الاقتصاد النسوي كعدسة تحليلية لفهم السياسات الاقتصادية في سوريا
- updated: 24 مارس 2026
- |
*كبرياء الساعور
أتذكر صورة جدتي وهي تنحني فوق الأرض لتحصد القمح وتزرع الخضرة، ثم تعود لتطهو وتربي وتدير شؤون الأسرة. كل هذا الجهد لم يُسجل يوماً في الاقتصاد الرسمي، بل عُدّ واجباً طبيعياً لا إنتاجاً يحتسب في الناتج المحلي. هذه الصورة تكشف جوهر ما يطرحه الاقتصاد النسوي، فالقرارات الاقتصادية التي كرسها النظام الذكوري ومع بقاء سوريا في علاقات ما قبل الصناعية تستمر في تجاهل العمل غير المدفوع الذي تقوم به النساء، وتختزل قيمة الإنتاج في السوق وحده. وفي سوريا الخارجة من النزاع، يصبح هذا التجاهل أكثر خطورة، إذ تتحمل النساء أعباء إعادة بناء الحياة والمجتمع، بينما تركز السياسات الاقتصادية على الخصخصة والانفتاح دون الاعتراف بالجهود غير المأجورة التي تحفظ الأسر. هكذا يظهر التناقض بين خطاب التعافي الرسمي وبين واقع النساء في الحقول والمنازل، حيث تعمل الغالبية العظمى من نساء الريف في الزراعة ورعاية الأسرة بلا أجر، كدعامة أساسية للحياة اليومية والمجتمع. أيضًا في المدن عمل النساء في المنازل أو العمل غير المسجل، العمل في ورشات البيوت أو المصانع الصغيرة العائلية، وغيرها.
يهدف هذا المقال إلى فهم الاقتصاد والسياسات الليبرالية الحديثة في بلد خارج من النزاع مثل سوريا، من منظور الاقتصاد النسوي، والبحث في أثر هذه السياسات على إعادة البناء وتحقيق العدالة الاجتماعية.
في الحالة السورية، تبرز أسئلة جوهرية حول واقع القطاعات الاقتصادية، مشاركة النساء، وسياسات إعادة الإعمار: ما هي الأهداف المرجوة؟ من أين يأتي التمويل؟ ما هي التنازلات المطلوبة؟ وكيف ستنعكس هذه السياسات على الفئات المهمشة؟
تقرير حديث لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي يقدّر أن سوريا تحتاج إلى أكثر من خمسين عاماً لاستعادة مستوياتها الاقتصادية السابقة للحرب، وهو ما يبرز حجم التحدي وأهمية إدماج النساء والفئات المهمشة في صياغة السياسات لضمان تعاف مستدام.
مدخل إلى الاقتصاد النسوي
الاقتصاد بشكل عام يهتم بكيفية استثمار الموارد المتاحة، كيف يتم إنتاجها، توزيعها واستهلاكها، إضافة إلى دراسة العلاقات المعقدة التي تصوغ هذه العملية بأكملها، والسبل التي يمكن من خلالها توجيه الطاقات الإنتاجية للبلد.
برز الاقتصاد النسوي في تسعينات القرن الماضي كحقل بحثي مستقل، حيث ركز على إدماج النوع الاجتماعي في التحليل الاقتصادي، وتطور ليصبح تيارًا نقديًا للاقتصاد التقليدي. وتشكلت مدارس متعددة في هذا الحقل، مما جعله مجالًا غنيًا بالتنوع الفكري والنظري.
الاقتصاد النسوي يعيد تعريف مفهوم الاقتصاد، فهو عدسة تحليلية تسعى إلى تقديم منظور أكثر عدالة وشمولية. لا يقتصر على وضع النساء داخل الاقتصاد أو اقتصاد النساء، بل يقوم في جوهره على رؤية نقدية للتقسيم الجندري للعمل، ويركز على العمليات الاقتصادية غير المقدرة وغير المرئية مثل الرعاية المنزلية. في منطقتنا يتناول الاقتصاد النسوي قضايا تمويل التنمية، والعدالة البيئية، والاقتصاد السياسي اليومي الذي يشكل حياة الناس، كما يسلط الضوء على النقاشات والدراسات الاقتصادية التقليدية التي تخفي علاقات القوة، وتكشف كيف تفرض الدول الغنية شروطًا اقتصادية مجحفة على الدول الفقيرة. كما يشرح جذور الاستغلال وقضايا مثل تأنيث الفقر الناتج عن التمييز، حيث تتعاظم نسب الفقر بين النساء بسبب الحرمان من فرص متكافئة في التعليم والعمل والملكية.
