حين يتكلم الرئيس عن النساء: لماذا لا تكون النكتة بريئة؟

 

*رويدة كنعان

 

خلال التحضير لندوة حول شأن سياسي–اقتصادي، طُرحت فكرة دعوة خبيرة للمشاركة. قال أحد المنظّمين، ضاحكاً: «اختاروها حلوة علشان تفتح النفس للنقاش». ساد الضحك. سألت إن كان سيُقال الأمر نفسه لو كان الضيف رجلاً، وهل نقيّمه على أساس مظهره. جاء الرد سريعاً: “لا تكبّريها، عم نمزح”.
في مناسبة أخرى، وخلال نقاش مع نسويات ينتقدن سلطة أمر واقع تضمّ نساء، وصفت إحداهن امرأة في هذا التشكيل بـ “عاهرة”، (بالعامية) وقالت ضاحكة: “أنا نسوية لكن كل شي لحاله”. سألتها بهدوء إن كانت تستخدم الوصف نفسه للرجال في التشكيل السياسي–العسكري ذاته. أجابت فوراً: “أقصد العهر السياسي، وبكل الأحوال كنا عم نمزح”.

النكات ليست بريئة. حتى في الأوساط التي تدّعي التقدّمية، تمرّ كلمات تمييزية ويُطلب منا ألّا “نقتل المتعة” حين نعترض. الاعتراض لا يعني رفض المزاح، بل الإقرار بأن اللغة تعيد يومياً إنتاج علاقات القوة. هذا الوعي لا يعفينا من الخطأ؛ فنحن أبناء وبنات مجتمعات لغتها مشبعة بالتمييز. حين أكتشف أن تعبيراً صدر عني يحمل حمولة ذكورية أو عنصرية، أتعامل معه بوصفه جزءاً من عملية تعلّم مستمرة، لا كفشل. فالنسوية ليست ادّعاء نقاء، بل ممارسة دائمة للمساءلة.

تزداد خطورة هذا النوع من المزاح حين يصدر عن موقع سلطة. ما يُعدّ تعليقاً عابراً في حديث خاص، يتحول إلى خطاب سياسي رمزي حين يصدر عن رئيس دولة. هنا لا تعود النكتة تفصيلاً لغوياً، بل مؤشراً على كيفية تصور السلطة لموقع النساء وحدود مشاركتهن في المجال العام. من هذا المنطلق، يمكن قراءة عدد من تصريحات رئيس سوريا في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، حول النساء. تصريحات تتضمن اعترافاً بذكورية المجتمع، لكنها تُغلَّف بمزاح يخفف كلفة هذا الاعتراف ويحوّله إلى كلام قابل للتجاوز.

 

«المجتمع ذكوري»: اعتراف يُفرَّغ بالمزاح

في الذكرى السنوية الأولى لمعركة ردع العدوان، علق الرئيس على ضعف التمثيل النسائي في مجلس الشعب بالقول إن “المجتمع ذكوري”، أضاف مازحاً أن الناس «بدهن يورطوني اختار نسوان وبعدين يقولوا رئيس نسونجي». في الظاهر، نحن أمام اعتراف ببنية اجتماعية غير متكافئة. فالذكورية هنا لا تُقدَّم كسلوك فردي، بل كنظام يمنح الرجال امتيازات سياسية واجتماعية على حساب النساء. لكن هذا الاعتراف يُفرَّغ من مضمونه حين يُقرن بصورة «النسونجي»، أي الرجل الذي تحكمه نزواته أو علاقاته الشخصية.

النساء في مجلس الشعب لسن «صاحبات الرئيس» ، بل فاعلات سياسيات يفترض أن يصلن إلى مواقع القرار عبر آليات واضحة وعادلة. حين يُخلط بين التمثيل السياسي وصورة «النسونجي»، يُعاد إنتاج الذكورية حتى في لحظة الاعتراف بها.

المشكلة ليست في استخدام المزاح بحد ذاته، بل في الوظيفة التي يؤديها. فبدل أن يكون الاعتراف مدخلاً لتحمل المسؤولية السياسية، يتحول إلى وسيلة للالتفاف عليها. نقص تمثيل النساء لا يُطرح بوصفه خللاً بنيوياً يتطلب إصلاحاً قانونياً ومؤسساتياً، بل كعبء اجتماعي يُلقى على المجتمع، مع تلميح ساخر إلى أن أي محاولة لتصحيحه قد تُفسَّر أخلاقياً أو شخصياً.

