تأنيث الوطن وذكورة الحاكم: شرعية تُبنى على الصورة
- updated: 26 يناير 2026
- |
*رويدة كنعان
روى الرئيس أحمد الشرع في لقائه الجالية السورية في واشنطن موقفًا مؤثرًا من زيارته معرض الكتاب في إدلب قبل أشهر من تحرير دمشق، قائلاً إنه تخيّل دمشق كامرأة كبيرة توشك على السقوط، فنادى في نفسه: “قفي يا دمشق، فنحن قادمون”. هذه الصورة الدرامية لوطن أنثى على وشك الانهيار يستنجد بها القائد الذكر كي تصمد حتى يأتي لنجدتها، هي استعارة ثقافية عميقة الجذور في المخيال السياسي. إنها تذكّرنا برمزية “الأرض-الوطن كأم أو كامرأة” التي تستنهض همم المحاربين لحمايتها، وتجعل من القائد الذكر حامي الحمى والفارس المنقذ.
من استعارة قومية إلى شرعية سياسية: حين يُؤنَّث الوطن ليولد «المنقذ»
هذا النمط من الخطاب ليس جديدًا؛ فقد درجت الأدبيات القومية عبر العالم على تأنيث صورة الوطن – فنسمع عن “الأم فرنسا” و”بريطانيا العظمى ذات الرداء الأنثوي” وتماثيل الحرية المجسَّدة كامرأة… إلخ. كما شاع في أدبيات الحروب تصويرُ ما يُرتكب بحق الوطن من عدوان كأنه انتهاك لعرض الأم أو الأنثى، مما يوجب على الرجال الذود عنها لاستعادة الشرف القومي. المشكلة في هذا الخطاب المزدوج أنه يمنح دور البطولة والحماية للرجل (الجندي أو الزعيم أو الأمة الذكورية) ويضع المرأة في دور الضعيف المُستَنجد. فالوطن المؤنث يبدو مُبجّلاً، لكنه في الوقت نفسه منزوع الفعل، لا يُستعاد إلا عبر قوة الذكر.
توضح الباحثة “نيرة يوفال-ديفيز” أن ربط الوطن بالأمومة والجسد الأنثوي يجعل شرف الأمة معقودًا بشرف النساء، فالحروب تُبرّر تاريخيًا بحماية “النساء والأطفال”، وبالتالي يصبح الدفاع عن الوطن مرتبطًا بفكرة ذكورية هي حماية الأنثى ومن تعولهم. “سينثيا إنلو” أيضًا تنتقد هذه السردية، وتصف كيف أن الجيوش تدرب رجالها على أن يروا أنفسهم حُماة للنساء، مما يعزز ثقافة الاستقواء الذكوري. هذا ينتج بيئة تُصبح فيها النساء ضحايا للعنف، أي أن جعل الرجل حارسًا أبديًا للمرأة (والوطن المؤنث) يضع المرأة في موقع دوني مستضعَف، ويفتح مجالاً لتبرير السيطرة عليها بدعوى حمايتها.
في هذا السياق، حين شبّه الشرع دمشق بالمرأة الكبيرة التي شارفت على السقوط، كان يؤطّر نفسه ضمنياً بوصفه الرجل القادر على إسنادها ومنع انهيارها. هذه الثنائية الرمزية تخدم غرضًا سياسيًا واضحًا: بناء شرعية تقوم على صورة «البطل المُخلِّص» الذي أنقذ الوطن-المرأة في لحظة ضعف. القصة، من حيث تأثيرها العاطفي، فعّالة ولا شك أنها تركت أثرًا في المتلقين/ات، لكنها في جوهرها تعيد إنتاج علاقة أبوية بين الحاكم والوطن، حيث يتجسد الأول في موقع الفاعل القوي، فيما يُختزل الثاني في صورة المؤنث المحتاج للرعاية.
