وتحليلي بعد قراءة كتاب واحد من أمهات الكتب النسوية. ساعدني ذلك النص على تماسك أفكاري المتبعثرة وتجاربي المتفرقة، فشرعت أكرسها بشكل أفضل في تحليل ما يحصل من حولي. ومن يومها لم أعد أستهين بالقراءات النسوية. 

أعتقد أن السبيل الوحيد للتغيير المستدام في مجتمعاتنا هو أن تدخل المعرفة النسوية بطريقة ما في المنهاج الدراسي للأطفال. والمعرفة النسوية ليست مجرد شعارات، وإنما فلسفة متكاملة تعيد تأهيل النساء والأنثوي في الحياة. أما أن يبقى التعليم النسوي على مستوى بعض البالغات والبالغين، فهذا يعني أننا ندق الماء لتبقى ماءً. ربما سوف نتغير على المستوى الشخصي، لكن تأثيرنا سيبقى محدودًا، ويمكن أن يتلاشى تمامًا في أي لحظة. من أحلامي على سبيل المثال أن يدرّس كتاب “المرأة والجنس” لنوال السعداوي لليافعات واليافعين، وقتها سوف نجنبهم كثيرًا من المخاوف والأخطاء بحق أنفسهم والآخرين، وتتحسن حيواتهم على كثير من الأصعدة. لا يمكنني التعبير كفاية عن مدى أهمية المعرفة النسوية للنساء والرجال معًا، والتي سوف تؤدي مع الوقت إلى تغيير في الوعي، الذي هو أساس أي تحول نحو مجتمع يضمن العدالة والمساواة الاجتماعية للجميع. 

 

4- من بين المجموعات التي انبثقت عن نادي النرجس للقراءة، برزت مجموعة “التجديد الديني والمرأة”. هذا التوجّه يعكس اهتماماً خاصاً بالخطاب الديني وبالنسوية الإسلامية، وهو مجال يثير جدلاً داخل الأوساط النسوية. هل ترين أن مناقشة العلاقة بين الدين والنسوية يمكن أن تخلق أرضية للتفاهم؟ وهل تؤمنين بوجود نسوية إسلامية قادرة على التلاقي مع التيارات النسوية الأخرى؟ 

من بين التجارب التي كشفت لي التقسيمات في الساحة السورية ما حصل بعد صدور حواري مع إحدى زميلاتنا النسويات، والتي طرحتُ عليها سؤال: هل لدينا نسوية إسلامية في سوريا؟ طرحُت هذا السؤال، لأني كنتُ أتوقع أن الجواب سيكون نفيًا، فأكون بذلك نبهتُ إلى هذا الفراغ في الساحة النسوية. ما حصل هو أن الحوار سبب زوبعة حول مصطلح النسوية الإسلامية، واللافت أن كثيرًا من النسويات من حولي رفضنَ المصطلح، والبعض اعتبرن من مهامهنّ الجليلة أن يفنّدنَ أي عمل في ذلك الاتجاه.

هنا بدأت أفهم خريطة الحراك النسوي السوري بشكل أفضل، واكتشفت أن صوت النساء المسلمات المؤمنات ضعيف فيه، يبدو أن النسوية السورية تجتذب نساء من طوائف الأقليات واللادينيات من الطائفة السنية. وهذا بحد نفسه ليس مستغربًا، ذلك أن النساء السنيات، وخاصة المؤمنات منهنّ، يسلكن طريقًا أطول وربما أكثر وعورة نحو تشكيل وعي نسوي بذواتهنّ. لكن الشيء الذي استغربته هو الطاقة التي تبذلها بعض النسويات والمثقفين السوريين في محاربة هذا التيار غير الموجود أصلًا لدينا. السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا؟

حتى ضمن بيت النرجس جرت جدالات أنهكتني، وأدركتُ أنه لن يكون من السهل مناقشة أكثر من نص واحد أو اثنين حول وضع المرأة المسلمة، وأنه حتى لو فعلنا ذلك، فثمة احتمال أن يبقى النقاش دائرًا حول صحة المصطلح من دون أن نغوص بالمحتوى. من هنا فكرتُ بإنشاء مجموعة خاصة لمناقشة نصوص نسوية تتناول وضع المرأة المسلمة. وانطلاقًا من رغبة بعض العضوات لم نطلق عليها اسم “النسوية الإسلامية”، وإنما الاسم الأكثر حيادية “التجديد الديني والمرأة”. 