الفروق الأساسية بين الاقتصاد التقليدي والاقتصاد النسوي تكمن في أن الاقتصاد التقليدي يركز على عمليات السوق والربح، ويتمحور حول العمل المأجور، متجاهلًا الاقتصاد الشمولي، ويفشل في احتساب المساهمة الناتجة عن العمل غير المأجور ولا يعترف بالأنشطة خارج السوق. في المقابل، يسعى الاقتصاد النسوي إلى تطبيق سياسات اقتصادية تحقق العدالة الاجتماعية والمساواة، وتواجه التمييز. غالبًا ما يُنظر إلى النساء كمقدمات للرعاية داخل الأسر، بينما يُنظر إلى الرجال كمعيلين أساسيين، في حين يتم تجاهل أعمال الرعاية التي تشكل جزءًا أساسيًا وحيويًا من الاقتصاد.
لذلك يعمل الاقتصاد النسوي على تقدير قيمة جميع الأعمال، بما فيها أعمال الرعاية غير المدفوعة مثل التربية ورعاية الأسرة، إنه اقتصاد يركز على الاحتياجات الأساسية، ويهدف إلى تحقيق إنتاج قائم على المساواة، لا يعتمد فقط على إنتاج وتوزيع السلع والخدمات، بل يقوم أيضًا على التعاون والرعاية، ويجعل الاقتصاد في خدمة المجتمع بأسره.
السياسات النيوليبرالية وأثرها على الاقتصاد في سوريا
تعد التوجهات الاقتصادية النيوليبرالية من أكثر السياسات انتشارًا في العقود الأخيرة، إذ تقوم على تحرير الأسواق والخصخصة وتقليص دور الدولة في تقديم الدعم والرعاية، بهدف تحقيق معدلات نمو مرتفعة، دون الاكتراث بما يترتب عليها من آثار اجتماعية وسياسية كارثية، خصوصًا في الاقتصادات الهشة والضعيفة. تشير الدراسات النسوية إلى أن هذه السياسات تعزز الاستعمار والرأسمالية والأبوية، كما يظهر في دور صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في الضغط على الدول لتبني سياسات التقشف وخصخصة الخدمات الأساسية، ما أسهم في بناء نظام اقتصادي عالمي يخدم مصالح الدول الغنية على حساب الدول الفقيرة.
لقد أدت هذه السياسات إلى تفاقم المديونية، وفرض إجراءات تقشفية عمقت اللامساواة الاجتماعية والجندرية. وقد وجه مفكرون/ات مثل سمير أمين انتقادات حادة لهذه التوجهات، معتبرين أنها تعمق التبعية وتحول دول الجنوب إلى أسواق تابعة ومصدرة للمواد الخام، عبر فرض وصفات اقتصادية جاهزة تقوم على السوق المفتوحة والخصخصة.
في سوريا بعد عام 2000 تطور الاقتصاد السوري من اقتصاد اشتراكي موجه إلى اقتصاد رأسمالي. النسبة العظمى منه ملكية خاصة مع آليات فساد. بعد الحرب أصبح اقتصاد مافيوي، سواء في مناطق النظام أو مناطق سيطرة الفصائل. حاليًا هناك دعوة لاعتماد اقتصاد السوق الحر، وتتجه السياسات الاقتصادية للحكومة الجديدة نحو تبني توجهات اقتصادية تركز على الخصخصة وتقليص دور الدولة وتفعيل دور القطاع الخاص في إدارة الأصول، مع فرض إجراءات تقشفية، مثل رفع أسعار الخبز والمحروقات والكهرباء، وتسريح آلاف الموظفين/ات الحكوميين/ات.
