النسوية السورية: بين اتهامات بالنخبوية ومعركة بناء السلام

*آلاء المحمد

 

تتكرر في النقاشات العامة جمل كثيرة يرددها المناهضون والمناهضات للفكر النسوي، مثل: “النسويات بعيدات عن الواقع”، “يعيشن في عالم موازٍ”، “لا توجد نسويات عشن في المخيمات أو اختبرن قسوة الحرب والنزوح والفقد والاعتقال”، أو أنهن “يتحدثن مع بعضهن فقط داخل دوائر مغلقة ونخبوية”. هذه العبارات أصبحت جزءًا من الخطاب المتداول في مواجهة النسوية، لكنها غالبًا ما تعكس صورة مشوهة عن الحراك النسوي السوري.

كثيرٌ ممن يرددون هذا النقد لا يعرفون الحراك النسوي عن قرب، ولا يحاولون التعرف على تجاربه أو تنوعه، وخلال سنوات الحرب، كانت النساء السوريات ومن بينهن ناشطات ونسويات حاضرات في مختلف مواقع العمل المجتمعي في المخيمات وفي مبادرات الإغاثة وفي التعليم وفي العمل الحقوقي، وفي محاولات بناء الحوار والسلم الأهلي. 

كما أن هذا النوع من النقد لا يسعى في كثير من الأحيان إلى فتح نقاش جدي حول التحديات التي تواجه الحراك النسوي، بل يكتفي بتكرار الاتهامات ذاتها دون محاولة فهم السياق أو البحث عن حلول.

النسوية في جوهرها ليست مشروعًا يخص النساء وحدهن، فالفكر النسوي بوصفه رؤية تسعى إلى تحقيق العدالة والمساواة، معني بكل فئات المجتمع، وبكل القضايا المرتبطة ببناء دولة عادلة. لذلك فإن الحراك النسوي لا ينحصر في المطالبة بحقوق النساء فقط، بل يتقاطع مع قضايا أوسع تتعلق بالحرية، والعدالة الاجتماعية، وبناء مؤسسات الدولة، والعلاقة بين السلطة والمجتمع.

بهذا المعنى، فإن النقاش حول النسوية في سوريا لا ينبغي أن يقتصر على سؤال ما إذا كانت النسويات قريبـات من المجتمع أم بعيدات عنه، بل يجب أن يتحول إلى حوار أوسع حول كيفية بناء مجتمع أكثر عدالة وكرامة للجميع.

 

الخطاب النسوي والمصطلحات

خلال السنوات الماضية تطور الخطاب النسوي في سوريا بشكل ملحوظ، خاصة في أوساط المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية. وربما هذا التطور لم يكن دائمًا مترافقًا مع قدرة كافية على الوصول إلى المجتمع الأوسع. ففي بعض الأحيان بدا الخطاب النسوي محصورًا في فضاءات محددة مثل الورشات والمؤتمرات والنقاشات الأكاديمية، وهذا ما يراه البعض أنه تسبب بخلق مسافة بينه وبين هموم الناس اليومية.

يرى أصحاب الرأي المتعلق بالحاجز بين النسوية والمجتمع أن جزءًا من هذه الفجوة يرتبط بطبيعة اللغة المستخدمة في النقاشات النسوية، التي قد تميل أحيانًا إلى استخدام مصطلحات معقدة أو مفاهيم نظرية يصعب على الكثيرين/ات التفاعل معها وقد يراها البعض منافية لعاداتهم وتقاليدهم أو قد تخالف الدين. إضافة إلى أنه في مجتمع عاش سنوات طويلة من الحرب والانهيار الاقتصادي، غالبًا ما تكون أولويات الناس مرتبطة بالعمل والعيش والأمان، وهو ما يجعل بعض النقاشات الحقوقية تبدو بعيدة عن واقعهم المباشر.

أرى هنا أن طبيعة المشاريع والتمويل المرتبط بعمل المنظمات لعبت دورًا في تشكيل الخطاب النسوي خلال السنوات الماضية. فالكثير من المبادرات النسوية ارتبطت ببرامج ومشاريع ممولة من جهات دولية، ما ساهم في تطوير العمل المؤسساتي، لكنه في الوقت نفسه خلق أحيانًا صورة نمطية عن النسوية باعتبارها نشاطًا نخبويًا مرتبطًا بالمنظمات أكثر من ارتباطه بالمجتمع.

