أصوات نسوية، مقابلة مع الصحفية زينة شهلا
- updated: 21 يناير 2026
- |
“أصوات نسوية، قراءة في الحراك النسوي السوري “
مقابلة مع الصحفية زينة شهلا
إعداد: كبرياء الساعور
أهلاً بكِ زينة،
1- زينة شهلا، صحفية وباحثة وناشطة مدنية، تعمل في مجال الصحافة منذ عام 2011 مع عدد من وسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية. وتكتب في الشأن الاجتماعي والثقافي والبيئي والنسوي، كما تعمل في مجال الإنتاج الإعلامي. لها مساهمات في العديد من المشاريع البحثية الخاصة بالمجال الثقافي والتراث اللامادي. تهتم بملفات العدالة والسلم الأهلي وقضايا المعتقلين/ات في سوريا، تعمل ضمن أكثر من مبادرة مرتبطة بهذه الملفات. حائزة على دبلوم في الشؤون الدولية والدبلوماسية، وإجازة في الإعلام، وإجازة في الهندسة المعلوماتية. تعمل حاليًا مع فريق “الجمهورية نت” بمجال الإنتاج الصحفي، وتشغل منصب مستشارة إعلامية لدى “الهيئة الوطنية للمفقودين”.
هل يمكنك أن تشاركينا قصة رحلتك الشخصية والمهنية، ابتداءً من تجربة الاعتقال، وصولاً إلى عملك الحالي في ملف المفقودين/ات؟
فيما يخص عملي الحالي في ملف المفقودين/ات، فهو امتداد طبيعي لانشغالي بهذه القضية التي أعتبرها من أولويات اهتمامي. لقد بدأت نشاطي المدني مع بدايات الثورة، حيث عملت على إجراء تحقيقات منذ عام 2012، ثم تعرضت للاعتقال في عام 2014، وأعيد اعتقالي مرة أخرى في عام 2015. لذا صار لديّ معرفة وفهم لتجربة الاعتقال والتغييب القسري في سجون نظام الأسد، وهي تجربة مؤلمة عشتها شخصيًا.
وبحكم أنني قضيت معظم حياتي في سوريا، لم تتوفر لي مساحة واسعة لأكون ناشطة بشكل منظم في هذا المجال، لكنني كنت أتابع القضية باهتمام، وأسهم أحيانًا في قضايا صغيرة تتعلق بالمعتقلين/ات. ومع سقوط نظام الأسد، ازداد انشغالي بالموضوع، فكنت حريصة منذ البداية على دعم كل الملفات والوقفات المرتبطة بقضايا المعتقلين/ات والمغيبين/ات، ومتابعة أوضاع ذوي المفقودين/ات.
لاحقًا، ومع تأسيس “الهيئة الوطنية للمفقودين“، جرى التواصل معي للانضمام إلى الفريق الإعلامي بصفتي مستشارة إعلامية، وهو ما أمارسه حاليًا. وقد ساعدني اهتمامي بالتغطية الإعلامية لهذه القضية أو لحساسية هذه التغطية على تكوين فهم عميق لطبيعة المعالجة الإعلامية لهذه القضية الحساسة جدًا اليوم.
2- في حديثك مع هيئة الإذاعة البريطانية الـ بي بي سي تناولت تجربة الاعتقال في فرع فلسطين، وأثناء جلسة التحقيق معك وجدت أن مكالماتك الهاتفية موجودة كاملة على طاولة المحقق، وهذا ولد لديك شعورًا بوجود رقيب قابع فوق رأسك يقرأ كل كلمة تكتبينها. كيف تنظرين اليوم إلى مستوى حرية التعبير وحرية الإعلام؟
فيما يتعلق بحرية التعبير والإعلام، من المؤكد أننا اليوم في مستوى أعلى بكثير مما كان عليه الحال في أيام حكم الأسد، سواءً من حيث حرية الإعلام أو حرية الحركة، حيث باتت الأنشطة والتجمعات ممكنة. غير أن هناك تخوفات جدية من ألا تكون هذه الحرية قاعدة راسخة، إذ بدأنا نلحظ بعض التضييقيات، ليس فقط على مستوى الإعلام، بل أيضًا على مستوى التجمعات. فاليوم نرى بعض الأماكن بدأت تشترط موافقات لإقامة الأنشطة، وقد صدر مؤخرًا تعميم من مديرية الشؤون في حمص لاحقًا تم إلغاؤه.
