لماذا يُطلب من النساء صنع السلام قبل أن يُسمح لهن بطلب العدالة؟
- updated: 10 أغسطس 2026
- |
حين تتحول صورة المرأة المسالمة إلى قيد سياسي يؤجل حقها في الحقيقة والمحاسبة
*جولي بيطار
في الأزمات، غالباً ما يجري البحث عن أصوات نسائية تقول ما يريد الجميع سماعه: لا للانتقام، نعم للتعايش، ولنمنع الكراهية من تمزيق المجتمع. تُستدعى النساء للحديث عن التسامح وتضميد الجراح وتهدئة المجتمعات، لكن المساحة تضيق عندما يسمّين المسؤولين عن العنف، أو يطالبن بالمحاسبة، أو يرفضن مصالحةً تسبق الحقيقة.
عندها، قد تتحول المرأة سريعاً من “صانعة سلام” إلى صوت غاضب يهدد الاستقرار. وكأن مشاركتها السياسية مقبولة ما دامت قادرةً على امتصاص غضب الآخرين، لا التعبير عن غضبها، وعلى تخفيف آثار العنف، لا مساءلة من ارتكبه.
لا تكمن المشكلة في دعوة النساء إلى المشاركة في بناء السلام، بل في تحديد وظيفتهن قبل دخولهن المجال السياسي. فهنّ لا يدخلن دائماً بوصفهن مواطنات يمتلكن رؤى مختلفة للعدالة والأمن ومستقبل البلاد، بل بوصفهن مهدئات ووسيطات وضميراً أخلاقياً يُستدعى عندما يعجز الآخرون عن إنهاء صراعاتهم.
هكذا يتحول السلام من حق سياسي تشارك النساء في تعريفه وصناعته إلى واجب جندري يُفرض عليهن.
امرأة مقبولة ما دامت تهدّئ
تبدو صورة المرأة المسالمة إيجابية للوهلة الأولى. فهي تمنح النساء دوراً مهماً في وقف النزاعات وإعادة بناء المجتمعات. لكنها تنطلق، في كثير من الأحيان، من افتراض أن النساء أكثر تسامحاً وأقل ميلاً إلى العنف بحكم طبيعتهن، لا بوصفهن فاعلات سياسيات تأثرن بالحرب واكتسبن معرفةً وخبرةً تؤهلهن للمشاركة في القرار.
وفي فصل بحثي بعنوان “ما المقصود بالمرأة في أجندة المرأة والسلام والأمن؟“، نشرته دار “سبرينغر” في كانون الثاني 2026 ضمن كتاب “ردة الفعل ضد أجندة المرأة والسلام والأمن”، تحذر الباحثتان سيما شيخاوات ولورا شوبيرغ من اختزال المرأة في صور محددة، من بينها المرأة بوصفها ضحيةً أو صانعةً طبيعية للسلام.
ترى الباحثتان أن هذا التصوير قد يحول النساء إلى أدوات داخل عملية السلام، بدلاً من الاعتراف بتنوع مواقفهن وتعقيد أدوارهن السياسية.
فالنساء تختلف تجاربهن باختلاف الطبقة ،المنطقة ،التعليم والانتماء السياسي، ولا يحملن موقفاً موحداً من الصراع أو المصالحة أو العدالة. وقد يكنّ مسالمات أو غاضبات، متسامحات أو رافضات للتسامح، وقد يختلفن في ما بينهن.
ولا يفترض أن تكون مشاركة النساء مشروطةً بتفوقهن الأخلاقي أو بقدرتهن على تقديم سلام أسرع وأقل كلفة للسلطة والمجتمع.
المساواة لا تعني إدخال النساء إلى السياسة بشرط أن يكنّ أفضل من الرجال أخلاقياً، وأقل منهم غضباً، وأكثر استعداداً لإصلاح ما دمّره الآخرون.
سلام أم إدارة لغضب الضحايا؟
يختلف صنع السلام عن إنتاج الهدوء. يبدأ السلام بالاعتراف بما وقع، وكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين/ات، وإنصاف الضحايا، وضمان عدم تكرار الانتهاكات. أما التهدئة، فقد تبدأ أحياناً بخفض صوت الضحية، وتليين لغتها، ومطالبتها بتجاوز ما حدث قبل أن تحصل على حقها.
