لماذا تخيف النسويات مجتمعاتنا؟ ينار محمد واغتيال النسوية
- updated: 16 مارس 2026
- |
*رنا العش
لم يكن اغتيال ينار محمد مجرد حادثة عنف عابرة، بل صدمة أعادت تسليط الضوء على المخاطر التي قد تواجهها النساء اللواتي يرفعن أصواتهن دفاعًا عن حقوق النساء.
فحين تُستهدف ناشطة كرّست حياتها لمساندة النساء المعنفات والدفاع عن المساواة؛ الرسالة تتجاوز شخصها لتطال الفكرة التي كانت تمثلها.
إن استهداف الأصوات النسوية لا يحدث في فراغ، بل يأتي في سياقات اجتماعية وسياسية تتوتر فيها العلاقة بين مطالب التغيير والقوى التي تخشى هذا التغيير. ففي مثل هذه البيئات، قد تتحول المرأة التي تتحدث عن العدالة والمساواة إلى هدف للهجوم أو التشويه أو الإقصاء.
اغتيال ينار محمد يذكّر بأن الدفاع عن حقوق النساء في بعض السياقات ما يزال فعلًا محفوفًا بالمخاطر، ويطرح سؤالًا مؤلمًا: إلى أي حد يمكن أن يدفع الصوت النسوي ثمن مطالبته بالعدالة؟
فحين تُواجه المطالب البسيطة بالمساواة بهذا القدر من العنف، يصبح واضحًا أن القضية لم تعد مجرد نقاش فكري، بل صراع حقيقي حول مكانة النساء وحقهن في أن يكنّ جزءًا كاملًا من المجال العام.
بهذا المعنى، لا يُقرأ اغتيال ينار محمد فقط بوصفه نهاية مأساوية لحياة ناشطة، بل كإشارة إلى التحديات العميقة التي ما تزال تواجه النساء في طريقهن نحو العدالة والمساواة.
عن ينار محمد
وُلدت ينار محمد في العراق عام 1960، نشأت في مجتمع شهد تحولات سياسية واجتماعية عميقة، تركت آثارها على حياة النساء ومكانتهن في المجتمع. منذ سنوات مبكرة بدأت ينار تهتم بقضايا الحرية والعدالة الاجتماعية، ومع مرور الوقت تحوّل هذا الاهتمام إلى التزامٍ واضح بالدفاع عن حقوق النساء ومواجهة أشكال العنف والتمييز التي يتعرضن لها.
لم يكن الطريق الذي اختارته طريقًا سهلًا، فالعمل في مجال الدفاع عن حقوق المرأة في مجتمعاتٍ محافظة غالبًا ما يواجه بالرفض أو التشكيك أو حتى العداء. ومع ذلك، كرّست ينار محمد سنوات طويلة من حياتها للنشاط النسوي والعمل الحقوقي، وأسهمت في إطلاق مبادرات ومشاريع هدفت إلى دعم النساء المعنّفات والمهددات بالعنف، ودعت وتطوعت لفتح نقاش أوسع حول قضايا المساواة والعدالة الجندرية.
مع مرور السنوات، أصبحت ينار محمد واحدة من أبرز الأصوات النسوية في العراق، وارتبط اسمها بالنضال من أجل حماية النساء وتمكينهن. وقد انتهت حياتها بشكل مأساوي عندما اغتيلت في 2 آذار/مارس 2026، في حادثة صدمت كثيرين، وأعادت طرح الأسئلة حول المخاطر التي تواجهها النساء اللواتي يرفعن أصواتهن دفاعًا عن حقوق النساء.
حياة مكرسة للدفاع عن النساء
لم يقتصر نشاط ينار محمد على الخطاب أو الكتابة، بل كان عملها الميداني جزءًا أساسيًا من مسيرتها. فقد كرّست سنوات طويلة للدفاع عن النساء اللواتي يتعرضن للعنف أو التهديد داخل مجتمعات غالبًا ما تترك الضحايا وحيدات في مواجهة مصيرهن. ومن خلال عملها ساهمت في إنشاء شبكات دعم وملاجئ آمنة للنساء المهددات بجرائم الشرف والعنف الأسري، وهي مبادرات اعتُبرت في وقتها خطوة جريئة في بيئة اجتماعية ما تزال تنظر إلى مثل هذه القضايا بكثير من الحساسية والصمت.
