أصوات نسوية، مقابلة مع عزة البحرة

 

أصوات نسوية، قراءة في الحراك النسوي السوري

مقابلة مع الفنانة عزة البحرة

إعداد: أمل السلامات

 

عزة البحرة؛ ممثلة سورية من مواليد دمشق، قدمت العديد من الأعمال التلفزيونية والسينمائية، اتخذت موقفاً سياسياً معارضاً بعد عام 2011، شاركت بعدها في العمل السياسي، كما أنها عملت على مناصرة قضايا المرأة السورية من خلال المساهمة في تأسيس “شبكة المرأة السورية”، وفي رمضان 2023 شاركت عزة في مسلسل “ابتسم أيها الجنرال” الذي سجل أعلى نسبة متابعة من قبل السوريات والسوريين. 

 

أهلاً بكِ عزة،

 

1- عزة هي ابنة عائلة أدبية وفنية أساساً، فوالدها الأديب نصر الدين البحرة ووالدتها الفنانة التشكيلية والنحاتة عصام ميرزو، كيف أثر هذا في ثقافة ووعي وتفكير عزة؟

دائمًا لدي الاعتقاد بأن الأهل لهم دور كبير في تكوين شخصيات أولادهم بالصورة التي يرغبونها، وهذا ما حدث معي، فقد دفعتني مكتبة أبي المحيطة حولي، لأن يكون لدي رغبة دائمة في القراءة منذ كنت صغيرة. كانت والدتي تختار لي ولأخي عمر أفلام سينمائية لنشاهدها، واشترت له “كاميرا”. لقد ساهم والدي ووالدتي بتشكيل وعيي وثقافتي وشخصيتي من خلال النقاشات والحوارات التي كانت تدور بيننا.  

 

2- بالرغم من أنك درست الإعلام وعملت في الصحافة مدة /15/ عامًا، إلا أنكِ اتجهت نحو التمثيل سواءً في التلفزيون أو السينما، وكنت جزء من أعمال اجتماعية وتاريخية وأعمال من البيئة الشامية، أود لو تأخذنا عزة في جولة تحدثنا فيها عن بداياتها الفنية، حبها وشغفها بالفن وبالتمثيل. أياً من الأعمال الفنية وجدت عزة نفسها فيها أو تمكنت من خلالها من تقديم رسائل غيرت من الصور النمطية في مجتمعنا السوري؟

صحيح أنني درست إعلام وصحافة، لكن الأفلام التي كانت أتابعها مع والدتي مذ كنت صغيرة، جعلتني أتمنى تجسيد شخصيات كنت أشاهدها في تلك الأفلام، وأصبح لدي تلك “السوسة” أو الشغف، وهي الرغبة بأن أمثل أو أجسد شخصية مؤثرة شاهدتها يومًا في عمل تلفزيوني أو سينمائي. 

فعليًا التحقت بعد حصولي على الشهادة الثانوية (البكالوريا) بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وكنت من الأوائل في المعهد، لكن ظروف عائلية جعلتني اتجه نحو الصحافة. 

طوال عملي بالصحافة رافقتني “السوسة” وهي رغبتي بأن أكون ممثلة، كنت أقول لصديقاتي وأصدقائي في الجريدة، لدي رغبة بأن أكون ممثلة، وفي إحدى المرات قال لي زميل لي يعمل في نفس جريدتي، بأن المخرج عبد اللطيف عبد الحميد يقوم بالبحث عن شخصيات لفيلم يعمل على إخراجه، وسألني أن أذهب لمقابلته، بعد أن أمن لي موعداً معه. التقيت بالمخرج عبد اللطيف عبد الحميد، وهكذا كان أول عمل فني لي معه في فيلم “ليالي ابن أوى” في عام 1982. 

هناك أعمال عديدة شاركت بها وأحببت دوري فيها، أحدها وهو دور أحببته جدًا، كان في شخصيتي في مسلسل ” الموءودة”، من إخراج زوجي ثائر موسى، حيث لعبت دور “الخرود”، التي يأخذ زوجها منها ابنتها ويقوم بوأدها. 

أحببت دوري في حلقة اسمها “الحاسة السادسة” من مسلسل “الفصول الأربعة” مع المخرج المرحوم حاتم علي، كما أنني أحببت أدواري التي قدمتها في مسلسلات “على طول الأيام” من إخراج حاتم علي، “وراء الشمس” من إخراج سمير حسين، و”ليس سرابًا” مع المخرج المثنى صبح. 