لا أجد أن النسوية الإسلامية ينبغي أن تأخذ من وقت النسويات غير المؤمنات أو المنتميات إلى دين آخر، لكن من الضروري أن يفكرنَ كيف يتعاملنَ مع هذا التيار الذي نحتاجه في الساحة السورية. سأضرب لكِ مثالًا، كم مرة سمعتُ من نساء مؤمنات أنهن استفدن من كتاب (الإسلام والمرأة، قراءة نسوية في أسس قانون الأحوال الشخصية) لمية الرحبي، مع إنه كتاب بسيط بالعموم. أعتقد أن الاهتمام بهذا الكتاب نابع عن تناوله لقضايا قريبة من حيواتهنّ، كثير من النساء السوريات غير منشغلات بالتعرف على الانقسامات العديدة للهوية الجندرية، على أهميتها طبعًا، لكنهن مهتمات بإمكانية فهم آيات القرآن عن القوامة والحجاب والطلاق التعسفي بطريقة صديقة للنساء. هذه هي بالضبط الأسئلة التي تطرحها النسوية الإسلامية، ليس من منطلق بناء الدولة على أساس ديني، لكن بغية الوصول إلى صيغة تجعل المؤمنات قادرات على ممارسة دينهن، مع الاحتفاظ بحقهن بالنظر إليه من خلال عدسة تأخذ مصالحهن الدنيوية بعين الاعتبار. أعتقد أن نفور معظم النسويات السوريات من هذا التيار نابع عن خوف أكثر منه عن تفكر بأوضاع النساء واحتياجاتهن. وكما قلت: التيار ما زال غير موجود لدينا، أو أني لم أجد له أثرًا حتى الآن، فالأمر سوف يتطلب جرأة وجهدًا وإصرارًا من قبل المسلمات المؤمنات. 

نشأت مجموعة “التجديد الديني والمرأة” في 2022، وما زالت مستمرة حتى الآن. مع الوقت استطعنا أن نجتذب أشخاصًا مهتمات ومهتمين بالمساحة التي تتقاطع فيها النسوية مع الدين. قرأنا كثيرًا من النصوص التنويرية، وتناقشنا فيما بيننا، وقد تطورت معرفتي في هذا المجال بشكل ملحوظ، لدينا بعض الحلقات المسجلة على قناتنا على اليوتيوب. لكني أعتقد أننا دخلنا اليوم نوعًا من المرحلة الانتقالية في المجموعة، وصرنا نفكر كيف سنواصل العمل، وهل يكفي فعلًا ما نقوم به؟ وأليس من الأفضل أن تديرها امرأة (أو رجل) من داخل المنظومة الدينية؟ 

يبدو أن التيار الإسلامي التنويري، والذي تشكل النسوية الإسلامية جزءًا منه، ضعيف في سوريا وفي المنطقة بالعموم، ويعاني من كل ما يعاني منه السوريين والسوريات من هشاشة الوضع وفقره. وقد لاحظتُ أمرين: الأول هو أن ثمة فجوة بين المجتمع والنتاج الفكري في هذا المجال، ومن هنا تأتي أهمية مجموعة كـ (التجديد الديني والمرأة) التي تتناول تلك النصوص وتطرح الأسئلة عليها وتنشر عنها. الأمر الثاني هو أن التيار الإسلامي التنويري يبدو منقسمًا إلى جزر فكرية لا تتلاقح فيما بينها كفاية، بل تسير إلى جانب بعضها بعضًا، مفتقدة للتماسك والقيادة والتأثير. هذه أمور يجب التفكير بها في مبادرات على مستوى أوسع وأكبر من مجموعتنا المتواضعة.

