جريمة لا شرف فيها: قتل النساء بين الأعراف العشائرية والقانون السوري
- updated: 13 مارس 2026
- |
*رويدة كنعان
في بداية مراهقتي سمعت لأول مرة عن جريمة قتل ارتُكبت بدعوى «الشرف». كان القاتل فتى لا يتجاوز الثامنة عشرة من عمره قتل أخته التي كنت أعرفها، كانت تملأ المكان مرح وحيوية وحب. يومها قيل إن السبب هو علاقتها بشاب كانت تحبه. حُكم على الفتى بالسجن مدة لا تتجاوز ستة أشهر باعتباره قاصراً.
مع مرور السنوات شهدت قصص مشابهة، فتيات ونساء يُقتلْن دون أن يُحاسَب الجناة بوصفهم مرتكبي جرائم قتل، أو تُسجَّل وفاتهن على أنها «انتحار» أو «حادث». ورغم تغير بعض القوانين التي كانت تمنح أعذاراً مخففة لما يسمى جرائم الشرف، ما تزال هذه الجرائم تقع في مناطق مختلفة.
الجريمة التي وقعت أخيراً في ريف حلب تندرج في هذا السياق. قُتلت فتاة على يد أفراد من عائلتها بذريعة «الشرف»، رغم أن والدها تعهد أمام مجلس عشائري بحمايتها والموافقة على زواجها. تندرج هذه الحادثة ضمن سلسلة جرائم تتكرر في مناطق مختلفة من سوريا، حيث تُقتل النساء أحياناً مع بث مباشر على وسائل التواصل الاجتماعي، تحت مبررات اجتماعية مرتبطة بفكرة «الشرف».
تكشف هذه الحوادث التوتر القائم بين العرف والقانون في مجتمع يمر بمرحلة تحولات سياسية عميقة. كما تعيد طرح سؤال أساسي حول شكل الدولة التي يُراد بناؤها، والإطار القانوني والاجتماعي الذي يتشكل لتنظيم العلاقات داخل المجتمع بعد سنوات من الصراع. كما تثير مسألة حدود قدرة القانون على حماية الأفراد عندما تستمر الأعراف الاجتماعية في التأثير على تفسير العدالة وممارستها.
بدأت القضية عندما تقدم شاب لخطبة الفتاة أكثر من مرة، لكن والدها رفض الطلب. لاحقاً هربت الفتاة مع الشاب بنية الزواج والضغط على عائلتها للموافقة. بعد ذلك قام أهلها بخطف ثلاثة شبان من عشيرة الشاب، ما استدعى تدخل الوجهاء وعقد مجلس عشائري لحل المشكلة. خلال المجلس تعهد والد الفتاة بإطلاق سراح الشبان ومسامحة ابنته وضمان حمايتها والموافقة على تزويجها، وأكد التزامه بما يعرف في العرف العشائري بـ «المسك على الشارب».
بعد فترة قصيرة، دخل شقيق الفتاة مع مجموعة من الشبان – بعضهم متنكر بلباس أمني – وقاموا بقتلها بذريعة أنها جلبت «العار» للعائلة. تكشف هذه الحادثة، كما في حالات أخرى مشابهة، هشاشة الحلول القائمة على الأعراف عندما لا تكون هناك سلطة قانونية قادرة على حماية الأفراد وفرض المساءلة.
من الناحية القانونية، لا يمكن توصيف هذه الحادثة إلا باعتبارها جريمة قتل عمد مع سبق الإصرار. ينص قانون العقوبات السوري رقم 148 لعام 1949 في المادة 533 على أن القتل العمد يعاقب عليه بالأشغال الشاقة من خمس عشرة إلى عشرين سنة. أما المادة 535 فتنص على أن القتل إذا ارتكب مع سبق الإصرار أو الترصد يمكن أن تصل عقوبته إلى الإعدام.