اللغة تصنع الواقع بقدر ما تعكسه، وهي قاعدة مركزية في الفكر النسوي النقدي. تشير جوديث بتلر (منظّرة نسوية بارزة طوّرت مفهوم “أدائية النوع الاجتماعي”، مؤكدةً أن الجندر يُنتَج عبر اللغة والممارسة لا بوصفه معطى طبيعياً) إلى أن النوع الاجتماعي يُنتَج باستمرار عبر الخطاب والممارسة؛ فالكلمات ليست محايدة، بل فاعلة. من هذا المنطلق، حين يتعامل صاحب السلطة مع التمييز الجندري بوصفه مادة مزاح، فإنه يعيد تأكيد الوضع القائم. فمزحة الرئيس تُعد فعلاً لغوياً سياسياً يحوّل نقص تمثيل النساء من مشكلة تستدعي الحل إلى طرفة يمكن الالتفاف عليها، ويُسهم في تطبيع استمرار هيمنة الرجال على مواقع القرار عبر الإيحاء بأن كسرها أمر طريف وغير واقعي تماماً.

الرئيس ألمح أيضاً إلى أنه لا يملك عصاً سحرية أو لا يريد مواجهة الجميع دفعة واحدة. هذا يشرعن التدرّج وربما المماطلة. لكن التجربة، كما تقول ناشطات سوريات، تُظهر أن تأجيل مواجهة البُنى الذكورية باسم “الأولويات” يعني عملياً تكريسها. فالبطريركية، بحسب سيلفيا والبي (عالمة اجتماع بريطانية ترى البطريركية بنية مؤسساتية تشمل القانون والعمل والسياسة والأسرة)، ليست ثقافة فقط، بل بنية مؤسساتية في القانون، والعمل، والتعليم، والسياسة. ولا تُفكَّك بالاعتراف بها، بل بسياسات واضحة: إصلاح قانون الانتخاب، اعتماد الكوتا، تعزيز تمثيل النساء في القرار، وفرض مساءلة على الخطاب التمييزي حتى حين يأتي في قالب مزاح.

 

«خافوا على الرجل السوري»: إعادة تعريف الضحية بلغة المزاح

يتكرر هذا المنطق في تصريح آخر للرئيس على هامش مؤتمر في الدوحة، قال إن “المرأة في سوريا ممكّنة وحقوقها محفوظة”، مستشهداً بنسبة الطالبات في جامعة إدلب، ثم أضاف: «لا تخافوا على المرأة السورية، خافوا قليلاً على الرجل السوري». تبدو العبارة خفيفة الظل، لكنها تفترض ضمنياً أن تمكين النساء تحقق أو بات في مراحله الأخيرة، إلى درجة أن القلق ينبغي أن ينصرف اليوم إلى الرجال.

حين يُقال إن «المرأة ممكنة وحقوقها محفوظة»، يصبح من الضروري اختبار هذا الادعاء خارج مستوى الخطاب: هل أنصفت النساء في قانون الأحوال الشخصية، لا سيما في الولاية على الأطفال والإرث واتخاذ القرار داخل الأسرة وغيرها؟ هل يوجد قانون فعلي لحماية النساء من كافة أشكال العنف؟ هل تُجرَّم ممارسات كزواج القاصرات والزواج القسري بشكل صريح وقاطع؟ ثم، هل تُضمن مشاركة النساء سياسياً عبر نصوص قانونية ملزمة، مثل كوتا انتخابية غير قابلة للتراجع؟ هل تقدم وسائل الإعلام الرسمية والخاصة صوراً متنوعة وغير نمطية للمرأة؟ هل تدرّس المناهج التعليمية مفاهيم العدالة والمساواة بين الجنسين؟ وأخيراً، هل توجد هيئة وطنية مستقلة لحقوق النساء، بميزانية وصلاحيات وقدرة حقيقية على المساءلة، أم يقتصر الأمر على أطر شكلية كـ “مكتب المرأة” للتصدير للخارج؟

هنا لا تعود النكتة تفصيلاً عابراً، بل مدخلاً لفهم تصور اختزالي للتمكين. خلال العقود الماضية، ساد خطاب يقول إن تعليم النساء ودخولهن سوق العمل كفيلان بتحقيق المساواة تلقائياً. هذا الخطاب مريح للسلطات، لأنه يسمح بالاحتفاء بالمؤشرات الرقمية من دون مساءلة البنى القانونية والسياسية التي تتحكم فعلياً بتوزيع السلطة.

في الحالة السورية، صحيح أن نسب تعليم الإناث كانت مرتفعة قبل 2011، واستمر حضورهن في التعليم والعمل خلال سنوات الحرب في مناطق مختلفة، لكن هذا لم يتحول تلقائياً إلى تمكين. الشهادة الجامعية لم تضمن وصولاً متكافئاً إلى سوق العمل، ولا إلى مواقع القرار، ولا إلى استقلال اقتصادي مستقر. السبب ليس نقص كفاءة النساء، بل غياب منظومة قانونية تحمي حقهن في العمل، وتمنع التمييز، وتوفّر بيئة آمنة ومستقرة.
الأمر نفسه ينطبق على سوق العمل خلال سنوات الحرب. دخلت أعداد كبيرة من النساء إلى العمل نتيجة فقدان المعيل وتدهور الأوضاع الاقتصادية. لكن هذا الدخول جرى غالباً في ظروف هشّة: بلا عقود رسمية، بلا تأمين اجتماعي، وبأجور أدنى، وتحت تهديد دائم بالتحرش أو الوصاية الذكورية. العمل هنا كان ضرورة للبقاء، لا مساراً للتمكين.