الوضع الحالي يتسم بالتخبط والعشوائية، ونحن بحاجة إلى قوانين ضامنة لحرية التعبير، وحرية الإعلام، وحرية التجمع، وحرية العمل المدني والسياسي. وحتى الآن لم نرَ قانونًا واضحًا للأحزاب، ولا تصورًا محددًا لشكل العمل السياسي في المرحلة المقبلة، رغم أن سوريا اليوم بأمسّ الحاجة إلى عمل سياسي منظم.
نحن نترقب بحذر، ولا يمكننا القول إن الأمور باتت مثالية. صحيح أن هناك حرية تعبير في معظم الحالات، حيث يستطيع الناس أن يتحدثوا ويعبروا دون تضييق، لكننا ما زلنا نسمع عن حالات اعتقال تعسفي، وعن أشخاص مغيبين/ات لا يُعرف مصيرهم/ن. ورغم أن هذه الحالات أقل بكثير مما كان في السابق، إلا أنه لا يجوز أن نقبل بها لمجرد أنها أقل عددًا.
ما نطمح إليه هو القطيعة التامة مع كل ما يتعلق بمعتقلي/ات الرأي، والتغييب والإخفاء القسري، عندها فقط يمكن القول إننا أصبحنا في دولة تحترم الحرية حقًا، ونستطيع أن نمارس الإعلام بأريحية كاملة.
اليوم ما زال هناك من يكتب بأسماء مستعارة خوفًا من الملاحقة، وما زال كثيرون/ات غير مطمئنين/ات بنسبة مئة في المئة، وربما يكون هذا منطقيًا بعد عقود طويلة من الخوف، وأربعة عشر عامًا من حرب مدمرة ذات أبعاد سياسية وطائفية. لكن، حتى لو كان هذا الوضع مفهومًا ضمن المعطيات السورية، فلا ينبغي أن نتوقف عنده، بل يجب أن نعمل للوصول إلى مستوى أفضل.
ويضاف إلى ذلك أن ما يثير القلق اليوم هو خطاب الكراهية المرعب المنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو أمر شديد الخطورة، ولم نرَ حتى الآن أي خطوات جدية لوضع حدٍّ له. المؤسف أن بعض الأشخاص المحسوبين على السلطة يمارسون خطابًا تحريضيًا على صفحاتهم، دون أن يُتخذ بحقهم أي إجراء. وهنا يجب أن نميز بوضوح بين حرية التعبير من جهة، وخطاب التحريض والعنف والكراهية من جهة أخرى، فهذا الجانب بالنسبة لي شديد الخطورة ويستدعي العمل الجاد لمواجهته.
3- انضممتِ مؤخرًا إلى “الهيئة الوطنية للمفقودين” في سوريا كمستشارة إعلامية وهي هيئة تعنى بكشف مصير جميع المفقودين/ات والمخفيين/ات قسرًا، ما هو الهدف الأساسي الذي تسعى الهيئة إلى تحقيقه؟
إن العمل في “الهيئة الوطنية للمفقودين” ينقسم إلى شقين أساسيين هما:
الشق الأول يتمثل في الكشف عن مصير المفقودين/ات، أي معرفة مصيرهم وإعلام ذويهم بذلك، وهو ما يُعرف بكشف الحقيقة.
أما الشق الثاني فيتمثل في تقديم الدعم للعائلات، سواءً كان دعمًا قانونيًا أو نفسيًا أو اجتماعيًا، بمختلف أنواعه.
وعليه، فإن الهدفين الأساسيين لـ “الهيئة الوطنية للمفقودين” اليوم هما: الكشف عن الحقيقة وتقديم الدعم للعائلات.
4- باعتبارك عملت في المجال الحقوقي لسنوات عديدة، كيف ترين مشاركة النساء في قضايا الإخفاء القسري والعدالة الانتقالية، وكيف يمكن أن تسهم أصواتهن بتعزيز مسار العدالة وإنصاف الضحايا؟
أولاً: بالنسبة لمشاركة النساء، فقد شهدنا خلال السنوات الأربع عشرة الماضية مشاركة عظيمة لهن في قضايا العدالة والمعتقلين/ات والمفقودين/ات، وكل ما يتصل بهذه الملفات. كثير من المنظمات والمبادرات التي ظهرت كانت قائمة على النساء، وما زال هذا الدور حاضرًا حتى اليوم، وهو أمر مدهش ومؤثر، خاصة أنهن كنّ يعشن في مناطق النظام، وحين أتيحت لهن فرصة للعمل المدني والتجمع وإعلاء الصوت، اليوم أصبحن قياديات في هذا المجال.