حاولت في اختياري للشخصيات التي كنت أمثلها، أن تكون شخصيات مقنعة لي، وأشعر بأنني من خلالها سأقدم شيئًا مختلفًا وجديدًا، أعتقد شخصيًا بأنني نجحت في اختياراتي مرات، وربما لم أنجح في مرات أخرى، لكن فعليًا أرى أن تقييم المتابعات/ين والجمهور لأعمالي، هو من يقرر مدى نجاحي من عدمه في الأعمال التي شاركت بها.  

 

3- من وجهة نظر عزة، هل كان الفن في سوريا قبل عام 2011 مسيسًا، بمعنى أنه كان يخدم مصالح الطبقة الحاكمة، وإن كان، هلا حدثتنا عزة كيف وأين كانت تلمس ذلك، مدى تأثير ذلك على عزة وكيف تعاملت معه؟

لا أظن بأنه كان مسيسًا في الأعمال الاجتماعية الواقعية، لكن بتصوري أن الأعمال الفنية الكوميدية، التي كانت تقدم في تلك الفترة تركت عند المشاهد انطباعًا بأن النظام ديمقراطي، ويسمح بانتقاده. من تلك الأعمال مثلاً حلقات عديدة من مسلسل”بقعة ضوء”، حلقات من مسلسل “مرايا”، أيضًا هناك المسرحيات التي مثل فيها دريد لحام، أعطت مساحة وهامش لانتقاد النظام، طبعا تلك الأعمال صورت النظام بطريقة ما بأنه ديمقراطي، لكن هذا غير حقيقي على الإطلاق ولا يدل على ديمقراطية النظام، فمثلاً قدمت أعمال تاريخية تناولت تاريخ سوريا وفترة الانقلابات فيها كمسلسل “حمام القيشاني” وتوقفت عند مرحلة السبعينات، أي أنها لم تتناول فترة استلام الأسد الأب لحكم سوريا، كل المسلسلات التاريخية لم تقترب من حقبة حكم حافظ الأسد.

عملت كممثلة في الوسط الفني مدة /35/ سنة، وأعرف بأن هناك نجمات ونجوم كان لهن/م بصورة مباشرة أو غير مباشرة علاقات مع أجهزة أمن ومخابرات النظام، التي كان لها دور في شهرتهن/م ونجوميتهن/م. صراحة لا أحب أن أتحدث كثيرًا عن هذا الأمر، لكن قدمت لي عروض من قبل أجهزة الأمن والمخابرات مقابل أن أصبح نجمة، إلا أنني رفضت قطعًا.   

 

4- بعد عام 2011؛ اختارت عزة الاصطفاف مع الجماهير السورية المطالبة بالتغيير، ماهي دوافعك، نرغب لو تحدثنا عزة عن الصعوبة أو التحديات أو ربما الضغوطات التي واجهتها عزة في موقفها الداعم للحراك الثوري في سوريا، وكيف تغلبت عليه؟

المواطن/ة السوري/ة، ومجتمع يضمن حقوق مواطناته ومواطنيه، هي دوافعي للاصطفاف مع الشعب السوري العظيم.

 يؤسفني بأننا لم نستطع أن نحقق طموحنا وأحلامنا، فنحن أمام الاندفاع الذي حدث في عام 2011، تولد لدينا يقين بأننا سنكون قادرين على تغيير النظام خلال أشهر، كنا مندفعات/ين، مي سكاف رحمة الله عليها، فدوى سليمان، فارس الحلو، محمد آل رشي، نوار بلبل، زوجي ثائر موسى… وغيرهن/م الكثير من الفنانات/ين، اللواتي/الذين وقفن/وا ضد النظام، جميعنا كنا نحلم بإسقاطه خلال أشهر قليلة، كنا سذج حينها، لم يكن لدينا تصور إلى أين ستؤول مآلاتنا، لم نكن نعلم بأننا سنصبح مشردات/ين. 

استدعتنا أجهزة وأفرع النظام الأمنية، التي أعطتنا فرصة أشهر قليلة لنغادر سوريا خلالها. اعتقدنا بأننا سنرجع لسوريا بعد فترة بسيطة من مغادرتنا لها، لكننا للأسف لم نرجع حتى اللحظة. 

أشعر بغصة في قلبي، لأننا لم نتمكن من تحقيق حلمنا في التغيير. 