إلى جانب عملها الميداني، لعبت ينار محمد دورًا مهمًا في المجال الإعلامي والفكري، حيث تولّت رئاسة تحرير جريدة “المساواة”، وهي صحيفة نسوية هدفت إلى تسليط الضوء على قضايا النساء وفتح نقاشات حول العدالة الاجتماعية والمساواة الجندريةً. ومن خلال هذا المنبر، ساهمت في إيصال أصوات النساء إلى المجال العام، وكسر الصمت الذي يحيط بكثير من قضايا العنف والتمييز.
لم يكن هذا العمل سهلًا، فقد واجهت حملات تشويه وانتقادات حادة من بعض الجهات التي رأت في النشاط النسوي تهديدًا للتقاليد أو للنظام الاجتماعي القائم، ومع ذلك استمرت في نشاطها مؤمنة بأن الدفاع عن النساء ليس قضية فئة محددة، بل قضية عدالة إنسانية تمس المجتمع بأكمله. هكذا لم تكن ينار محمد مجرد ناشطة فردية، بل كانت جزءًا من حركة أوسع تسعى إلى كسر الصمت حول العنف الذي تتعرض له النساء، وإلى خلق مساحات أكثر أمانًا وكرامة لهن.
حين يصبح الدفاع عن المرأة مخاطرة
في كثير من المجتمعات، لا يُنظر إلى الدفاع عن حقوق النساء باعتباره مطلبًا عادلًا أو خطوة نحو مجتمع أكثر إنصافًا، بل يُنظر إليه أحيانًا باعتباره تحديًا للتقاليد أو تهديدًا للنظام الاجتماعي القائم. ولهذا السبب، تجد كثير من الناشطات النسويات أنفسهن في مواجهة ضغوط اجتماعية وسياسية قد تصل في بعض الأحيان إلى التهديد المباشر.
النساء اللواتي يرفعن أصواتهن دفاعًا عن المساواة لا يواجهن فقط جدلًا فكريًا حول أفكارهن، بل يواجهن أيضًا حملات تشويه واتهامات ومحاولات لإسكاتهن أو تهميشهن.
ففي مجتمعات ما تزال تعتبر قضايا النساء شأنًا ثانويًا أو موضوعًا يجب أن يبقى داخل حدود الصمت الاجتماعي؛ يصبح رفع الصوت فعلًا محفوفًا بالمخاطر. لذلك لم يكن غريبًا أن تتحول بعض الناشطات إلى أهداف للهجوم أو التهديد. فالمطالبة بحقوق النساء، في سياقات معينة لا تُفهم على أنها دعوة للعدالة، بل تُفسَّر أحيانًا على أنها تمرد على منظومة كاملة من القيم والعلاقات الاجتماعية. وهكذا تجد النساء المدافعات عن حقوق النساء أنفسهن في مواجهة مع قوى مختلفة ترى في هذا الصوت خطرًا يجب احتواؤه أو إسكاته.
لماذا تخيف النسوية مجتمعاتنا؟
لم تنشأ الحركة النسوية بوصفها فكرة نظرية مجردة، بل كحركة اجتماعية طالبت عبر تاريخها بحقوق أساسية حُرمت منها النساء طويلًا. فقد رفعت النساء أصواتهن للمطالبة بحق التعليم، والحق في العمل، والمشاركة السياسية، والقدرة على اتخاذ القرار في حياتهن الخاصة والعامة.
كما طالبت النسوية بالاعتراف بالعنف الذي تتعرض له النساء، سواءً داخل الأسرة أو في المجال العام، وبسنّ قوانين تحميهن وتضمن لهن فرصًا متكافئة في المجتمع.
غير أن هذه المطالب، رغم بساطتها الظاهرة، اصطدمت في كثير من الأحيان ببنية اجتماعية وسياسية تقوم على أسس سلطة أبوية راسخة. ففي مجتمعات عديدة، ظل المجال السياسي والاقتصادي والثقافي مجالًا يهيمن عليه الرجال، وتُصاغ فيه القوانين والتقاليد بطريقة تعكس هذه الهيمنة. لذلك بدت المطالب النسوية بالنسبة للبعض وكأنها تهديد لهذا التوازن القائم.