لكن للأسف، ما زلنا نرى تغييبًا للنساء عن الصف الأول من صناع القرار في معظم القضايا. فإذا نظرنا إلى صور للاجتماعات الرسمية بأي مؤسسة، نجد أن الغالبية الساحقة من الحضور رجال، وتكاد تغيب النساء بشكل مذهل عن مواقع صناعة القرار واتخاذ السياسات. حتى في الحكومة، لدينا وزيرة واحدة فقط، وهذا مخيف. غير أن إدارة المجتمع لا بد أن تراعي احتياجات جميع أفراده، وهذا يستلزم وجود النساء في مراكز صنع القرار، لأنهن الأقدر على التعبير عن احتياجات النساء وتعقيدات حياتهن، التي لا يمكن للرجال وحدهم أن يدركوها أو يعالجوها.
ومن الأمثلة المهمة على ذلك موضوع إعادة الإعمار؛ إذ يجب أن تراعي الخطط احتياجات النساء وخصوصياتهن، وأن تُخطط المدن والمناطق المدمرة لتكون آمنة لهن ولحركتهن. نتمنى أن نرى هذا الأمر يتحقق، وألا يبقى اتخاذ القرار حكرًا على الرجال، مع كامل الاحترام لهم.
ثانيًا: أما فيما يخص مشاركة النساء في قضية الإخفاء القسري، فمن المؤكد أن وجودهن ضروري، لأن أغلب المخفيين رجال، والنساء هن اللواتي يتحملن تبعات هذا الغياب. ففي اجتماعات الهيئة الوطنية للمفقودين مع العائلات، نلمس معاناة النساء واحتياجاتهن القانونية والاجتماعية، وكيف أن غياب المعيل يعقد حياتهن ويجعلها أكثر صعوبة. ولهذا يجب أن يكون صوت النساء حاضرًا بقوة، وأن تُؤخذ احتياجاتهن بعين الاعتبار عند صياغة أي قانون، مثل قانون المفقودين/ات.
إن قضية كشف مصير المفقودين/ات ستستغرق سنوات طويلة من البحث والتنقيب عن المقابر الجماعية، وجمع الوثائق، وإجراء الفحوصات. لكن الحاجة العاجلة اليوم هي دعم عائلات المفقودين/ات وتيسير حياتهم، عبر تسهيل الإجراءات القانونية، وتقديم الدعم بأشكال مختلفة، وتوفير فرص العمل والتوظيف. وهذا الدور لا يمكن أن يُنجز على الوجه الأمثل إلا بوجود النساء، لأنهن الأقدر على التعبير عن احتياجاتهن وإيصال أصواتهن.
وفي كل مكان في سوريا، نرى نساءً عظيمات يقمن بهذه المهمة بأفضل صورة، ويثبتن أن مشاركتهن ليست فقط ضرورية، بل أساسية لتحقيق العدالة والإنصاف.
5- من خلال تجربتك كصحفية مستقلة وواحدة من النساء اللواتي واصلن العمل داخل سوريا قبل سقوط نظام الأسد، ما هي التحديات التي تواجه المرأة في الفضاء العام؟
التحديات التي تواجه المرأة في الفضاء العام كبيرة، فالفضاء العام اليوم ليس لطيفًا ولا صديقًا للمرأة. وإذا أردت أن أبدأ بالحديث عن الهجمات التي تتعرض لها النساء، فإنّ ما جرى معنا بعد وقفة البرلمان مثال واضح على ذلك. حيث تعرضت شخصيًا لهذه الهجمات وهذا شأن كل النساء اللواتي يخضن في الشأن العام ويبدين رأيًا مختلفًا عن السائد.
وأول ما يمكن ذكره هو الهجوم الإلكتروني، وهو شديد السوء، شخصي للغاية، ومهين إلى حد كبير. على سبيل المثال، البارحة نشر أحدهم تعليقًا على منشور لي، يسأل لماذا لم أنزل لأقف ضد اعتداءات قسد، وكانت التعليقات مرعبة، شخصية ومهينة جدًا، إلى درجة تجعل المرأة تفكر يوميًا بالانسحاب من الفضاء العام. وأنا شخصيًا فكرت مرارًا بإغلاق حسابي، وابتعدت كثيرًا عن الفيسبوك بسبب هذا الأمر، إذ أصبح مرهقًا ومتعبًا.
الهجوم الشخصي على وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من أشخاص لا أعرفهم، بعضهم بحسابات وهمية وبعضهم بحسابات حقيقية، لكنه يستهلك الطاقة والوقت بلا جدوى.
المرأة حين ترد، تجد نفسها في دائرة لا تنتهي، وتُهدر جهدها على أمور لا قيمة لها. والأسوأ أنّ الهجوم على النساء يكون أكثر شخصية وإهانة من الهجوم على الرجال، إذ يُمارس بطريقة مهينة جدًا.