 

5- تبذلين الكثير من الوقت والجهد والمثابرة للحفاظ على استمرارية نشاط بيت النرجس للمعرفة النسوية، رغم غياب أي نوع من الدعم واعتماده على موارد محدودة للغاية كما ذكرتِ في إحدى المقابلات. كيف تنظرين إلى أهمية هذا الإصرار على الاستمرارية في مثل هذه الظروف؟ وما الذي يمنحك الدافع لمواصلة العمل النسوي رغم التحديات؟

أشكركِ على ملاحظتك. فعلًا أقضي أحيانًا ساعات في حل مشكلة صغيرة، ولا أتغيب إلا في الحالات الطارئة جدًا، وأحاول دائمًا تنشيط العضوات والأعضاء والتخطيط على المدى البعيد. ولا تنسي أنه منذ بداية تأسيس بيت النرجس كانت هناك سيدات يدعمنَه في كل مرحلة، وأعتبرهن الأعمدة التي انبنى البيت على جهودهن، من بينهنّ على سبيل المثال صديقاتي “مهوش شيخي” و”ندى الخش” و”عفراء جلبي” و”سمر المير أحمد” وأخريات. إذا نظرتِ داخل البيت، فسترينه فارغًا من أي شيء، ليس لدينا ممتلكات ولا حتى دبوس صغير. بيت النرجس هو هؤلاء العضوات والأعضاء، وحضورهنّ الجميل، والعلاقات الطيبة فيما بينهنّ، وما ينتج عن ذلك من تبادل للمعرفة والدعم المعنوي. 

من أين جاء إصراري على الاستمرارية؟ أعتقد أن تجربتي الحياتية علمتني عبر السقوط والنهوض مجددًا ألا انخدع بظاهر الأمور. بالنسبة لي، لقاء واحد جاد نناقش فيه موضوعًا فكريًا راهنًا بصدق أهم من مشروع كبير ينهار جراء الاستقطابات والتنافسات. نحاول في بيت النرجس ألا نخطو خطوات أكبر منا، ونعتمد عمومًا منهجية كرة الثلج، أي أننا نستثمر الحركة التي تحصل وندفع نحو تطويرها وإدماج العناصر المساعدة قدر الإمكان، والفكرة سوف تجر الفكرة، والسؤال يستدعي الجواب وهكذا. ولطالما خرجتُ من لقاءات بيت النرجس ممتلئة القلب والعقل، كما أن جزءًا كبيرًا من معرفتي عما يدور في الساحة السورية اكتسبته من خلال النصوص التي نتشاركها والنقاشات التي تدور فيما بيننا. توقي الدائم إلى المعرفة عمومًا، وقناعتي بأهمية المعرفة النسوية على وجه الخصوص، يساعداني على الاستمرارية بكل تأكيد، وأعتقد أن هذا ينسحب على معظم العضوات والأعضاء أيضًا.

أما المحفز الأهم للاستمرارية فهو وضع بلدنا المؤلم والصعب. أشعر أن سوريا تحتاج إلى أشخاص يريدون الخير لها، ويقبلون أن يكونوا طرفًا وسيطًا بين الآراء والمواقف المتبايبنة. الأمر ليس سهلًا، وثمة لحظات أتمنى فيها لو لم أُطلق هذا المشروع، فأخفض السرعة قليلًا، لأعود لاحقًا بهمة أكبر من ذي قبل. الاستمرارية مهمة في هذه المرحلة الانتقالية التي يمر بلدنا فيها، سوريا تحتاج إلى جميع بناتها وأبنائها. 

 

6- بعد سقوط النظام وبدء مرحلة انتقالية معقدة في سوريا، شهدت الساحة السياسية إعادة ترتيب الاصطفافات وتبدل الأولويات، إلى جانب بروز الانتماءات الطائفية والاستقطاب السياسي الواسع. هذه التحولات انعكست أيضًا على الحركة النسوية السورية، التي وجدت نفسها أمام تحديات جديدة مرتبطة بالانقسامات الداخلية وتباين المواقف. ما الذي يمكن أن يشكل أرضية مشتركة تجمع النساء السوريات، وتفتح المجال للعمل على نقاط التقاء قادرة على مواجهة الانقسامات الراهنة، وبناء مشروع نسوي يتجاوز الاستقطاب السياسي؟