هذا الواقع ساهم أيضًا في ترسيخ صورة لدى بعض الفئات بأن النسوية مشروع صدامي مع القيم الاجتماعية أو الثقافية، وهو تصور لا يعكس بالضرورة حقيقة المطالب النسوية بقدر ما يعكس فجوة في التواصل بين الخطاب النسوي والمجتمع.

 

كيف يمكن ردم هذه الفجوة؟

في مواجهة هذه التحديات، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: كيف يمكن إعادة بناء الجسور بين الخطاب النسوي والمجتمع؟

أحد المسارات الممكنة يتمثل في تبسيط الخطاب النسوي والاقتراب أكثر من لغة الناس وتجاربهم اليومية، بحيث لا تبدو قضايا النساء منفصلة عن القضايا العامة التي يعيشها المجتمع.

كما أن الإنصات للمجتمع، وليس فقط محاولة تغييره، يشكل خطوة أساسية في بناء هذا الجسر. فالتغيير الاجتماعي لا يحدث عبر فرض الأفكار من الأعلى، بل من خلال حوار مستمر مع المجتمع وفهم مخاوفه وتجاربه.

هنا نجد تجارب لمنظمات ونشاطات نسوية عملت بشكل فعال على ربط قضايا النساء بالقضايا الكبرى التي تشغل المجتمع السوري اليوم، مثل العدالة والكرامة والحقوق، وتمكنت من طرح قضايا النساء بوصفها جزءًا من معركة أوسع من أجل مجتمع أكثر عدلًا وإنسانية، لكنها لم تحظى بالصدى الكاف ولم تأخذ حقها من الإعلام السوري، وهنا نتحدث عن تهميش متعمد للحراك النسوي السياسي والمجتمعي، مثل الحركة السياسية النسوية السورية وعدم قدرتها على ترخيص عملها السياسي بحجة عدم وجود قانون متعلق بالأحزاب أو الأجسام السياسية، بالإضافة لعدم إعطاءها الموافقة على إقامة مؤتمرها بدمشق بنفس الوقت عدم الرفض وإبقاء الطلب معلقاً.

 

النسوية وبناء السلم الأهلي

مع سقوط الأسد وبدء مرحلة جديدة في سوريا سارعت المنظمات والمجموعات النسوية لبدء نشاطات حوارية تناولت قضايا العدالة الاجتماعية. كان واضحًا أن النساء لم يعدن يردن البقاء على هامش الحياة العامة. فقد أظهرت تجارب السنوات الماضية أن دور النساء لم يقتصر على إدارة شؤون الأسرة أو تحمل أعباء الحياة اليومية في ظل الحرب، بل امتد ليشمل قيادة مبادرات مجتمعية ومشاريع دعم وإغاثة وبناء جسور بين المجتمعات المنقسمة.

في كثير من اللقاءات الحوارية التي حضرتها كانت النساء من مناطق مختلفة يتحدثن عن تجاربهن خلال الحرب. هذه اللقاءات كشفت حجم الفجوة في المعرفة بين المجتمعات السورية، حيث كانت بعض النساء يكتشفن لأول مرة حجم المعاناة التي عاشتها نساء في مناطق أخرى من البلاد.

رغم هذا التباين في التجارب، كان واضحًا أن النساء يمتلكن قدرة لافتة على التواصل والتعاطف. ففي معظم الحوارات كانت النساء أكثر ميلًا للبحث عن الاستقرار والسلام، بعيدًا عن منطق المنتصر والمهزوم الذي غالبًا ما يهيمن على الخطاب السياسي.

 

السلم الأهلي مهمة معقدة

في بعض المدن التي شهدت انقسامات طائفية حادة خلال سنوات الحرب، بدا العمل على السلم الأهلي أكثر تعقيدًا. إلا أن المبادرات التي تقودها النساء أظهرت قدرة ملحوظة على خلق مساحات للحوار والتفاهم بين أطراف مختلفة.

تعتمد الكثير من هذه المبادرات على جمع النساء من خلفيات اجتماعية وسياسية مختلفة لمناقشة القضايا المشتركة التي تمس حياتهن اليومية، مثل التعليم والصحة والعمل. غالبًا ما تكون هذه القضايا مدخلًا لتخفيف التوترات الاجتماعية وفتح حوارات أوسع حول مستقبل المجتمع.