إلى جانب ذلك، هناك تحديات أخرى مرتبطة بالواقع الاجتماعي. فالمرأة التي تدخل المجال العام تحتاج إلى دعم اجتماعي وأسري، وإذا كانت أمًّا، فهي مضطرة لتأمين مكان لأطفالها، العمل بالشأن العام يستهلك وقتًا وجهدًا، والمرأة تعود إلى بيتها مثقلة بالمسؤوليات. لذلك، نجد أنّ الحالات التي تنجح فيها النساء في سوريا قليلة، وغالبًا ما تكون بسبب دعم العائلة والمجتمع.
إضافة إلى ذلك، فإنّ الرجال يحصلون منذ الصغر على فرص تمكين وتعليم أفضل من النساء، مما يجعلهم أكثر تأهيلًا لدخول المجال العام. أما النساء، فما زلن بحاجة إلى المزيد من التمكين والعمل، وهو ما يؤدي إلى إقصائهن في أماكن عديدة.
6- إعادة بناء الثقة بين السوريين/ات تمثل رأسمالًا معنويًا للمجتمع، وهي عمل سياسي تأسيسي لبناء مجتمع المواطنة بعد أن دمر النظام هذه الثقة وأضعف مظاهر التضامن الاجتماعي. وبالنظر لمشاركتك في مبادرات للسلم الأهلي ما هو رأيك في دور هذه المبادرات، وما هي أبرز التحديات التي تواجهها؟
إنّ مبادرات السلم الأهلي بالغة الأهمية، وقد شاركتُ في أكثر من مبادرة، وما زلت أرى أنّ الانخراط في هذه المبادرات أمر ضروري للغاية. ورغم أنّ تأثيرها اليوم، وسط الفوضى السائدة وعلوّ صوت العنف، يبدو محدودًا، فإنها بالنسبة لي تُعدّ من الطرق القليلة المتاحة للنجاة. إذ لا يمكن أن نصل إلى أي مكان ما لم نجلس معًا، نستمع لبعضنا، ونعرف ما الذي جرى مع الآخر، وما الذي يعانيه.
ومع ذلك، لا يعني هذا المسار أنّه يلغي مسار العدالة والمحاسبة. فلا يكفي أن أجلس مع المجرم وأستمع إليه ثم أسامحه، لأن مطلبنا الأساسي يظلّ المحاسبة، على الأقل بحق الرموز الكبرى من الصف الأول في النظام. صحيح أنّه قد لا يكون ممكنًا محاسبة كل من تورّط، لكنّ الحوار والسلم الأهلي يظلّان أحد المسارات التي يمكن أن تقودنا إلى العدالة والسلم.
لكنّ العمل في هذا المجال ليس سهلًا، فكثيرًا ما نجد أنّ جهودنا تُقوَّض بسبب محرض واحد على وسائل التواصل الاجتماعي، فيضيع ما أنجزناه. وهذا يجعل العمل صعبًا ومحدود الأثر أحيانًا. ومع ذلك، فإنّ الإيمان بأهمية هذه المبادرات راسخ، ونعتقد أنّ أثرها سيكون تراكميًا، بطيئًا، لكنه حتمي في نهاية المطاف.
لا أستطيع أن أتخيّل يومًا، وسط هذا المشهد العنيف الذي نعيشه، أن تغيب هذه المبادرات، لأن غيابها سيجعل المشهد أكثر رعبًا. على العكس، أتمنى أن تتوسع هذه المبادرات، وأن تكبر، فأنا مؤمنة بأنّ مواجهة حالات العنف بالحوار ستقودنا في النهاية إلى مكان أفضل، وإلا سنظل ندور في دائرة العنف التي ولّدتها الحرب، والتي لم نخرج منها بعد.
لذا علينا أن نعمل على هذا المسار، مهما كان صعبًا وطويلًا، لأنه الخيار الوحيد المتاح أمامنا.
7- عملتِ في مجال البحث الثقافي والتراث اللامادي ضمن مشروع بودكاست “تراث مسموع“، كما عملت في مشروع “على خطى الموسيقى“. برأيك، ما الدور الذي يلعبه التراث اللامادي في توثيق الروابط بين السوريين/ات وتمثيله للهوية الثقافية؟
يمكن للتراث أن يكون أحد حوامل السلام. وبهذه المناسبة، فقد عملتُ على مشروع يهدف إلى إعداد خريطة للمبادرات التي تشتغل على الثقافة وربطها بالسلم الأهلي، ووجدت أنّ هناك مبادرات في مختلف أنحاء سوريا تعمل تحديدًا على هذا الموضوع، أي التراث كمدخل للسلم الأهلي.