هذا موضوع يشغلني فعلًا، كيف نمارس النقد في هذه المرحلة من دون هدم الجسور بين الناس؟ طبعًا الأزمة الحالية أعمق بكثير من مجرد أزمة في لغة النخبة الثقافية والسياسية، غير أن التساؤل نابع عن خيبة أمل كبيرة لدي. انطباعي بأن كثيرًا من المنشغلين والمنشغلات في مجال الثقافة والسياسة يذهبون حاليًا في “نقدهم” إلى أقصى الحدود، بحيث لا يبقى أحيانًا مجال للتلاقي مع الآخر. يعظّمون الفروق بين الجماعات، ويمحون وجوه الشبه الممكنة بينها. يقولون بأنهم يطمحون إلى قيم سامية بحد ذاتها، لكنهم يمارسون سلوكًا عنفيًا واستقطابيًا لا يختلف كثيرًا عن الجهة التي ينتقدونها. ينسون أن العدالة حين تُمزج بقليل من المحبة تصبح رحمة. شخصيًا أجد أن الحفاظ على الروابط بين الناس قيمة سامية بحد ذاتها أيضًا، ذلك أنه في حال تحوّل ما تبقى من هذه العلاقات إلى كراهية تامة، سوف يتفتت البلد أكثر ويُسفك مزيد من الدماء عاجلًا أم آجلًا. 

لا أدري ما الذي يدعو شخصًا تعب على بناء تكوينه الثقافي أن يستخدم لغة استفزازية حيال عموم الناس وضمن هذه الأجواء الاستقطابية. وهو ليس حالة استثنائية أبدًا. إذا كان هؤلاء يريدون الوصول إلى الناس، أليس الأجدر بهم أن يبحثوا عن لغة تصلهم بهم، ولا تنبذهم من أول كلمة ينطقون بها؟ كيف سيستمع إليهم شخص يتفننون بوصفه بالتخلف والغباء والهمجية؟ وما هي مسؤوليتهم حيال هذا الآخر الذي عانى أيضًا من دمار الحرب، وربما لم يحصل على الفرص التي حصل معظمهم عليها؟ أرى أن الدفع المستمر نحو مزيد من الاستقطابات هو أحد أهم صفات الحضارة الذكورية ولغتها، ومهمة النسويات والنسويين أن يفنّدوا هذا النوع من العنف، ويظهروا محدودية آفاقه، ويبحثوا عن بدائل تساعد على تسهيل الحوار والوساطة بين الناس. ما الذي ينبغي أن يجمع النساء والنسويات في هذه المرحلة؟ الرغبة بالخروج عن منتجات الحضارة الذكورية هذه وكسر الحلقة المفرغة للعنف! 

طبعًا هناك أدوات تساعدنا في ذلك، من بينها على سبيل المثال منهجية تسمى بالتواصل اللاعنفي. أجرينا منذ بضع سنوات تدريبًا في بيت النرجس، وكانت مدربتنا مختصة التواصل اللاعنفي والوساطة “وجد السباعي”، التي علمتنا كيف نجعل الآخر يصغي إلى طلبنا من خلال التواصل مع احتياجاته. أود هنا أن أشير إلى حوار أجريته معها بعنوان: “هل التواصل اللاعنفي ممكن في السياق السوري؟ على موقع الجمهورية نت، ولدينا كذلك لقاء مسجل معها على قناتنا على اليوتيوب. من المهم نشر المعرفة حول هذه الأدوات التي نحن بأمس الحاجة إليها. أذكر منهجية التواصل اللاعنفي كمثال فقط، لا بد أن ثمة أدوات سلمية كثيرة ابتكرها الإنسان لتجاوز أزمات من النوع الذي نمر به في سوريا. 

 

7- تعد النسوية البيئية من الحقول الحديثة التي تربط بين قضايا المرأة وقضايا البيئة، وتطرح أسئلة حول علاقة النساء بالطبيعة والموارد، وكذلك حول أثر السياسات البيئية على حياة النساء. ما الذي يمكن أن تضيفه النسوية البيئية إلى النقاش العام حول العدالة الاجتماعية والبيئية؟ ما مدى أهمية هذه الطروحات بالنسبة للنساء السوريات أو للسياق السوري بشكل عام؟ وهل يمكن اعتبارها مدخلاً ضرورياً لتوسيع النقاش النسوي، أم أنها ما تزال تُطرح كأفكار نخبوية متقدمة يصعب تطبيقها في الواقع الراهن؟

النسوية البيئية هي المساحة التي يتقاطع بها دمار الطبيعة بالاضطهاد الاجتماعي، والحركة البيئية بالحركة النسوية. من أهم الأمور التي تُعنى بها هو البحث في تأثير التغيير المناخي المضاعف على وضع النساء والمهمشين في العالم والعمل على الحد منه، وتعزيز مشاركتهنّ ومشاركتهم في حركة حماية البيئة.