كان ثمن معارضتنا للنظام، الحرمان من فرص العمل، فلم يعد أي مخرج سوري أو لبناني يختارنا للعمل معه، وضعت أسماؤنا على مدخل القصر الجمهوري، مُنعنا من دخول مقر التلفزيون السوري، وأصدرت /46/ شركة إنتاج قرار بعدم تشغيلنا معها في منتج فني، وهذا القرار ما يزال ساري المفعول حتى اللحظة، حتى الأقنية العربية استبعدت أسماءنا من العمل في أي أعمال فنية، كل ذلك لأننا معارضات/ين لنظام الحكم في سوريا. 

 

5- تؤسس عزة البحرة مع سوريات وسوريين حركة “معًا من أجل سوريا حرة وديمقراطية، كما تشارك في مؤتمر المعارضة السورية الذي عقد في مدينة “ستوكهولم” السويدية عام 2011، اعتقد هذه نقلات وخطوات كبيرة قامت بها عزة من الإعلام إلى الفن إلى موقف المعارضة لتصل إلى العمل أو المشاركة في المجال السياسي. كيف أدت هذه النقلات والخطوات لوصولك إلى العمل في المجال السياسي، وما كان دورك في العمل السياسي؟ 

أسسنا فعلاً في سوريا حركة “معاً من أجل سوريا حرة وديمقراطية”، وشاركت في مؤتمر ستوكهولم للمعارضة باسم “معاً من أجل سورية حرة وديموقراطية”. قال الكثير بأني ممثلة فقط ويجب ألا يكون لي علاقة بالسياسة، لكن هذا القول غير مقنع بالنسبة لي، فأنا أرى أنه يجب أن يكون للفنان/ة موقف داعم ومساند للناس والجماهير التي يحبها ويقدم لها أعماله الفنية.  

كنت أضع أمام عيني مثالاً الكاتب “ماريو فارغون بوستا”، وعلى ما أذكر بأنه كاتب من “البيرو”، رشح نفسه للرئاسة، لأن رغبته كانت مساعدة الناس، وهو أي الكاتب، ألف رواية اسمها “حفلة التيس” حكى فيها عن دكتاتور حاكم، استمر في حكمه مدة /30/ عامًا. 

نعم؛ هي نقلات وخطوات كبيرة، حاولنا فيها من خلال مساحاتنا الضيقة في العمل السياسي أن نقدم شيئاً لسوريا، وللأسف فشلنا من الناحية العملية. 

 

6- تغادر عزة سوريا في صيف 2012، ما الأسباب التي دفعت عزة للمغادرة هل من الممكن أن تصف لنا عزة لحظة خروجها من سوريا؟ 

غادرت سوريا تحت تهديدات النظام، ففي أفرع مخابرات النظام الأمنية طلب مني مغادرة سوريا خلال ثلاثة أشهر، وإن لم أفعل فسيكون مصيري السجن. 

بقيت ثلاثة أشهر أتأمل حيطان منزلي، أفكر ماذا سأحمل في حقيبتي من أشيائي عند الرحيل. وأغادر سوريا وبيتي وحياتي وتاريخي. 

بقي لدي ذلك الاعتقاد بأن غيابي عن سوريا لن يطول، لكن مرت شهور وأنا ما زلت بعيدة. 

بقيت فترة في مصر لأنني كنت أريد المشاركة في مؤتمرات المعارضة السورية. وفي تلك الفترة كان يأتي سوريات/ين للمشاركة سرًا في تلك المؤتمرات، كنت أطلب من أولادي أن يرسلوا لي معهم أغراضي وأشيائي، التي كنت احتاجها، وهكذا حقيبة وراء حقيبة جمعت كل أغراضي وأشيائي التي أحب أن ترافقني أينما كنت، وهي ما تزال ترافقني منذ /11/ عامًا. 

كانت مغادرتي صعبة ومؤلمة، كألم جرح لا يندمل، تشعر أنه جرح مفتوح دائمًا وينز دمًا.  

 

7- على صعيد المرأة، شاركت عزة في برنامج تلفزيوني تحت عنوان “بنت البلد”، أود لو تحدثينا عن هذا البرنامج، عن ماذا يحكي، وما كانت أهدافه ورسائله؟

أنتجت هذا البرنامج شركة مصرية، وتم اختياري لهذا البرنامج عن طريق صديقة لي على (الفيس بوك) اسمها سلمى الجزائري، حيث كانت على صلة مع الشركة المنتجة للبرنامج، وهم كانوا قد افتتحوا قناة تلفزيونية في مصر، لكن هذه القناة أغلقت بعد فترة بسبب مشاكل تخصهم. 