الفكرة تقوم على استعادة المشتركات: اللحظات المشتركة، الأكلات المشتركة، الأغاني المتشابهة، لنقول إنّ بيننا ما يجمعنا في النهاية. قد يبدو هذا الطرح مثاليًا أو غير ذي أولوية، لكنني مؤمنة بأثره، وسيكون له دور مهما كان صغيرًا، ويمكن أن يحمل أثرًا كبيرًا.
من الأمثلة التي شاهدتها، ما جرى في السويداء ودرعا، حيث عمل بعض الأشخاص على إبراز المشتركات، وبعد ذلك شعروا بأثرها ولو كان صغيرًا، كما ظهر في أحداث شهر تموز، حين برزت أصوات تقول: “نحن جيران، ولا يجب أن يسيطر خطاب التحريض أو خطاب العنف، لأنّ بيننا الكثير من المشتركات.”
وفي حمص أيضًا، هناك مبادرات ومساحات تجمع الناس على الحوار من خلال الفن والثقافة، وهذا النوع من العمل يترك أثرًا، لكنه يحتاج إلى نفس طويل جدًا، وإلى موارد وبشر ملتزمين، مما يجعله صعبًا. وكما ذكرت، قد يأتي حدث واحد، مثل إصابة أو حادثة في حلب أو غيرها، فيهدد كل ما بُني، لكن الاستمرار يتطلب نفسًا طويلًا جدًا في العمل.
8- ضمن اهتماماتك الصحفية ركزت على قضايا المناخ والبيئة وقدمت تقارير صحفية حول تأثير الجفاف على المحاصيل الزراعية والفلاحين/ات في سوريا، وانعكاساتها على المجتمعات، كيف تؤثر العوامل البيئية بطريقة غير متكافئة على أفراد المجتمعات وخاصة النساء؟
بالنسبة للمواضيع البيئية، فإنّ الفئات الأكثر هشاشة ليس النساء وحدهن، غير أن النساء يتأثرن أكثر بالحرب، وبالتغيرات المناخية، وبالانتهاكات البيئية.
على سبيل المثال، إذا نزلت اليوم إلى الغوطة، سترين أنّ أغلب العاملين في الأراضي وجمع المحاصيل هنّ من النساء. وفي فصل الصيف، حين ترتفع درجات الحرارة كثيرًا، تصبح ظروف عملهنّ من الأصعب في بعض المناطق. كما أنّ النساء كثيرًا ما يُجبرن على جلب المياه وحملها، في ظلّ تأثيرات الجفاف. هذا الجفاف يدفع الرجال إلى الهجرة وترك المناطق، فتُترك النساء والأطفال وحدهن، مما يزيد من هشاشتهن وتأثرهن بالظروف، ولأنّ النساء هن الفئة الأضعف في كثير من الأماكن، وهناك العديد من الدراسات الصادرة عن الأمم المتحدة وغيرها، تؤكد أنّ التغيرات المناخية تؤثر على النساء أكثر من الرجال.
9- قدمت النساء السوريات تضحيات كبيرة خلال فترة الصراع ولعبن دورًا محوريًا في دعم صمود مجتمعاتهن. برأيكِ، ما الدور الذي يمكن أن تضطلع به النساء في إعادة بناء سوريا بعد الحرب؟
إنّ جميع السوريين لهم دور في إعادة بناء سوريا، غير أنّ النساء على وجه الخصوص أثبتن أنّ لديهن طاقة هائلة وقدرة عظيمة على العمل. فمن خلال جولاتي في عدة مناطق سورية، وجدت أن النساء يقمن بأعمال جبارة، وذلك نتيجة سنوات الحرب حين تُركن وحدهن بعد أن غاب الرجال في الجبهات أو قُتلوا أو اعتُقلوا.
لقد أصبح واضحًا وثابتًا أنّ النساء في كثير من الأماكن يقدن المجتمع ويدبرن شؤونه، ويقمن بدور أساسي في الحفاظ على الحياة اليومية واستمرارها. إن ما ينقصنا اليوم هو وجود النساء في مراكز صنع القرار، لأنّ العمل وحده لا يكفي ما لم يقترن بالقدرة على المشاركة في اتخاذ القرارات.
فلا يكفي أن تعمل النساء بجهد كبير، بينما يظل الرجال وحدهم في مواقع القرار، بل يجب أن تكون النساء شريكات حقيقيات في صياغة السياسات واتخاذ القرارات، لأنّ ذلك وحده سيقودنا إلى مكان أفضل، ويضمن إعادة بناء سوريا على أسس أكثر عدلًا ومساواة.