قراءة في كتاب فاطمة المرنيسي “هل أنتم محصنون ضد الحريم” الجزء الثاني

*أسامة العاشور

يمكن القول أن “الحريم الشرقيّ واقعٌ تاريخيّ، بينما الحريم الغربيّ متخيّلٌ استيهاميّ: يستمدّ قوّته من الصور التي خلقها الرسّامون الذين كانوا يستمتعون بخلق نساءٍ سجينات، ناسجين رابطًا لا مرئيًّا بين المتعة والاستعباد.”

ما هو الحريم؟
التسمية مشتقة من الحَرام والحُرم وهو مفهوم مكاني جوهره وجود الإماء المتفرغات لمتعة السيد الجنسية ينقسم فيه الفضاء الاجتماعي إلى قسمين منفصلين: داخلي أنثوي شديد الاختباء والخصوصية محرّم على الرجال ماعدا السيد الأوحد، وخارجي محرّم على النساء ومفتوح للرجال فقط، وهذا التقسيم موجود في كل الحضارات التي بنت ثروتها على الاسترقاق عبر الفتوحات العسكرية واغتصاب أملاك الجيران، والنساء جزء منها، ويختلف شكل نظام الحريم حسب الفترة التاريخية والشعوب فالنساء عند اليونان -قبل الإسلام بأحد عشر قرنا- كُنّ لا يُفارقن الخِدر ويحرسهن الخصيان وابن الأَمَة من السيد يظل عبداً، وأضاف الرومان على تلك التقاليد فقط السماح للنساء بمرافقة رجالهن إلى الحفلات العامة، بينما كان الأمويون يحررون أولاد الإماء دون أن يسمحوا باستخلافهم، ومنح العباسيون أبناء الخليفة الذكور الفرص المتكافئة في اعتلاء عرش الخلافة مهما كان وضع أمهاتهم ونشأت من ذلك حضارة إسلامية عالمية من شعوب مختلفة ومتنافسة، خسر العرب فيها السيطرة الثقافية لصالح الفرس والسيطرة العسكرية لصالح الأتراك الذين استطاعوا فيما بعد السيطرة على القسطنطينية (1453م) وسبوا نسائها وأقاموا حريمهم الخاص محاكاة لما كان موجوداً في بيزنطة التي تحولت الى إسطنبول (نور الإسلام) وأصبح الشرق عنصراً بارزاً في الحضارة الأوربية، وفي القرن التاسع عشر صار الغرب بكليته “منجذباً بصورة لا تقاوم نحو الشرق على خطى الجيوش الاستعمارية” ص119 التي حاولت اقتسام الرجل المريض – الإمبراطورية العثمانية – وتركته.

فيروس الحريم:
يعتبر الموقف من الجنس أحد الخلافات الأساسية بين الإسلام والمسيحية، وهو أحد مفاتيح اللغز الذي يفسّر انبهار الغرب بالحريم، فأحد الامتيازات العظيمة للمسلم “هي حقه في المتعة” بينما تحض المسيحية “على تفادي اللذة حتى في إطار الزواج” ص127 ورغم ذلك لا أحد من الرجال في ضفتي المتوسط ينجو من الإصابة بفيروس الحريم أي “رغبة الرجل في شريكة سلبية دائمة الخضوع والصمت”، “تخدمه كجارية ” ص 13 وأعراضه الاستيهام أي الحلم بالحريم وهو ليس فتاكاً جسدياُ كالسيدا ولكنه يحرم المصاب به من السعادة، يُجبر الغربيون المصابون به “على الارتحال إلى الشرق للاستمتاع لأن المسيحية تحرم عليهم المتعة” ص 127 “ويرتحل الشرقيون المصابون به إلى ماضيهم طوعاً للتماهي مع هارون الرشيد” ص78 الذي جمع في شخصه مثلث “السلطة والثروة والمتعة” و “كلما كان المواطنون يطلقون العِنان لاستيهاماتهم كانت المواطنات تَتَحَرْمَنْ” ص109. 

محظيات آنجر:
رسم فنانو الغرب المحظيات لأن ما ألهب مخيلتهم حريم السلاطين العثمانيين الذين بسطوا سيطرتهم على قسم كبير من أوروبا وأرهبوا عواصمها حتى أوائل القرن العشرين وليس حريم الخليفة هارون الرشيد وكان هذا الاستيهام – لدى الغربيين – يشبع الرغبة بالانعتاق من قيود الزواج الأحادي المسيحي بمحرماته الجنسية ومشاكله العاطفية كما تجلّى في لوحة «المحظية الكبرى» 1814 للفنان الفرنسي «جان دومينيك آنجر» التي تصور امرأة متكئة على أريكة وممسكة بمقشّة من ريش الطاووس بينما نظراتها مزيج من انفعالات مختلفة ومتباينة (هامش 1)، ثم لوحته الأكثر شهرة «الحمّام التركي» 1863 التي تصور حشدًا هائلاً من النساء العاريات، كقطيع بسوق النّخاسة ينتظرن أن يقدَّمن المتعة للسيد الذكر، وقد وصفت اللوحة بأنّها «تمجيد للجسد الأنثوي الطاغي الحضور». وتطفح بالعناصر الأيروتيكية المتنوعة كمداعبة المرأة التي على الجهة اليمنى من اللوحة نهد رفيقتها التي توحي بالشذوذ الجنسي الكامن.
تشكل اللوحة – حسب المرنيسي – انتهاكًا صارخًا لنظام الحريم الشرقي التي تبرز فيه المرأة في العصر العباسي مثلاً “كمخطِّطة قوية الشكيمة تسعى لانتزاع السلطة من الأسياد، وتبلغ في فن المكيدة مبلغًا لا تزال تعجب له النساء العصريات اللواتي يواجهن صعوبة في اقتحام حصون السلطة السياسية” ص 181 ومناقض لدور المرأة عند الأتراك الذين هم نسويين أكثر من العرب و”كانت أمهات الملوك الذين لم يبلغوا سن الخلافة يتسلمن الوصاية على العرش وزوجات الملوك يتسلمن مقاليد الحكم حتى انتخاب خان جديد” ص186 فمِن أين استقى آنجر هذا التصُّور عن الحريم رغم أن قدمه لم تطأ بلاد المشرق أو بلاد المسلمين نهائيًا؟ يدعي أنه استقاها من بعض الرَّسائل التي كانت تصله مِن زوجة سفير إنجلترا في تركيا ليدي مونتاغيو، التي دخلت حماماً تركياً ووصفت تجربتها بالتفصيل. التي شددت فيها على عدم وجود أي تصرُّف مُنافٍ للحشمة واللياقة بين المُستحمات، تكشف المرنيسي من خلال سيرة الفنان الذاتية أنه نَحّى التّشديد الذي أكّدت عليه ليدي مونتاغيو. وتصرف وفق خياله وإيديولوجيته التي كانت تريد أن تنتصر على ماضٍ قديم في صورة الغزو العثماني لبلاده عبر التشويه والإدانة.