استضفت في هذا البرنامج شخصيات نسائية، شخصيات معارضة، شخصيات تم اعتقالها وخرجت من المعتقل، وشخصيات لها تاريخها في المعارضة. كنا نتحدث في البرنامج عن الأوضاع في سوريا، حقيقة كان برنامج خاص، وبثت فيه حلقات جميلة جدًا، بحثت كثيرًا عن حلقات هذا البرنامج في “اليوتيوب” لكنني للأسف لم أجد أيًا منها.  لقد سجلت حلقات هذا البرنامج في عام 2011، أي عندما كنت ما أزال في دمشق، يعني كانت مغامرة كبيرة أن أقوم بتسجيل هكذا برنامج وأنا ما أزال داخل سوريا. 

 

8- عزة من المؤسسات لـ “شبكة المرأة السورية”، وما زالت عزة حتى اللحظة تعمل على قضايا المرأة السورية، لماذا المرأة، ما هي أهم القضايا التي أرادت عزة العمل عليها فيما يخص النساء، هل لمست عزة أي تغيرات في وضع المرأة السورية بعد 2011؟ 

التقيت في مؤتمر توحيد المعارضة في ستوكهولم عام 2011، بالسيدة سميرة زعير وزوجها عماد عزوز، اللذان نظما المؤتمر، وسميرة كانت مقيمة في السويد منذ أكثر من /35/ سنة، وهي كانت صاحبة فكرة تأسيس “شبكة المرأة السورية”. وفعلاً في عام 2013 أسست مع حوالي /100/ سيدة، شبكة المرأة السورية باجتماع أقيم في السويد. 

“شبكة المرأة السورية” تهدف إلى نيل المرأة حقوقها، وهي تعمل على مساعدة السوريات/ين للوصول إلى الديمقراطية وتطبيق المواطنة. 

لا يوجد في الحقيقة تغيير كبير في وضع المرأة السورية حتى اللحظة رغم جهودنا، لأنه باعتقادي أي تغيير في وضع المرأة أو في المجتمع يحتاج إلى قوانين ومؤسسات تناضل على أرض الواقع لإحداث التغيير المطلوب، والأهم القرار السياسي لاستصدار قوانين تغير واقع المرأة. أذكر أنني كنت أشارك في اجتماعات رابطة النساء السوريات في سوريا، وكنا نناضل قبل عام 2011 من أجل أن تنال المرأة بعضًا من حقوقها، كحق منحها جنسيتها لأطفالها مثلاً، حيث عقدنا العديد من المؤتمرات والندوات وكتبنا الكثير من العرائض، إلا أننا للأسف لم نتمكن من منحها هذا الحق، لأنه يحتاج إلى قرار سياسي من قبل النظام. والجميع يعرف بأننا كنا تحت ظل حكم ديكتاتوري يصعب فيه القيام بنقلات نوعية. أنت لا تستطيعين تحت حكم كهذا سوى أن تقومي بأكثر من ندوة تضم (10 أو 15 أو حتى 20 سيدة)، وغالبًا ما يكون بين الحاضرات/ين مخبرات/ين مرتبطات/ين بأجهزة ومخابرات النظام الأمنية. 

وبالتالي؛ فإن أي تغيير خارج إطار القرار السياسي أو الحكومي، هو تغيير صعب جدًا، مثلاً أصدر محمد بن سلمان قرارات في السعودية أحدثت نقلة نوعية في وضع النساء السعوديات، حيث أصبح لهن الحق في قيادة السيارة، وتم إلغاء ما يسمى بـ “المطوعين”. 

 

9- ماذا تقول عزة عن الصعوبات والتحديات التي تواجه المنظمات النسوية والنسائية اليوم؟ برأيك أين وصلت النسويات السوريات في نضالهن النسوي؟ 

الصعوبات والتحديات كثيرة وكبيرة. نحن النساء المتواجدات خارج سوريا، نعمل في أرض غير أرضنا، أشعر بأننا (كمن ينطح رأسه بالحيط)، نعمل ونعمل، لكن دون أن نلتمس أي تغييرات حقيقية، النظام يقف ضدنا بكل شيء، وكما قلت سابقًا أي تغيير يحتاج إلى قرار سياسي، هذا من جهة النساء في خارج سوريا، أما من جهة النساء المتواجدات في داخل سوريا، فإنهن يعملن على التغيير ضمن مساحة ضيقة ومخنوقة، الأمر الذي يزيد من الصعوبات والتحديات التي تواجههن في تحقيق أي إنجازات أو خدمات أو مساعدات للنساء السوريات حتى على المستوى البسيط.  

