حرائق سوريا والتشظي المجتمعي

لينا وفائي 

اندلعت للمرة الثانية حرائق الغابات في سوريا، وطالت هذه المرة بساتين الزيتون أيضاً، وليس فقط الغابات والأحراش،
كما وقد وصلت لبيوت المواطنات/ين وأوقعت ضحايا وخسائر مادية كبيرة.

المتتبع لأخبار البيئة يستطيع أن يرى بوضوح التغير المناخي الحاصل عالمياً، ويرى ارتفاع درجات الحرارة صيفاً في
عدة مناطق مع نوبات جفاف غير مسبوقة، فقد كانت في أوروبا الأقسى في عام ٢٠١٨، وأدت أيضاً لحرائق طالت العديد من الغابات.

في الأعوام الأخيرة اندلعت حرائق الغابات في أكثر من منطقة في العالم، فطالت أوروبا كما ذكرنا آنفاً، كما طالت استراليا في حرائق ضخمة جداً، ولم تنجو أيضاً غابات الأمازون الشهيرة -رئة العالم- من ذات المصير.

وتزامناً مع الحرائق في سوريا تندلع حرائق أيضاً على طول الساحل الشرقي للبحر المتوسط، بدءاً من هاتاي (لواء اسكندورن) في تركيا مروراً بسوريا ولبنان حتى الغابات والبساتين في فلسطين المحتلة.

ما يهمني في هذا المقال هو الحديث عن آلية تناول السوريات والسوريون لخبر الحرائق في بلادهن/م، سواءً كانوا خارج البلاد أم داخلها، والدلالات السياسية لهذه الآلية.

نلاحظ أولاً تبادل التهم بين الطرفين المتحاربين، ففي حين تتهم المعارضات/ون النظام بإشعال هذه الحرائق بشكل مقصود؛ إذ امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بهذا الاتهام، مذكرين بمقولة النظام الشهيرة “الأسد أو نحرق البلد”، معلقين أن البلد احترقت حتى الثمالة، فالذي نجى من التدمير بكل وسائل التدمير الحربية التي استخدمها النظام، احترق إما بحرق المحاصيل سابقاً، أو بحرق الغابات والبساتين حالياً. إذاً البلد بأكملها احترقت ولكن الأسد بقي، وأصبح الشعار “الأسد وسنحرق البلد”.

وتتابع المعارضات/ون اتهاماتهن/م للنظام، بأنه استخدم طائراته في إلقاء براميل التدمير، ولكن لا طائرات لديه لإطفاء الحرائق، وأنه باع البلد لحلفائه (روسيا وإيران) الذين ساعدوه بحربه، ولكنهم لا يساعدون أبداً في إطفاء الحرائق المشتعلة.

في المقلب الآخر اتهم النظام المعارضة بافتعال هذه الحرائق بشكل مقصود، وذلك للانتقام من مواليه الذين يقطنون في هذه المناطق.

 ليس بعيداً مرت سوريا بحالة مشابهة من تبادل الاتهامات، وذلك حين اندلعت في العام الماضي والذي يسبقه حرائق الحقول وقضت على المحاصيل، المعارضة العربية اتهمت قسد والنظام، وقسد اتهمت المعارضة والنظام أحياناً، والنظام اتهم المندسين من المعارضة أو الدواعش. 


كما ذكرت في مقدمة المقال، تندلع الحرائق في الفترة الأخيرة عالمياً، وذلك بسبب التغير المناخي الذي يهدد الأرض، ويرفع درجة حرارتها، فيؤدي ارتفاع درجات الحرارة مع الجفاف ومع الرياح إلى اندلاع الحرائق وامتدادها لمساحات كبيرة، دون القدرة على السيطرة عليها بسرعة. وقد يكون هناك أيضاً مسبباً أشعل النار، لسبب أو لآخر، إما كخطأ بشري أو لحرق حرش والاستفادة فيما بعد بتحويله لحقل مزروع، ودوماً دون الانتباه للخطورة بسبب الحالة الجوية من حرارة وجفاف ورياح. وليست الحالة السورية استثناءً في ذلك، فقد تكون حريقاً طبيعياً، أو بسبب خطأ بشري، وخصوصاً إذا لاحظنا تزامنها مع حرائق على طول الساحل الشرقي للمتوسط. هذا لا يعني قطعاً عدم احتمالية الحالة الجرمية للاستفادة او لإيذاء الآخر، ولكن دوماً يجب ألا تُطلق الاتهامات جزافاً، ويجب إجراء تحقيق لبيان الحقائق قبل الاتهام، وإن تكن في الحالة السورية التحقيقات الشفافة مستحيلة.