حتى في العمل المدني، الذي يُقدَّم كثيراً بوصفه دليلاً على «تمكين النساء السوريات»، تبدو الصورة أقل استقراراً مما يوحي به الخطاب. شاركت نساء كثيرات في مبادرات محلية، وتولّين أدواراً قيادية حقيقية، لكن هذه المشاركة لم تكن محمية قانونياً، بل ارتبطت بتمويل خارجي وبميزان القوى المسيطر على الأرض. ومع تغير السياقات السياسية، أُقصيت نساء كثيرات وأُغلقت مساحات عمل كاملة، ما يكشف هشاشة تمكين غير مستند إلى مؤسسات.
في السياسة، ما زال حضور النساء محدوداً، وغالباً ما يُحصر في أدوار استشارية. الاستشارة، في جوهرها، تعني «قول الرأي» لا اتخاذ القرار، ما يجعل هذا الحضور قابلاً للإلغاء مع تغير التوازنات. التمكين السياسي الحقيقي لا يتحقق بالتمثيل الرمزي، بل بقوانين انتخاب عادلة، وآليات ملزمة، وضمان استمرارية المشاركة وقدرتها على التأثير.

ما يعنيه ذلك أن تحسين التعليم والظروف الاقتصادية شرط لازم، لكنه غير كافٍ للتمكين. تشير الباحثة البريطانية إلين أونترهالتر (Elaine Unterhalter) إلى أن اختزال تمكين النساء في التعليم أو الاندماج الشكلي في سوق العمل صار خطاباً مريحاً للسلطات أكثر منه مساراً تحررياً. فتعليم الفتيات أو تشغيل النساء يُقدَّم كحل سحري للفقر وعدم المساواة، من دون مساءلة البُنى القانونية والسياسية والاقتصادية التي تمنع تحويل هذا التعليم أو العمل إلى سلطة فعلية وحقوق مستقرة.

من هذا المنظور، تكتسب عبارة «خافوا على الرجل السوري» وظيفة لغوية مقلقة. فهي تقلب موقع الضحية من دون تفكيك أسباب اللامساواة. البنية البطريركية تُحمّل الرجل دور “الحامي”، ما يعرّضه في السياقات الديكتاتورية لمخاطر كالتجنيد والاعتقال والتشرد. بهذا المعنى قد يتعرّض لعنف مرتبط بموقعه الجندري. لكن هذا يختلف عن العنف البنيوي الذي يستهدف النساء بوصفهن أدنى مرتبة قانونياً واجتماعياً. فالرجل يُعاقَب لأنه يؤدي دوراً مفروضاً داخل نظام يخدمه في المحصلة، بينما تُستهدف المرأة لأن النظام قائم على ضبطها.
لهذا لا يُحرم الرجل من منح جنسيته لأطفاله بسبب جنسه، ولا يُشكك في كفاءته لأنه أب، ولا يُجبر على الزواج لحماية «شرف العائلة»، ولا تُقيَّد حريته القانونية داخل الأسرة. إن الخلط بين معاناة سياقية عامة وتمييز بنيوي قائم على النوع الاجتماعي يُستخدم لتبرير الادعاء بأن حقوق النساء باتت «آمنة» أو «متحققة»، فيما ما يزال كثير منها موضع نزاع فعلي.

في المحصلة، تكشف هذه الأمثلة مفارقة جوهرية: الخطاب الرسمي يجمع بين وعي نظري بوجود اللامساواة، وتحييد عملي لكلفتها. الاعتراف بذكورية المجتمع لا يُترجم إلى سياسات واضحة، بل يُحتوى لغوياً عبر المزاح. اللغة هنا لا تُستخدم لتفكيك البنية القائمة، بل لضبط إيقاعها وتأجيل مواجهتها.
ليست المشكلة في النكتة بحد ذاتها، ولا في غياب النوايا الحسنة. المشكلة في أن المزاح، حين يصدر عن موقع سلطة، يصبح أداة سياسية: إمّا أن يفتح نقاشاً جدياً حول التمييز، أو أن يُغلقه بلطف. وفي الحالة السورية، يبدو أن الخيار الثاني هو الغالب—انفتاح لغوي محسوب بلا انتقال حاسم إلى سياسات تغيّر موازين القوة فعلياً.

 

*كل ما ذكر في المقال يعبر عن رأي الكاتبة، ولا يعبر بالضرورة عن رأي الحركة السياسية النسوية السورية