 

10- مسلسل “ابتسم أيها الجنرال” كان أحد أكثر المسلسلات متابعة في رمضان 2023، لدي ذلك الفضول لأعرف ردة فعل عزة عندما عرض عليها لأول مرة دور “والدة فرات”، ولماذا وافقت عزة على أداء هذا الدور؟ 

مسلسل “ابتسم أيها الجنرال” كان فعلاً أحد المسلسلات الأكثر متابعة بالنسبة للسوريات/ين، لأنه مسلسل سوري عربي يقتحم لأول مرة القصور والعلاقات الإنسانية داخل هذه القصور، والمسلسل أعطى صورة عن توريث الحكم، وجاءت الضجة التي فعلها المسلسل من أنه حكى عن نظام ديكتاتوري ما يزال موجود على رأس الحكم، وهذا أمر بحد ذاته استثنائي وليس من السهل الإقدام عليه في أي عمل فني.  

وافقت على دور “والدة فرات” لأنني شعرت بأن هذا الدور يكمل مسيرتي في معارضة نظام الحكم في سوريا خلال 11 سنة. شخصية رقية “والدة فرات” فضحت جوانب من ديكتاتورية النظام بشكل أو بآخر، طبعا ليست كلها لأنه ليس من السهل أن يتم فضح استبداد وانتهاكات وإجرام وعنف هكذا نظام، يحكم بلد منذ حوالي /53/ سنة.  

 

11- هل وجدت عزة صعوبة في تقمص وأداء دور “والدة فرات”؟ 

لم أجد صعوبة بتقمص وأداء دور “أم فرات”، لأن دوري في العمل كان مكتوب بعناية. حاولت البحث عن فيديوهات أو غيرها لأتعرف من خلالها على شخصيتي “ناعسة أو أنيسة”، لكنني لم أجد، فعملت على تقمص الشخصية بحسي أنا كعزة الممثلة، كشخصية تريد أن تمكن أولادها من الحكم دون أن يقتلوا بعضهم البعض. 

 

12- “ابتسم أيها الجنرال لا يمكن أن يكون عملاً توثيقياً، إنما يمكن إسقاطه على كل الأنظمة الدكتاتورية” هذا ما قالته عزة في لقاء لها على راديو “روزنة” وهو رد على انتقادات قالت إن العمل لم يوثق ما يجري في سوريا (كما كتب راديو روزنة)، لكن ربما تعود تلك الانتقادات لأن  بعض شخصيات المسلسل تتشابه إلى حد كبير مع بعض شخصيات السلطة الحاكمة في سوريا، الأمر الذي جعل بعض المشاهدات/ين يطلق تلك الانتقادات، فهل تعتقد عزة بأن المسلسل أشار بشكل مباشر أو غير مباشر أو حمل رسائل ظاهرة أو باطنة لما جرى ويجري في سوريا خلال فترة حكم الأسد الأب والابن؟  

طبعاً طبعاً، نحن لا يمكننا القول بأن هذا العمل وثائقي، لكن هناك شخصيات عدة في الواقع تشابهت إلى حد كبير مع شخصيات المسلسل. 

عملياً الشخصيات في المسلسل تشبه كل الشخصيات الدكتاتورية في العالم العربي والعالم غير العربي، الديكتاتوريات صاحبة السلطة والقرار، مرتكبي الجرائم، المسيطرين على الاقتصاد، وهم مافيات. 

المسلسل أشار مباشرة لشخصيات في سوريا دون ذكر أسماء صريحة، فهو عمل درامي وليس توثيقي، كان قريبًا من واقعنا الذي عشناه في سوريا. 

من حق الناس والمشاهدات/ين انتقاد العمل وعقد المقاربات أو المقارنات، كلاً حسب موقعه أو حسب خلفيته الفكرية، الثقافية، السياسية، واصطفافاته. 

 

13- هل تعتقد عزة بأن العمل نجح من ناحية تصوير ما يجري في الردهات والأقبية المظلمة للأنظمة الديكتاتورية والشمولية؟ وكيف؟ 

لا يستطيع أي عمل أن يكون جامعًا لكل ممارسات الأنظمة الدكتاتورية، فمثلاً لم يتطرق المسلسل للمعتقلات/ين، للفقراء… وغيرها في سوريا، طبعًا ممكن طرح هذه الجوانب في أعمال أخرى إن سنحت الفرصة لتقديم أعمال مشابهة. 

