تاء… حكاية الشابات والشباب في صناعة التغيير

في 12 آب من كل عام، يذكّرنا اليوم العالمي للشابات والشباب بأنهم ليسوا مجرد مستقبل ننتظره، بل هم حاضر يصنع التغيير كل يوم. وفي سوريا، يواصل جيل الشباب إثبات أن المشاركة السياسية ليست امتيازًا يُمنح، بل حقًا يُنتزع بالإرادة والعمل والإصرار، رغم ما يواجهه من تحديات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية.

وانطلاقًا من هذه القناعة، يخصص ملتقى الشابات السياسيات في الحركة السياسية النسوية السورية شهر آب ليكون شهر الشابات والشباب. في هذا العام اخترنا أن يكون عنوان الحملة هو “تاء”. قد تبدو التاء مجرد حرف من حروف اللغة العربية، لكنه في الحقيقة الحرف الذي يجمع كلمات ترسم ملامح حضور الشابات والشباب في الحياة السورية: التغيير، والتمكين، والتطوير، والتشميل، والتضامن، والتشبيك، والتأثير، والتحول. فبالنسبة لنا هي ليست مجرد شعارات تُرفع في المناسبات، بل مرتكزات أساسية لبناء سوريا أكثر عدالة ومساواة، يكون للشابات والشباب فيها دورٌ حقيقي في رسم مستقبل البلاد.

خلال السنوات الماضية، خاضت الشابات والشباب في سوريا تجارب متنوعة في الفضاء السياسي؛ إذ قادوا مبادرات مجتمعية، وأسهموا في جهود بناء السلام، ودافعوا عن حقوق الإنسان، وشاركوا في العمل الإنساني، وأطلقوا حملات المناصرة، وأسهموا في تطوير السياسات العامة وإنتاج المعرفة. إلا أن هذه الجهود ما تزال تصطدم بعقبات عديدة، تبدأ بالصور النمطية التي تحدد أدوار الشباب وخاصة الشابات، ولا تنتهي عند محدودية الوصول إلى مواقع صنع القرار، وضعف فرص المشاركة الفعلية، وغياب المساحات الآمنة التي تتيح للشابات التعبير عن آرائهن والتأثير في السياسات العامة.

  • تاء التغيير، التغيير لا يبدأ من المؤسسات وحدها، بل من إيمان الشابات والشباب بقدرتهم على صناعة واقع مختلف. وقد أثبت الشباب السوري قدرته على قيادة المبادرات، وصناعة الحلول، والمشاركة في الحوارات، وتقديم رؤى جديدة تعكس تطلعات جيل يؤمن بالحرية والعدالة والديمقراطية. إلا أن التغيير الحقيقي لا يكتمل إلا عندما يصبح الجيل الشاب شركاء في صناعة القرار، لا مجرد مشاركين في النقاش.
  • تاء التمكين، التمكين ليس مشروعًا مؤقتًا أو تدريبًا ينتهي بانتهاء التمويل، بل هو عملية مستمرة تقوم على بناء القدرات، وتعزيز الثقة، وإتاحة الموارد والفرص، وإزالة العوائق أمام المشاركة السياسية. فالاستثمار في الفئة الشابة هو استثمار مباشر في مستقبل سوريا وقدرتها على بناء مؤسسات أكثر عدالة واستدامة.
  • تاء التطوير، التطوير ليس خيارًا، بل ضرورة لضمان استدامة المشاركة السياسية للشابات والشباب. فهو يقوم على الاستثمار المستمر في المعرفة والمهارات والقيادات الشابة، بما يمكّنها من مواكبة التحولات السياسية والاجتماعية، وتجديد أدوات العمل العام، وابتكار حلول تستجيب لاحتياجات المجتمع وتحدياته.
  • تاء التشميل، التشميل يعني أن تكون المشاركة السياسية متاحة لجميع الشابات والشباب، بمختلف انتماءاتهم ومناطقهم وخلفياتهم، دون إقصاء أو تمييز. فتنوع التجارب والآراء مصدر قوة، والإيمان بأن العدالة تبدأ عندما يجد كل صوت مكانه في صناعة المستقبل.
  • تاء التضامن، في ظل التحولات التي تعيشها سوريا، أصبح التضامن ضرورة سياسية ومجتمعية وليس مجرد قيمة إنسانية. فمن خلال الدعم المتبادل والعمل الجماعي، يستطيع جيل الشباب مواجهة التحديات، والدفاع عن الحقوق، وتحويل المبادرات الفردية إلى أثرٍ جماعي أكثر استدامة، قائم على الثقة والشراكة.
  • تاء التشبيك، لا يصنع التغيير شابات أو شبابٌ يعملون بمعزل عن بعضهم، بل تصنعه شبكات من المبادرات، ومنظمات المجتمع المدني، والقيادات المحلية. فالتشبيك يوسع دوائر التأثير، ويعزز تبادل الخبرات، ويبني شراكات قادرة على إحداث تغيير حقيقي ومستدام.
  • تاء التأثير، لا تُقاس مشاركة الشابات والشباب السياسية بعدد المقاعد أو المناصب فقط، بل بقدرتهم على التأثير في السياسات العامة، والدفاع عن قضايا المجتمع، والمساهمة في بناء مؤسسات أكثر شفافية وعدالة واستجابة لاحتياجات المواطنات والمواطنين. فالتأثير الحقيقي يبدأ عندما تصبح أصوات الجيل الشاب جزءًا أصيلاً من عملية صنع القرار، لا مجرد أصوات يُستمع إليها عند الحاجة أو تُستدعى لإكمال صورة شكلية عن المشاركة.
  • تاء التحول، تمرّ السوريات والسوريون اليوم بمرحلة تتطلب رؤى جديدة وقيادات شابة تؤمن بالمواطنة والديمقراطية والمساواة والعدالة والشراكة. ولن ينجح أي تحول ديمقراطي ما لم ينتقل الجيل الشاب من هامش المشاركة إلى مركز صناعة القرار، بوصفهم شركاء في رسم مستقبل سوريا.

في هذا الشهر، لا نحتفي بالشابات والشباب بوصفهم قادة المستقبل فحسب، بل نؤمن بأنهم شركاء الحاضر وصنّاعه. فكل “تاء” في هذه الحملة ليست مجرد كلمة، بل التزام: تغييرٌ يقوده الجيل الشاب، وتمكينٌ يفتح الأبواب، وتشميلٌ لا يُقصي أحدًا، وتضامنٌ يعزز القوة الجماعية، وتشبيكٌ يبني الشراكات، وتأثيرٌ يصنع السياسات، وتطويرٌ يستثمر في الإنسان، وتحولٌ يقود إلى سوريا أكثر عدالة وديمقراطية.

قد تبدأ الحكاية بحرف واحد هو”تاء”، لكنها تختصر مسيرة جيل كامل يؤمن بأن المشاركة ليست منحة، وأن القيادة ليست امتيازًا، وأن مستقبل سوريا لن يُبنى إلا بمشاركة شاباتها وشبابها، شركاء متساوين في صناعة القرار وصياغة الغد.