المسؤولية والحجاب:
السجال حول الحجاب في عالمنا العربي والإسلامي هو في جوهره سجال حول المسؤولية أي “انضباط الرجل أمام عورة المرأة” ص158 وسفور المرأة في أي مجتمع يرتبط بدرجة الرقابة الجنسية الذاتية التي يمارسها الرجل على تصرفاته، ففي الدول التي يكون “الرجل غير مسؤول سياسياً وجنسياً” ص151 يتم فرض الحجاب على النساء، بالمقابل يصوِّر آنغر في لوحة “المحظية والعبد” (1824) الرجل الأوربي الذي فرض على نفسه رقابة جنسية ذاتية (خصاء ذاتي) في صورة العبد الذي يستمتع دون ان يستسلم للإغواء، فالمعركة ضد الملكية المطلقة جعلت الأوربيين يعترفون بمبدأ المساواة للجميع و”أرغموا على الانضباط الجنسي” ص156 لتطوير حس المسؤولية لديهم، لذلك استطاعوا استبدال الحكم الاستبدادي مجسداً بالكنيسة والدولة المطلقة اللذين ينظمان السلوك من الخارج بأفراد مسؤولين ذاتياً يديرون شؤونهم في دولة ديموقراطية.


مواقف غير نسوية:
قد يتفاجأ المتابع لمسيرة فاطمة المرنيسي كباحثة وناشطة نسوية من بعض مواقفها المتصالحة مع بعض المواقف الذكورية تاريخياً وراهناً وسأسوق مثالين راهنين:

– للتخلص من النزعات الذكورية “السلفية” عند الرجال العرب/الشرقيين تقترح حلاً غير نسوي أقرب إلى الفانتازيا بدعوتها النساء والحركات النسوية لشراء ألوان وتقديمها لرجالهن/عشاقهن لرسمهنّ “على شكل إماء وتعليق لوحاتهم في الصالون، لم لا، طالما أن ذلك يساعد رجالنا على تقبلنا أنداداً لهم” ص190؟!
– تعتبر المرنيسي موقف الخميني بفرض الحجاب على المرأة الموظفة في القطاع العام حلاً لإدارة المساواة بين المرأة والرجل في المجتمع الإيراني، وترى الخميني تجسيداً لتزاوج ثقافي بين “الدين والحقوق المدنية وهو شرط أية ديموقراطية” ص159؟! ويفاجئنا استنتاجها لعلمنا أنها تدرك أن الخميني كاره للنساء وسجله في قمع المرأة مشيناً، ففي الأشهر الأربعة الأولى من استلامه السلطة ألغى قانون الخدمات الاجتماعيّة للمرأة، وفرض الحجاب القسري على النساء ونشر رجاله في الشوارع ليعتدوا عليهن بالضرب بحجّة عدم الحشمة، وحظر وصول النساء إلى القضاء وفصل من كنّ يُشْغِلنَ سابقاً أي منصب قضائي، ومنع النساء من الغناء، وشرّع إعدامهن بتهمة المنكر وطبق أحكام الجلد والرجم عليهن على الملأ. (هامش2)
إن ملاحظاتنا على الكتاب هي اعتراف بأهميته وليس انتقاصا منه أو من كاتبته فهو بأفكاره وهواجسه لا يزال يعيش معنا، والكتاب بمجمله مشوِّق ويضيء على مواضيع جريئة، ويجعلنا نقفز مع الكاتبة بانتقائية موجهة بين العصور والجغرافيا وكأننا في رحلة عبر التاريخ والبلدان لا تخلو فصولها من المتعة واللمحات الذكية.

الهوامش:
1- تبدو بشرة المرأة في اللوحة حقيقية إلى حد كبير والمشهد بأكمله يعطي إحساسا بالرومانسية والفانتازيا و الايروتيكية، ولكن النقاد عابوا على آنجر إطالة العمود الفقري للمحظية بزيادة ثلاث فقرات إضافية إليه .
2- للتفصيل أكثر انظر: نبال زيتونة , الخميني كاره للنساء، شبكة المرأة السورية، 6 حزيران 2017، swnsyria.org/?s