هذه السياسات، المصحوبة بالفساد والمحسوبية، تؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم وزيادة تكلفة المعيشة، وتفاقم الفقر الذي يعاني منه أكثر من 90% من السكان.
إلى أين ستؤدي السياسات الاقتصادية المتبعة حاليًا واقتصاد السوق الحر الذي سيتم اعتماده على أوضاع النساء والمجتمع. كذلك ما الذي يعنيه اعتماد وصفات البنك الدولي وآثاره السلبية على النساء والفئات المهمشة بشكل خاص.
أثر السياسات النيوليبرالية على النساء وخاصة الفئات المهمشة
تؤدي السياسات النيوليبرالية بشكل عام إلى تعميق الفوارق الطبقية وتهميش الفئات الأكثر ضعفًا. في سوريا بعد سنوات الحرب والانهيار المؤسسي فإن التركيز على تحرير السوق وجذب الاستثمار دون ضمانات للعدالة والمساءلة يزيد من معاناة الفئات المهمشة وخاصة النساء، حيث تؤدي إلى زيادة الفقر وارتفاع معدلات البطالة والتهميش الاقتصادي مع استمرار قوانين تمييزية تؤدي إلى إنتاج مزيد من العنف وتكريس التمييز الجندري.
كما تؤدي هذه السياسات إلى استمرار عجز وصول النساء للموارد الاقتصادية الفعالة. ومع تراجع دعم الدولة ونقص الخدمات تزيد مسؤولية النساء المعيلات لأسرهن في ظل غياب الحماية. كما تدفع النساء في سوق العمل نحو وظائف غير آمنة ومنخفضة الأجر في قطاع غير رسمي. فيما انسحاب الدولة من الخدمات يؤدي إلى تحميل رعاية الأطفال والمسنين بشكل أكبر على عاتق النساء باعتبارها أعمال غير مدفوعة الأجر. كل ذلك يزيد من الإقصاء السياسي والاجتماعي ويفضي الى تراجع مشاركتهن في المجال العام.
الاقتصاد النسوي: بدائل أكثر عدالة
الاقتصاد النسوي لا يقدم وصفة جاهزة، لكنه يوفر عدسة تحليلية تكشف العمل غير المرئي وتطرح بدائل أكثر عدلاً في مسار إعادة بناء الاقتصاد. من هذا المنظور، فإن إعادة الإعمار في سوريا لا يمكن أن تترك للمستثمرين/ات وحدهم، كما لا تقتصر على بناء البنى التحتية، بل تعمل على إرساء علاقات اقتصادية قائمة على المساواة والعدل. ويجب أن تشمل الاعتراف بدور النساء في إعادة بناء الأسر والمجتمعات، وهذا الاعتراف لا ينبغي أن يظل شعارًا، بل أن يترجم إلى مشاركة فعلية في صناعة القرار الاقتصادي والسياسي.
يدعو الاقتصاد النسوي إلى التركيز على القطاعات التي تساهم في استدامة الحياة مثل الصحة، التعليم، الأمن الغذائي، ومشاريع الطاقة المستدامة.
فالنساء في الريف مثلاً يقمن بعمل مزدوج: إنتاج غذائي غير مدفوع الأجر ورعاية أسرية، وهو عمل أساسي لبقاء المجتمع لكنه غير محسوب في المؤشرات الرسمية للاقتصاد لذا ينبغي دعم المشاريع النسائية الزراعية والحرفية، فعلى سبيل المثال يمكن تأسيس تعاونيات في ريف دمشق لإنتاج الألبان والأجبان والمربيات وتسويقها في المدن، ما يعزز الاقتصاد المحلي ويوفر فرص عمل، ويجعل النساء شريكات أساسيات في إعادة الإعمار.
إن الاقتصاد النسوي يضع العدالة في قلب السياسات الاقتصادية، و يقدم رؤية بديلة تعترف بالعمل غير المأجور الذي تقوم به النساء في الحقول والمنازل. وفي بلد خرج من حرب طويلة يصبح إدماج النساء في صنع القرار ليس مجرد مطلب أخلاقي بل شرط لبقاء المجتمع واستدامة التعافي، فمستقبل سوريا لن يبنى إلا بالاعتراف بجهود النساء اللواتي يحملن عبء الحياة بعد الحرب.