مسلسل “ابتسم أيها الجنرال” حكى عن صراع السلطة تحديدًا، والخلافات بين الشخصيات الدكتاتورية للإطباق على الحكم. من الصعب في ثلاثين حلقة فقط أن الإحاطة بكل جوانب الحياة المظلمة والقاسية في سوريا نتيجة الحكم الديكتاتوري، ربما نتمكن لاحقًا من طرحها في أعمال قادمة. 

 

14- أين كانت أهمية المسلسل من وجهة نظر عزة؟ 

أهمية المسلسل تأتي من أنه اخترق قصور الحكم بكل تفاصيلها إلى حد ما، وهذا لم يحدث أبدًا في الدراما العربية سابقًا. 

 

15- الفن والسياسية (أقصد بالفن مجال التمثيل هنا)، هل ترى عزة ارتباط بينهما، وإن كان كيف يمكن الربط بينهما من وجهة نظرك، هل ممكن أن يكون للفن دور في تقديم أو حمل رسائل سياسية، أو ربما دور في تغير مجريات وأحداث سياسية؟ 

طبعًا يمكن للفن أن يحمل رسائل سياسية، لا بل من المطلوب منه أن يساهم في تغيير المجتمع. لكن رغبتنا بالتغيير تحتاج أكثر من أن توجهي رسائل بالدراما، فحتى تتمكن الدراما من المساهمة في التغيير يجب أن يكون هناك -كما قلت سابقًا- قرار سياسي ومجتمع منظم ونظام ديمقراطي لديه مصلحة في التغيير، هنا يلعب الفن دورًا في تغيير وجه المجتمع. 

إن الدراما وحدها دون ما ذكرته سابقًا لا تستطيع فعل شيء وحدها، لكنها أيضًا ضرورية، ومن الضروري متابعة العمل فيها وإن لم يكن لدينا في الوقت الحاضر أمل سريع وواضح في التغيير، لكن يجب أن نحاول دائمًا. 

 

16- متابعة للسؤال السابق؛ هل تعتقد عزة أنه يمكن للفنانة/ن أن تلعب/يلعب دورًا سياسيًا بشكل منفصل عن فنها/ه، كأن تستلم/يستلم منصب سياسي مثلاً؟ 

لا أطمح لأي منصب سياسي على الإطلاق، شاركت في البدايات في العمل السياسي، بالنسبة لي كان من أسوأ الخيارات هو العمل السياسي، بالنسبة لي السياسة قذرة جدًا، يصعب جدًا أن تحققي أهدافك وتصلي مبتغاك ضمن اللعب السياسية وضمن لعب المجتمع الدولي، لذلك أنا لا أفكر أبدًا بأي منصب سياسي. 

 

17- ماذا بعد، ماهي مشاريع وخطط عزة على كل الأصعدة السياسية والفنية وفي مجال المرأة؟ 

بالنسبة للمشاريع والخطط؛ من الصعب جدًا التفكير فيها حاليًا، فأنا كما ذكرت سابقًا نحن (الفنانات/ين المعارضات/ين) علينا “فيتو”، أسماؤنا على “البلاك ليست”. وحقيقة لولا أن شركة “ميتافورا” مشكورة لم تنتج مسلسل “ابتسم أيها الجنرال” لكان غيابي في الأعمال الفنية تراكم عليه سنوات وسنوات. أتمنى أن يحدث تغييرًا ما ونصبح أحرارًا. 

هل لكِ أن تتخيلي بأن مسلسل “ابتسم أيها الجنرال” عرضته فقط الجهة المنتجة، ورفضت باقي المحطات شراؤه وعرضه. سمعت من فترة بأن أحد الأشخاص الذين عملوا في المسلسل، كان حاصلاً على “الإقامة الذهبية” في دبي، لكن بعد المسلسل أرسلوا له رسالة اعتذار وسحبوا منه الموافقة على الإقامة! 

اليوم يتم النقاش في الجامعة العربية حول إعادة التطبيع مع النظام السوري. لا تستغربي أنه وفي مؤتمر القمة العربية القادمة أن يتم منع أعمال مثل “ابتسم أيها الجنرال” من الإنتاج، وللأسف نحن كممثلات/ين معارضات/ين مصنفات/ين ضمن هذه الأعمال. 

 

*كل ما ذكر في المقابلة يعبر عن رأي من أجريت معهن/م المقابلة، ولا يعبر بالضرورة عن رأي الحركة السياسية النسوية السورية