ما يميز الحرائق في سوريا عن حرائق المنطقة، هو عدم القدرة على مواجهتها، مما أدى لانتشارها في مساحات واسعة، ووصولها إلى المدن والبلدات والضيع، وبيوت المواطنات/ين، وإن ذلك ليس إلا أحد تجليات عجز النظام السوري عن إدارة البلد، فما بين الفساد المستشري في صفوفه، والذي ينخره من الداخل، وما بين التركيز على الحرب التي يخوضها للحفاظ على سلطته، تلك السلطة التي تعنيه وحدها والتي يضحي بالبلد من أجلها، ما بينهما تضيع كل الإمكانيات التي يمتلكها أويمكن أن يحصل عليها من حلفائه ومن الأمم المتحدة. فمع أن الحرائق تلتهم سوريا منذ أكثر من عامين، متنقلة بين منطقة وأخرى، نجده لم يتجهز حتى الآن بأي أجهزة تساعده على إطفائها، بينما يصرف كل ما يملك على آلته الحربية، أو تقوم الحاشية مع رأس النظام بسرقة هذه الإمكانيات، هو ليس على استعداد أبداً لتقديم أي مساعدة للشعب السوري لتجاوز صعوبات الحياة، بل يضيق الحياة عليه أكثر، وليس على استعداد لشراء آليات تساعد في إطفاء الحرائق.


من جهة ثانية وكما في كل مصيبة تقع على السوريات والسوريين، ينقسمون إلى ثلاث فئات، فئة شامتة بمن وقعت عليهم المصيبة، وذلك لأنهم (أي من وقعت عليهم المصيبة) ينتمون للمقلب الآخر، إما طائفياً أو قومياً أو ربما سياسياً، وترى فيما حصل عقاباً إلهياً لهم على آثامهم وعلى ما اقترفوه من جرائم. وفئة ثانية متوعدة، وهي دوماً ممن وقعت عليهم المصيبة والتي تعتبر أن المنتمي للمقلب الآخر، طائفياً أو قومياً أو سياسياً، هو المسؤول وهو الفاعل، وتتوعد بانتقام جماعي حالما تنتهي من معالجة مصيبتها الراهنة والخلاص منها، عقاباً سينال كل من ينتمي للمقلب الآخر، سواء كان مسؤولاً بشكل مباشر عما حدث أو لا، المهم أنه في المقلب الآخر المختلف.

ولحسن الحظ هناك فئة ثالثة عقلانية، تتعاطف مع المتضررات/ين، وتدين المسبب في حال وجوده، أو توضح أن المصيبة قد لا تكون بفعل فاعل، وذلك بغض النظر عن انتماء كل من المتضرر أو المسبب، غالباً هذه الفئة هي الأكثر عدداً، ولكن للأسف لأن صوت الحقد أعلى من صوت العقل، لا يُسمع صوتها، بينما يدوي صوت الحقد والوعيد.

إن التشظي المجتمعي السوري الذي آلت إليه الحال، ينذر بخطر قادم إذا لم نستطع رأبه، ولكن ذلك لا يمكن أن يكون إلا بتحقيق العدالة للمتضررات/ين، ومحاسبة المجرمات/ين، ولن يكون إلا بحل سياسي شامل، يضع سوريا على أول طريق بناء هوية وطنية حقيقية، ضمن دولة المواطنة الكاملة.  

 *كل ما ذكر في المقال يعبر عن رأي الكاتبة، ولا يعبر بالضرورة عن رأي الحركة