عندما يُطلب من النساء الدعوة إلى المصالحة من دون أن يمتلكن سلطة تحديد شروطها، تُختزل مشاركتهن في أداء العمل العاطفي الأصعب: طمأنة الخائفين/ات، وتهدئة الغاضبين/ات، وإعادة وصل العلاقات، وإقناع المتضررين/ات بأن المطالبة بالعدالة قد تهدد الاستقرار.
تظهر تجارب ما بعد النزاعات أن إنهاء القتال لا يكفي وحده لتحقيق سلام عادل. ففي البوسنة والهرسك، غابت النساء عن عملية التفاوض التي أنهت الحرب وأفضت إلى اتفاق دايتون عام 1995، وفق هيئة الأمم المتحدة للمرأة. وبعد ثلاثة عقود، ما تزال ناجيات العنف الجنسي المرتبط بالنزاع يواجهن صعوبات في نيل الاعتراف والوصول إلى التعويض والإنصاف.
وفي رواندا، تداخلت المحاكمات أمام المحكمة الجنائية الدولية لرواندا والمحاكم الوطنية ومحاكم «الغاتشاتشا» مع مسارات الوحدة والمصالحة. وأتاحت محاكم «الغاتشاتشا» لبعض الضحايا معرفة حقيقة مقتل أقاربهم، بينما أرست المحكمة الدولية سوابق قانونية في ملاحقة العنف الجنسي، من بينها الاعتراف بالاغتصاب فعلاً من أفعال الإبادة الجماعية. غير أن تقرير المحكمة الختامي أظهر أن تعويض الضحايا بقي مساراً غير مكتمل، إذ واصلت رئاستها بين عامي 2002 و2015 مطالبة الأمم المتحدة بوضع إجراءات تتيح تقديم التعويضات.
وتوضح التجربتان أن وقف الحرب وبناء التعايش لا يغنيان عن الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر. كما لا يبرران استدعاء النساء لتهدئة المجتمعات، مع استبعادهن من المفاوضات ومن تحديد شروط العدالة.
وقف العنف ضرورة، ومنع الانتقام مسؤولية سياسية وأخلاقية. لكن الخلط بين العدالة والانتقام يسمح بتحويل المطالبة بالمحاسبة إلى تهديد للسلم الأهلي، فيما يُقدَّم الإفلات من العقاب بوصفه واقعيةً سياسية. والنتيجة نزاع مؤجل تحت سطح هادئ.
من يحق له الغضب في السياسة؟
يُقرأ غضب الرجل السياسي غالباً بوصفه موقفاً أو حزماً أو دفاعاً عن جماعته. أما غضب المرأة، فيسهل وصفه بأنه انفعال أو توتر أو عجز عن التفكير بعقلانية، ويصبح الاختبار أشد قسوةً عندما تكون المرأة ناجيةً أو من عائلة ضحية أو مفقود.
يُراد منها أن تكون متألمةً بما يكفي لتجسيد المأساة، لكن هادئةً بما يكفي لعدم إرباك المؤسسة. أن تروي ما حدث، من دون أن تطلب الكثير بعد روايته. وأن تمنح القضية وجهاً إنسانياً، من دون أن تتحول إلى صاحبة موقف سياسي يحدد المسؤوليات ويطالب بالمحاكمات والتعويضات والإصلاح.
وحين تنتقل من سرد الألم إلى تسمية المسؤولين/ات عنه، قد تتحول من ضحية مفيدة إلى فاعلة سياسية مزعجة، لأن غضبها يكسر الدور المحدد لها مسبقاً.
لكن الغضب ليس نقيضاً للسياسة، وقد يكون دليلاً على ظلم لم يُعالج. والعدالة لا تبدأ بإسكات هذا الغضب وإنما بفهم أسبابه وتحويله إلى حقوق وإجراءات وضمانات تمنع تحوله إلى عنف جديد.