الأبوّة السياسية: حين يبدو القائد قدَراً وتُمحى إمكانات القيادة النسائية
القراءة النقدية لهذا الخطاب تُظهر كيف أنه أيضًا يعيد إنتاج علاقة أبوية بين الحاكم والوطن. فالحاكم هنا في مقام الأب أو الابن البار (وكلاهما دور ذكوري)، والوطن هو الأم الرؤوم التي تحتاج لعناية الرجل. وفي علوم الأنثروبولوجيا السياسية، نعلم أن المُستمع يتقبل ضمنيًا هذا التوزيع لأن الثقافة رسّخته طويلاً، النتيجة أن دور الرجل القائد يبدو طبيعيًا، بل وقدريًا، فيما يغيب تصور أن تكون المرأة أيضًا قائدة أو حامية للوطن بنفس المستوى. هل يمكن أن نتخيّل في خطاب رسمي تشبيه القائد نفسه – أو النظام السياسي – بالمرأة؟ نادرًا ما يحدث ذلك، لأن رمزية المرأة اقترنت في المخيال الجمعي بالضعف أو الاحتياج للحماية، وليس بالقيادة والقوة.
هذه الاستراتيجية الرمزية في بناء الشرعية ليست حكرًا على سوريا؛ إنها جزء من تراث عالمي. في السياق السوري، تأخذ هذه الاستراتيجية الرمزية أبعادًا إضافية في مرحلة بناء الدولة في المرحلة الانتقالية. إذ يُعاد تعريف الرجولة السياسية بوصفها القدرة على حماية دمشق واسترداد «كرامتها»، فيما تُقصى النساء السوريات الحقيقيات من سردية الحماية والإنقاذ. على الرغم من أن كثيرات منهن شاركن في الإغاثة والتعليم والمقاومة المدنية، بل وحملن السلاح في بعض المواقع، فإن الخطاب يفضّل الصورة المجردة لدمشق المؤنثة على واقع نساء فاعلات شاركن في الثورة والحرب وإعادة البناء.
يمكن القول إن تأنيث الوطن وذكورة الحاكم قد يخدمان على المدى القصير في شحذ المشاعر الوطنية، لكنهما على المدى الطويل يرسّخان بنًى أبوية، ترى في الرجل قائدًا طبيعيًا، وفي المرأة تابعة تتطلب الحماية. وإذا ما أردنا حقًا تغيير هذه البنى، فعلينا أيضًا أن نعيد النظر في هذه السرديات. ما المانع أن يُقال مثلاً: “سوريا نهضت بسواعد نسائها ورجالها معًا” بدل التركيز على إنقاذ الرجال لوطن مؤنث مستضعف؟ إن تغيير السرديات الرمزية جزء من التغيير الثقافي الأشمل الذي تحتاجه أي ثورة اجتماعية. وكما تشير “يوفال-ديفيز”: فإن تصنيف الوطن جندريًا ليس قدرًا محتومًا؛ إنه بناء اجتماعي قابل لإعادة التفاوض. وإعادة التفاوض هذه تتطلب وعيًا من القادة والمثقفين/ات لعدم الانزلاق غير النقدي في استعارات الماضي التي تحمل في طياتها استدامة عدم المساواة الجندرية.
في النهاية، يضعنا هذا الخطاب أمام سؤال أبعد من البلاغة نفسها: أي صورة للسلطة نريد أن نكرّسها؟ يمكن تفهّم الوظيفة التعبوية للغة العاطفية في خطاب الرئيس الشرع في سياق معركة وجودية، لكن ذلك لا يعفي من مساءلة ما تخفيه هذه البلاغة. وما لم يُفكَّك هذا النمط الخطابي نقديًا، سنواصل إعادة إنتاج صورة الرجل الحامي والمرأة المحمية، بوصفها أمرًا طبيعيًا أو نبيلاً، رغم أنها تحجب فعليًا مشاركة النساء بوصفهن فاعلات سياسيات ووطنيات كاملات. مساءلة هذه السرديات ليست ترفًا لغويًا، بل جزء من معركة أوسع لإعادة تعريف البطولة والقيادة والمواطنة على أسس لا تُقصي النساء تحت غطاء المجاز.