في هذه القضية، تظهر عدة عناصر تشير بوضوح إلى وجود سبق إصرار. فالجريمة لم تكن نتيجة انفعال مفاجئ، بل تم تنفيذها من قبل مجموعة من الأشخاص، بعضهم متنكر بلباس أمني، وهو ما يدل على وجود تخطيط مسبق ومحاولة للتمويه. كما أن القتل وقع بعد فترة من انتهاء الخلاف العشائري، ما يعني أن الجريمة لم تكن نتيجة لحظة غضب مباشرة بل نتيجة قرار اتخذ مسبقاً. هذه العناصر تجعل توصيف الجريمة أقرب إلى القتل مع سبق الإصرار، وهو من أشد الجرائم خطورة في القانون الجنائي.
في الماضي كان القانون السوري يمنح عذراً مخففاً لما يسمى «جرائم الشرف». كانت المادة 548 من قانون العقوبات تسمح بتخفيف العقوبة في بعض الحالات التي يقتل فيها الرجل امرأة من أقاربه بدعوى الدفاع عن الشرف. هذه المادة ألغيت نهائياً عام 2020 بموجب المرسوم التشريعي رقم 2، ما يعني أن القانون السوري لم يعد يعترف بأي عذر قانوني خاص لهذه الجرائم.
بالتالي، فإن قتل امرأة بذريعة الشرف يجب أن يُعامل قانونياً كأي جريمة قتل أخرى، دون أي تخفيف خاص مرتبط بالدوافع الاجتماعية. ومع ذلك، تشير خبرات قانونية وحقوقية إلى أن بعض المحاكم قد تلجأ أحياناً إلى استخدام مواد قانونية أخرى لتخفيف العقوبة. من بين هذه المواد المادة 192 التي تتحدث عن إمكانية تخفيف العقوبة إذا اعتبرت المحكمة أن الجريمة ارتُكبت بدافع «شريف»، حيث يملك القاضي/ة في هذه الحالة صلاحية استبدال العقوبات الأشد بعقوبات أخف ، فالقانون لا يقدم تعريفاً دقيقاً أو محدداً لهذا المفهوم، بل يترك تقديره للمحكمة. هذا الغموض يجعل تفسيره عرضة لاجتهاد القاضي/ة وظروف كل قضية. كما قد تُستخدم المادة 243 التي تتعلق بما يسمى الأسباب المخففة التقديرية، وهي مادة تمنح المحكمة سلطة تقديرية لتخفيض العقوبة إذا رأت وجود ظروف خاصة في القضية، مثل تخفيض عقوبة الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة إلى الأشغال الشاقة المؤقتة من عشر إلى عشرين سنة أو تخفيض العقوبات الجنائية الأخرى إلى النصف. إن استخدام هذه المواد لا يعني وجود نص قانوني يبرر قتل النساء بدعوى الشرف، لكنه يكشف عن إشكالية أعمق تتعلق بطريقة تفسير القانون وتطبيقه داخل المنظومة القضائية، حيث قد تتداخل أحياناً التصورات الاجتماعية والثقافية مع التقييم القضائي للوقائع.
إن هذه الظاهرة تطرح سؤالاً أساسياً حول العلاقة بين القانون والثقافة داخل المؤسسات القضائية. فالقانون لا يعمل في فراغ، بل يُفسَّر ويُطبَّق من قبل قضاة/قاضيات يعيشون داخل المجتمع نفسه، ويحملون أحياناً التصورات الثقافية ذاتها التي يحملها المجتمع. لذلك فإن بناء دولة قانون لا يقتصر على تعديل النصوص القانونية، بل يتطلب أيضاً إصلاح المؤسسات القضائية وتعزيز استقلاليتها وتدريب القضاة/القاضيات على تطبيق القانون بمعزل عن الضغوط الاجتماعية والثقافية.
على المستوى الاجتماعي، تكشف هذه القضية عن خطر الاعتماد على الأعراف في حل القضايا التي تمس حياة الأفراد، وخاصة النساء. فالأعراف قد توفر إطاراً للتفاوض الاجتماعي، لكنها لا تستطيع أن تحل محل القانون عندما يتعلق الأمر بحماية الحق في الحياة. غياب سيادة القانون يفتح المجال أمام أنظمة موازية من العدالة، تقوم على ميزان القوة داخل العائلة أو العشيرة، وغالباً ما تكون النساء الطرف الأضعف في هذه المعادلة.
