الكلمة الافتتاحية للمؤتمر العام السابع للحركة السياسية النسوية السورية
- updated: 14 فبراير 2026

الزميلات العزيزات والزملاء الأعزاء،
أهلاً بكم جميعًا في مؤتمر الحركة السياسية النسوية السورية السابع، الذي ينعقد اليوم في لحظة استثنائية من تاريخ سوريا، لحظة لم نكن نعرف إن كنا سنشهدها يومًا، لكنها جاءت، بكل حقائقها، واستحقاقاتها، وأسئلتها، وتحدياتها.
نلتقي اليوم بعد عام كامل من التحولات العميقة، وهو أول مؤتمر لنا في مرحلة جديدة أعقبت سقوط نظام الأسد. سنة طويلة، كثيفة، لم تكن مجرد انتقال سياسي، بل اختبارًا يوميًا لقدرتنا على الفعل، وعلى إعادة تعريف أنفسنا ودورنا، في واقعٍ تغيّر بسرعة أكبر مما كنا مستعدات له.
تقول حنة أرندت إن ” السياسة تبدأ حيث يتوقف العنف”، ونحن في هذا العام تعلّمنا، بمرارة، أن العنف لا يختفي تلقائيًا بسقوط الاستبداد، وأن السياسة لا تُولد كاملة، بل تُنتزع انتزاعاً، وتُبنى وسط الفوضى، والتناقض، وهي دوماً تحتاج مرونة في التكتيك وصرامة وتمسك بالمبادئ.
منذ اللحظة الأولى بعد السقوط، واجهنا كسوريات، وكنسويات سياسيات، أسئلة جوهرية:
كيف نحمي المجال العام الذي استعدناه للتو من الانزلاق نحو إقصاء جديد وتهميش للنساء؟
كيف نمنع استبدال استبدادٍ بآخر؟
ما هي أدواتنا كي تكون النساء فاعلات في السياسة، لا مجرد فئة تُستدعى عند الحاجة؟
هل رؤيتنا النسوية قادرة على أن تبقينا سوية لتجاوز الخلافات التي تواجهنا مع كل حدث جديد؟
يمكننا القول اليوم إن الحركة السياسية النسوية السورية استطاعت أن تقدّم نفسها نموذجًا مصغّرًا لسوريا التي نطمح إليها: سوريا بتنوّعها، بحواراتها المفتوحة، بأدوات عملها التشاركية، وبقدرتها على الاحتفاء بالاختلاف بوصفه نعمة لا تهديدًا. لقد أثبتنا أن العدسة النسوية ليست مجرد توصيف نظري، بل أداة تحليل وممارسة، وأن منظورنا النسوي الذي اجتمعنا عليه كمنهجية للعمل السياسي ما يزال قادرًا على تصويب بوصلتنا في مشهد سياسي يزداد يومًا بعد يوم انغلاقًا وذكورية.
لم يكن الطريق سهلًا. أخطأنا أحيانًا، وترددنا أحيانًا أخرى، لكن الحركة السياسية النسوية السورية، بعضواتها وأعضائها، بخلفياتهم المتنوعة، وبامتدادها داخل سوريا وخارجها، أثبتت أنها كانت، في معظم الوقت، في موقع المسؤولية، وفي موقع الدفاع عن السياسة بوصفها فعلًا جماعيًا، لا امتيازًا نخبوياً.
في الثامن من كانون الثاني/يناير 2025، وبعد شهر واحد فقط من رحيل الأسد، كنا في دمشق. لم نذهب لنحتفل فقط، بل لنقول بوضوح: نحن هنا. الحركة السياسية النسوية السورية ليست هامشًا في هذه المرحلة، بل جزء من قلبها.
في ذلك اللقاء، خرجت زميلاتنا اللواتي عشن سنوات طويلة في ظروف أمنية قاسية إلى العلن. نساء لم يكنّ يستطعن سابقًا ذكر أسمائهن الحقيقية، ولا الظهور بوجوههن، أصبحن فجأة في فضاء عام مفتوح، هشّ، لكنه ممكن.
التقينا، تعارفنا، احتفلنا بسقوط النظام، لكننا في الوقت نفسه ذكّرنا أنفسنا، بوعي، بأن طريقنا طويل ونضالاتنا لن تنتهي قبل أن يكتمل حلمنا بتحقق الدولة الديمقراطية، دولة المواطنة المتساوية، وكان وما يزال لدينا في رؤيتنا، وكما تقول النسوية الأمريكية بيل هوكس ” الأمل كفعل، وليس كشعور فقط”، لذلك نحن ندرك بأن الأمل مترافقاً مع الفعل السياسي يحتاج إلى تنظيم، وإلى رؤية، وإلى صبر طويل.
نحن في الحركة السياسية النسوية السورية نعرف أن الانتقال السياسي لا يكون ديمقراطيًا لمجرد أنه جديد. الديمقراطية ليست حدثًا، بل مساراً تشاركياً يثبت نفسه في الفضاء العام، لذلك كان لدينا العديد من الشركاء والشريكات والداعمين والداعمات الذين صدقونا وآمنوا بنا، نذكر منهم الحركة النسوية السورية بمبادراتها ومنظماتها، التي نعتبرها شريكاً استراتيجياً، بالإضافة للقوى السياسية التي تجمعنا بها الأهداف مشتركة، وهي بناء دولة المواطنة المتساوية القائمة على مبادئ الديمقراطية واحترام التعددية والتشاركية واحترام حقوق المرأة وحقوق الإنسان. ولهذا نصرّ على أن تكون النساء جزءًا من هذا الفعل، لا ضحاياه، ولا متفرجات عليه.
مشروعنا لم يكن يومًا مشروع مطالب جزئية، بل رؤية سياسية شاملة:
ناضلنا من أجل التمثيل العادل للنساء في مواقع صنع القرار، وناضلنا من أجل عدالة انتقالية لا تُغلق الجراح قبل أن تداويها وتضمن عدم التكرار، وناضلنا من أجل سلام نسوي يرى أن أمن الإنسان، لا أمن السلطة، هو جوهر السياسة.
نحن ندرك أنه لا يمكن بناء سوريا جديدة بعقلية الإقصاء نفسها، ولا بقوانين تكرّس التمييز، ولا بخطابات تُعيد النساء إلى الهامش باسم التقاليد أو الأولويات الأمنية.
اليوم، ونحن نفتتح هذا المؤتمر، لا نزعم امتلاك كل الإجابات. لكننا نملك ما هو أثمن: ذاكرة نضالية، وخبرة متراكمة، وإيمانًا بأن السياسة لا تُختزل في السلطة، بل في المسؤولية.
هذا المؤتمر ليس مناسبة احتفالية، بل مساحة مساءلة ونقد وبناء. مساحة لنسأل أنفسنا بصدق: أين كنا؟ وأين نحن؟ وأين نريد أن نكون؟
نضالنا لم ينتهِ بسقوط النظام، بل بدأ بشكلٍ جديد. ولن ينتهي إلا حين تتحقق دولة المواطنة المتساوية، دولة القانون، دولة العدالة، ودولة ترى في النساء شريكات كاملات في صنع المستقبل.
كل التوفيق لمؤتمرنا، ولنبدأ هذا الحوار، بكل شجاعة، وبكل ما تستحقه هذه اللحظة من مسؤولية.
لجنة تحضير المؤتمر
السبت 14 شباط 2026