في إحدى المرات التي حضرت فيها جلسة حوارية في حمص، حيث اجتمعت نساء من خلفيات سياسية واجتماعية متباينة، احتدت النقاشات في بعض اللحظات، لكن اللافت أن الحوار استمر رغم الاختلافات، والمشاركات كنّ قادرات على الاستماع لبعضهن البعض ومواصلة النقاش حول مستقبل البلاد.

بالنسبة لي، كانت تلك اللحظة مؤثرة للغاية. كإمرأة سورية عاشت سنوات طويلة من الألم وفقدت الكثير من الأحباء، كنت أعتقد أنني لن أتمكن يومًا من الجلوس مع نساء من الطرف الآخر ومشاركة قصتي دون شعور بالغضب أو الاتهام. لكن تلك الجلسة أعادت إليّ شيئًا من الإيمان بأن السوريين والسوريات قادرون على الجلوس معًا، والتحدث عن الماضي والمستقبل دون خوف.

 

النسوية وصناعة السلام

مع تصاعد الانقسامات السياسية والطائفية خلال سنوات الحرب، أصبح من الضروري العمل على إعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوري. في هذا السياق برزت مبادرات نسوية عديدة تهدف إلى تعزيز الحوار المجتمعي والمصالحة المحلية على سبيل المثال مبادرة “صانعات السلام في حمص“.

تعتمد هذه المبادرات على إشراك النساء في عمليات بناء السلام، انطلاقًا من إدراك متزايد بأن النساء من أكثر الفئات تأثرًا بالنزاعات، لكنهن أيضًا يمتلكن قدرة كبيرة على المساهمة في ترميم المجتمعات.

تسعى هذه المبادرات النسوية إلى تمكين النساء من لعب دور فاعل في الحوار المجتمعي والوساطة المحلية، من خلال تزويدهن بالمهارات والأدوات التي تساعدهن على إدارة النزاعات وتعزيز ثقافة السلام.

 

التحديات التي تواجه الحراك النسوي

رغم الدور المتزايد للنساء في العمل المجتمعي، ما يزال الحراك النسوي في سوريا يواجه تحديات كبيرة. من أبرز هذه التحديات القيود السياسية والعوائق الاجتماعية والثقافية، إضافة إلى الصعوبات الاقتصادية التي تحد من قدرة الكثير من النساء على تحقيق استقلاليتهن.

كما تعاني العديد من المبادرات النسوية من نقص التمويل والدعم المؤسسي، ما يهدد استمراريتها ويحد من قدرتها على التوسع والتأثير.

إلى جانب ذلك، ما زالت بعض المجتمعات تنظر بعين الريبة إلى النشاط النسوي، خاصة عندما يُنظر إليه باعتباره صدامًا مع القيم الاجتماعية التقليدية.

إضافة لاختلاف الأولويات بسبب الاستقطاب السياسي بين النساء في المدينة والريف.

 

الرؤية النسوية لمستقبل سوريا

تمتلك الكثير من النساء السوريات رؤية واضحة لمستقبل البلاد، فهن لا يسعين فقط إلى المشاركة الرمزية في الحياة العامة، بل إلى أن يكنّ شريكات حقيقيات في صنع القرار ورسم السياسات التي ستحدد مستقبل سوريا.

بناء دولة أكثر عدالة يتطلب مشاركة متوازنة بين النساء والرجال في المؤسسات السياسية والاجتماعية، وإعادة الإعمار لا يمكن أن يكتمل دون إشراك النساء في صياغة السياسات الاقتصادية والاجتماعية، والتركيز على أهمية الاستثمار في التعليم والتمكين الاقتصادي للنساء، باعتبارهما أساسًا لتحقيق مشاركة سياسية واجتماعية أوسع.

مع استمرار الجهود النسوية في مختلف المجالات، يصبح من الضروري دعم الحراك النسوي، ليس فقط من أجل النساء، بل من أجل مستقبل سوريا بأكمله، فربما يكون الحراك النسوي أحد المفاتيح الأساسية لبناء مجتمع أكثر عدالة واستقرارًا.

 

*كل ما ذكر في المقال يعبر عن رأي الكاتبة، ولا يعبر بالضرورة عن رأي الحركة السياسية النسوية السورية