إلى جانب مسألة الأعراف، تكشف هذه الحادثة أيضاً عن خطورة الانتشار الواسع للسلاح خارج إطار الدولة. فتوفر السلاح بيد الأفراد يجعل النزاعات العائلية والاجتماعية أكثر قابلية للتحول إلى عنف قاتل، وغالباً ما تكون النساء أولى ضحاياه. لذلك فإن أحد الشروط الأساسية لبناء دولة قانون في سوريا هو حصر السلاح بيد الدولة وسحب السلاح غير الشرعي من المجتمع، لأن احتكار الدولة لاستخدام القوة هو الضمان الأساسي لحماية الأفراد ومعالجة النزاعات عبر القانون، لا عبر العنف.
من منظور دراسات الجندر، ترتبط هذه الجرائم بنظام اجتماعي يجعل جسد المرأة حاملاً لرمزية الشرف الجماعي. تشير الباحثة نيرا يوفال-ديفيس في دراساتها حول العلاقة بين الأمة والجندر؛ إلى أن النساء غالباً ما يُنظر إليهن بوصفهن حارسات الحدود الرمزية للجماعة، سواءً كانت هذه الجماعة عائلة أو عشيرة أو أمة. في هذا السياق يصبح سلوك النساء مرتبطاً بسمعة الجماعة وهويتها، ولذلك يتم فرض رقابة اجتماعية مشددة على أجسادهن وحياتهن الخاصة.
ضمن هذا الإطار لا يكون قتل المرأة مجرد فعل فردي، بل نتيجة منظومة ثقافية ترى أن سمعة الجماعة يمكن أن تتضرر من تصرف امرأة واحدة، وأن استعادة هذه السمعة قد تتم عبر معاقبتها. هذه الفكرة تعكس تصوراً للهوية الجماعية يقوم على السيطرة على النساء، لا على القيم الأخلاقية أو القانونية المشتركة.
لكن هذا التصور يتناقض مع فكرة الدولة الحديثة. الدولة القائمة على المواطنة لا تقيس شرف المجتمع من خلال أجساد النساء، بل من خلال احترام القانون وحقوق الإنسان. عندما يصبح الشرف مرتبطاً بالعدالة وسيادة القانون والالتزام بالقيم الإنسانية، يتغير موقع النساء داخل المجتمع من كونهن رمزاً للشرف إلى كونهن مواطنات كاملات الحقوق.
في السياق السوري، يكتسب هذا النقاش أهمية خاصة. إعادة بناء الدولة بعد سنوات من الصراع تعني فقط إعادة بناء المؤسسات وإعادة تعريف العلاقة بين المجتمع والقانون. إن إحدى أهم مهام الدولة الجديدة يجب أن تكون تعزيز سيادة القانون بوصفه المرجعية الوحيدة لحل النزاعات، ومنع أي ممارسات اجتماعية أو عرفية تؤدي إلى انتهاك الحق في الحياة.
الجرائم التي تُرتكب بذريعة الشرف تعتبر مؤشرات على خلل عميق في البنية الاجتماعية والقانونية. معالجة هذه الظاهرة تتطلب أكثر من إدانة أخلاقية؛ تحتاج إلى سياسات قانونية واضحة، وإلى مؤسسات قضائية قادرة على تطبيق القانون دون تمييز، وإلى نقاش اجتماعي واسع حول معنى الشرف والكرامة داخل المجتمع.
في النهاية، لا يمكن بناء دولة قانون حقيقية إذا بقيت حياة بعض الأفراد، وخاصة النساء، خاضعة لأعراف اجتماعية تسمح بتبرير العنف. إن حماية النساء من العنف بالإضافة لكونها قضية «نسوية»، هي اختبار حقيقي لمدى قدرة أي مجتمع على الانتقال من حكم الأعراف إلى حكم القانون. وفي سوريا التي تسعى إلى إعادة بناء نفسها بعد سنوات طويلة من الصراع، قد يكون هذا الانتقال أحد أهم شروط بناء دولة عادلة تحترم حياة جميع مواطناتها ومواطنيها.