للأسف، انطباعي بأن السوريين والسوريات لا يقدّرون أهمية هذه الحركة، ويعتبرونها عن غير حق ترفًا. تكلمتُ منذ فترة مع صديقة سورية حول مشكلة بيئية، فاستنكرت قائلة بأنها منشغلة باحتمال نشوب حرب عالمية ثالثة، بينما أنا أنفث عن همومي البيئية. فكرتُ وقتها بأن عدم التفكير بهذه الهموم البيئية، سوف يسرّع من نشوب حرب عالمية ثالثة جراء ارتفاع معدل التصحر والفقر المتوقعين، مما سيفاقم الآثار السلبية لأي حرب قادمة على الجميع. أجل، لا يوجد وعي كاف بهذه الأمور في مجتمعاتنا، ويبدو أن طريقة التفكير النُظمي ما زالت جديدة علينا، أقصد ذلك التفكير الذي ينظر إلى الحياة كشبكة علاقات بين كائناتها الحية وغير الحية والتي تؤثر وتتأثر ببعضها بعضًا. أذكر أني ترجمتُ نصًا تأسيسيًا بعنوان “من وحي النسوية البيئية“، ولم يلاقِ الانتشار الذي تعودته مع ترجماتي الأخرى، أعتقد أن السبب هو أن الموضوع جديد جدًا.  

يعتقد الناس عادة بأن التفكير بقضايا البيئة سيكون على حساب التفكير بالبشر الذين عانوا كثيرًا أثناء سنوات الحرب، لا أدري من أين هذه المفاضلة! ألن تحسّن العناية بالبيئة من ظروف عيش البشر أيضًا؟ يمكننا خوض نقاشات طويلة حول السبب الذي يجعل الناس يمرون بجانب حنفية ماء مكسورة في حديقة عامة دون أن يلتفتوا إليها، لكن يجب ألا تثبط هذه النقاشات من عزيمتنا. فهم الأمور شيء، والقبول بها شيء آخر. كم استغربتُ حين سمعت أن بعض الناشطات والناشطين البيئيات-ين في سوريا يتعرضون للتنمر والتهديدات أحيانًا، كنتُ أتوقع أن الدفاع عن الطبيعة سيكون أسهل من الدفاع عن النساء، لكن هذا ليس صحيحًا تمامًا، مما يؤكد فكرة الجذور الذكورية المشتركة لاستغلال البيئة واضطهاد النساء. هذا الربط بين النسوية من ناحية والبيئية من ناحية أخرى، سوف يوسع من إمكانيات الشغل النسوي بكل تأكيد، ويجعله عالميًا. 

حين زرتُ سوريا مؤخرًا، أدركتُ كم البلد بحاجة إلى هذا الشغل، وأن كثيرًا من الأمور يمكن تصحيحها من خلال رفع الوعي قليلًا. أحلم أحيانًا بالانضمام إلى حزب نسوي-بيئي سوري، حزب يتألف في المرحلة الأولى من سبعين بالمئة من النساء النسويات وثلاثين بالمئة من الرجال الداعمين لقضايا النساء والبيئة، حزب يدخل الانتخابات وينجح فيها. ويكون من أهم أهدافه تعزيز مشاركة النساء السياسية على جميع الأصعدة، والتي ينبغي أن تؤدي إلى إدخال مفهوم العناية بالمجتمعات، عبر فهم الترابط المتين بين الطبيعة البشرية وغير البشرية، والانخراط العاطفي بالعالم من حولنا. لماذا لا تفكر النسويات بتأسيس هكذا حزب؟ الأمر ليس محض خيال علمي، كل شيء ممكن إن شاء الله.   

 

*كل ما ذكر في المقابلة يعبر عن رأي من أجريت معهن المقابلة، ولا يعبر بالضرورة عن رأي الحركة السياسية النسوية السورية