السوريات لا يطلبن الحماية فقط
في تقرير بعنوان “سوريات يشكّلن الحوار الوطني حول السلام والعدالة والتعافي“، نشرته هيئة الأمم المتحدة للمرأة في 18 آذار 2026، أكدت الهيئة أن سوريات اضطلعن بدور محوري في توثيق النزوح والنزاعات العقارية والإخفاء القسري، إلى جانب مطالبتهن بكشف الحقيقة والمساءلة.
في 21 تموز 2026، قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إن النساء اللواتي التقى بهن وثّقن الانتهاكات وطالبن بالعدالة والمحاسبة والشفافية. وهو ما يعني أن حصر دورهن في المصالحة يتجاهل جانباً أساسياً من نضالهن السياسي والحقوقي.
فالخبرة التي اكتسبتها النساء من التوثيق، ومتابعة قضايا المفقودين/ات، ومساندة الناجيات، والعمل داخل المجتمعات المحلية، لا تؤهلهن لتقديم الشهادات فقط، بل للمشاركة في تصميم مؤسسات العدالة الانتقالية، وصياغة القوانين، وتحديد برامج التعويض وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات التي سمحت بوقوع الانتهاكات.
وفي مادة مرجعية بعنوان “حقوق الإنسان والمخاوف المرتبطة بالجنسانية الخاصة بالمرأة في حالات النزاع وعدم الاستقرار“، تؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان ضرورة مشاركة الناجيات مشاركةً كاملة وفاعلة في جميع مراحل العدالة الانتقالية. فلا يكفي استدعاء النساء لرواية ما حدث، ثم إنهاء دورهن عندما تبدأ صياغة القوانين واتخاذ القرارات. المشاركة الحقيقية تُقاس بقدرة النساء على تحديد أي سلام يُراد، وعلى أي حقيقة يقوم، ومن سيحاسَب، وما الذي سيمنع تكرار العنف.
لا تعارض بين العدالة والسلام
تحتاج سوريا إلى وقف العنف، وحماية المدنيين/ات، ومنع الانتقام، وإعادة بناء الثقة بين مجتمعات أصابها خوف عميق. لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى عدالة لا تُختصر بمحاكمات سريعة أو عقوبات جماعية، ولا تتحول إلى ذريعة لإنتاج مظالم جديدة.
وفي ورقة تعريفية بعنوان “لمحة عن العدالة الانتقالية وحقوق الإنسان“، توضح المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن العدالة الانتقالية تشمل كشف الحقيقة، والتحقيق في الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين/ات عنها، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وضمان عدم التكرار. وقد يحتاج تنفيذ هذه المسارات إلى وقت، لكن ذلك لا يبرر حذفها من معادلة السلام أو مطالبة الضحايا بتأجيل حقوقهم إلى أجل غير معلوم.
رفض الإفلات من العقاب ليس تحريضاً على الانتقام، كما أن رفض المصالحة المفروضة لا يعني رفض العيش المشترك. وقد تختار بعض النساء التسامح، بينما تصر أخريات على المحاسبة أولاً. والموقفان كلاهما سياسيان ومشروعان، ولا يحق لأحد تحديد الموقف الأكثر “أنوثة” أو الأكثر ملاءمةً للنساء.
وفي قراره رقم 2250 بشأن “الشباب والسلام والأمن”، المعتمد في 9 كانون الأول 2015، دعا مجلس الأمن إلى تعزيز مشاركة الشابات والشباب وتمثيلهم في عمليات صنع القرار على مختلف المستويات. لكن تطبيق القرار لا ينبغي أن يختزل مشاركة الشابات في نشر رسائل التهدئة والتعايش، بل يشمل حقهن في مناقشة الأمن والعدالة، وانتقاد السياسات، والمطالبة بالمحاسبة، والوجود داخل المؤسسات التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة.
النساء لسن ضميراً احتياطياً يُستدعى بعد انتهاء الآخرين من الحرب، ولسن مسؤولات وحدهن عن إصلاح المجتمع. ولهن الحق في صناعة السلام، كما لهن الحق في رفض سلام لا يعترف بما تعرضن له، أو يطلب منهن الصمت مقابل مكان على الطاولة.
وقبل أن نطلب من النساء تهدئة الألم، يجب أن نسأل من يملك السلطة: كيف سيحاسب من تسبب به؟