إلى جانب ذلك، لعبت بعض الخطابات الدينية والاجتماعية دورًا في تكريس الصورة التقليدية لدور المرأة، تُقدَّم فيها الطاعة والصمت بوصفهما فضيلتين، بينما يُنظر إلى المطالبة بالحقوق باعتبارها خروجًا عن النظام الاجتماعي. وهكذا أصبحت النسوية في نظر كثيرين فكرة مقلقة ليس لأنها ضد الظلم، بل لأنها تسعى إلى إعادة طرح أسئلة قديمة حول السلطة والعدالة والمساواة داخل المجتمع.
لهذا السبب لم تكن مقاومة النسوية مجرد رفضٍ لفكرة فكرية، بل كانت في كثير من الأحيان دفاعًا عن منظومة اجتماعية كاملة اعتادت أن تبقى.
النسوية المهمّشة في العالم العربي
رغم أن قضايا النساء أصبحت اليوم أكثر حضورًا في النقاش العام، فإن الحركة النسوية في العالم العربي ما تزال تواجه أشكالًا متعددة من التهميش وسوء الفهم. ففي كثير من الأحيان تُختزل النسوية في صور نمطية أو تُقدَّم في الخطاب الإعلامي والاجتماعي باعتبارها فكرة دخيلة أو مشروعًا يتعارض مع الثقافة المحلية، بدلاً من النظر إليها كحركة تطالب بحقوق إنسانية أساسية.
هذا التشويه لا يقتصر على الخطاب العام فحسب، بل يظهر أيضًا في محدودية المساحات المتاحة للنساء للمشاركة الفعلية في الحياة السياسية والاجتماعية. فبينما استطاعت النساء في العقود الأخيرة تحقيق بعض التقدم في مجالات التعليم والعمل، ما تزال مشاركتهن في مواقع القرار محدودة، وما تزال قضايا العنف والتمييز ضد النساء تواجه قدرًا كبيرًا من الصمت أو التقليل من أهميتها.
في ظل هذه الظروف، تجد كثير من الناشطات أنفسهن يعملن في بيئات صعبة تفتقر إلى الدعم المؤسسي أو الحماية القانونية الكافية. ومع ذلك تستمر الحركات النسوية في الظهور بأشكال مختلفة سواءً عبر المبادرات المدنية أو النشاط الحقوقي أو النقاشات الفكرية، في محاولة لفتح مساحات أوسع للنساء داخل مجتمعاتهن.
وهكذا تبقى النسوية، رغم كل ما تواجهه من مقاومة وتهميش، صوتًا يسعى إلى إعادة طرح أسئلة العدالة والمساواة، وإلى كسر الصمت الذي يحيط بكثير من القضايا التي تمس حياة النساء اليومية.
الأفكار لا تُقتل
قد تنتهي حياة إنسان برصاصة أو حادثة عنف، لكن الأفكار التي حملها لا تختفي بالسهولة نفسها. فالتاريخ يعلّمنا أن المطالبة بالعدالة والمساواة غالبًا ما تواجه مقاومة في بداياتها، لكنها تترك أثرًا يستمر بعد غياب أصحابها.
لقد كرّست ينار محمد سنوات من حياتها للدفاع عن النساء اللواتي لم يكنّ يملكن القدرة على رفع أصواتهن، وسعت إلى فتح مساحات أوسع للنقاش حول العدالة والمساواة. ومع أن اغتيالها يشكّل خسارة إنسانية مؤلمة، إلا أن الأسئلة التي كانت تطرحها لن تختفي برحيلها.
فالقضية التي ناضلت من أجلها لا تتعلق بشخص واحد، بل بمستقبل مجتمعات كاملة تسعى إلى تحقيق قدر أكبر من العدالة والكرامة لجميع أفرادها. لذلك تبقى الفكرة التي حملتها كثير من الناشطات النسويات حيّة في النقاشات التي ما تزال تُطرح حول حقوق النساء ومكانتهن في المجتمع.
ربما يكون الدرس الأهم في مثل هذه اللحظات أن الأصوات التي تُحاول كسر الصمت لا تختفي بسهولة، لأن الأفكار التي تولد من الحاجة إلى العدالة تجد دائمًا طريقها للاستمرار.