زيارة أحمد الشرع إلى أوروبا: الاقتصاد، اللاجئون واللاجئات، العلاقات السورية-الأوروبية  

منذ سقوط نظام بشار الأسد الدكتاتوري وهروبه خارج سوريا في 8 كانون الأول 2024، وتسلم السيد أحمد الشرع رئاسة المرحلة الانتقالية لمدة خمس سنوات في 29 كانون الثاني 2025، برز النشاط الخارجي للحكومة الانتقالية السورية من خلال سلسلة من الزيارات الدبلوماسية التي عكست محاولةً لاستخدام العلاقات الدولية كأداة لتحسين مستقبل السلطة الجديدة. بدأت هذه الزيارات من دول الجوار الإقليمي، السعودية وقطر والإمارات والأردن وتركيا، ثم امتدت إلى عدد من الدول الأوروبية لحضور مؤتمرات ولقاءات متعددة، تُوِّجت بزيارة الرئيس أحمد الشرع إلى فرنسا بدعوة من الرئيس إيمانويل ماكرون، لتكون بوابة الانفتاح الأولى على أوروبا في 7 أيار 2025. تلتها زيارات إلى روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، وصولاً إلى جولته في ألمانيا في 29 آذار 2026، التي حملت طابعاً اقتصادياً وسياسياً واضحاً، وارتبطت بصورة مباشرة بملفي اللاجئين واللاجئات وإعادة الإعمار، نظراً إلى الثقل الاقتصادي الألماني ووجود أكبر تجمع للسوريين والسوريات في أوروبا. ولا تقلّ زيارة بريطانيا أهمية عن زيارة ألمانيا، إذ مثّلت زيارة لندن ولقاء تشاتام هاوس في 31 آذار 2026 رؤية السلطة الانتقالية حول مستقبل سوريا. ففي هذا اللقاء أكد الشرع على أن المرحلة الانتقالية مؤقتة لمدة خمس سنوات، وأنها تهدف إلى تمهيد الطريق أمام انتخابات حرّة بعد استكمال بناء المؤسسات الدستورية والتشريعية.

في هذا السياق، لا تبدو الزيارة مجرد تحرك بروتوكولي أو دبلوماسي اعتيادي، بل تكشف عن طبيعة العلاقة بين السلطة السورية الجديدة والدول الأوروبية، وهي علاقة تضع على الطاولة ثلاثة ملفات أساسية: إعادة الإعمار، مستقبل اللاجئين واللاجئات، وإعادة صياغة العلاقة بين الحكومة السورية الجديدة والمجتمع الدولي. حيث لم تعد هذه الملفات شأناً داخلياً سورياً فحسب، بل باتت مرتبطة بشكل مباشر بالمواقف الأوروبية، سواءً من حيث التمويل، أو شروط الحوكمة، أو تصورات العودة والاستقرار.

من الناحية الاقتصادية، تأتي الزيارة في توقيت شديد الحساسية، فسوريا الخارجة من سنوات طويلة من النزاع والانهيار المؤسساتي تحتاج إلى شراكات مالية وتقنية واسعة لإعادة بناء البنية التحتية، لا سيما في قطاعات الطاقة والنقل والإسكان والخدمات العامة. لذلك كان ملف التعاون الاقتصادي وإعادة الإعمار حاضراً بقوة في اللقاءات مع برلين، إلى جانب بحث فرص استقطاب الاستثمارات الأوروبية، وتفعيل دور الرجال والنساء في الشتات بوصفهم رافعة اقتصادية ومعرفية لا يمكن تجاهلها.

إلا أن الاقتصاد هنا لا يُفهم فقط بوصفه أرقاماً ومشاريع، بل باعتباره أداةً لإعادة تشكيل الشرعية السياسية السورية في أوروبا، خاصة في ألمانيا، التي تنظر إلى الاستقرار الاقتصادي في سوريا باعتباره شرطاً أساسياً لنجاح أي سياسة تتعلق بعودة اللاجئين واللاجئات. من هنا، فإن أي دعم اقتصادي أوروبي محتمل لن يكون منفصلاً عن شروط تتعلق بالإدارة الجادة لملف إعادة الإعمار، والحوكمة، والاستقرار الأمني، وخلق بيئة مؤسساتية وخدمية تسمح لهم بعودة  آمنة إلى سوريا.

أما فيما يتعلق بملف اللاجئين واللاجئات، فهو بلا شك الملف الأكثر حساسية في هذه الزيارة. فقد أظهرت النقاشات التي رافقت زيارة الرئيس الشرع إلى برلين بوضوح أن الحكومة الألمانية تنظر بجدية إلى إمكانية عودة أعداد كبيرة من السوريين والسوريات خلال السنوات القادمة، مع تداول أرقام وصلت إلى 80% من السوريين والسوريات المقيمين في ألمانيا، الذين يتجاوز عددهم 900 ألف شخص، خلال ثلاث سنوات، بحسب ما أُشير إليه في المؤتمر الصحفي المشترك للمستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس أحمد الشرع في برلين بتاريخ 30 آذار 2026. غير أن طرح هذه النسبة المرتفعة لا ينفصل عن السياق السياسي الداخلي في ألمانيا، حيث يتقاطع ملف اللجوء مع الاستقطاب الحزبي والصراع الانتخابي، ما يجعل الأرقام المطروحة جزءاً من خطاب سياسي موجّه للرأي العام. وفي حين بدا أن الطرفين متفقان على أهمية ملف العودة، فقد اختلف الطرفان بشأن طرق العودة والأرقام المطروحة لعودة اللاجئين واللاجئات.

في هذا الإطار، ربط الرئيس الشرع إمكانية عودة نسبة كبيرة من السوريين والسوريات في ألمانيا بتوافر شروط سياسية وأمنية واقتصادية ملائمة داخل سوريا، مع التأكيد على أهمية الاستفادة من خبراتهم المتراكمة في مسار إعادة الإعمار. في هذا السياق، تم طرح آلية “الهجرة الدائرية” بوصفها تصوراً يمكن تقديمه للفئات التي تحمل الجنسيتين السورية والألمانية، بما يتيح لها حرية التنقل بين بلد الإقامة والوطن الأم دون فقدان الاستقرار القانوني والمعيشي. يشكل هذا الطرح فرصة لفتح أفق جديد لمعادلة أكثر توازناً تجمع بين حق الاستقرار في بلدان اللجوء وإمكانية المساهمة الفاعلة في إعادة بناء الوطن، بما يحوّل ملف العودة من مقاربة رقمية ضيقة إلى تصور تنموي عابر للحدود.

في هذا السياق، تراجعت ألمانيا في اليوم التالي عن تبني نسبة عودة 80% من السوريين والسوريات المقيمين فيها خلال ثلاث سنوات بوصفه هدفاً رسمياً، تحت ضغط انتقادات داخلية واسعة صدرت عن الأحزاب المشاركة في الحكومة الألمانية، إلى جانب مؤسسات اقتصادية، ومنظمات حقوقية، رأت أن طرح نسبة عددية بهذا الحجم ضمن إطار زمني محدود يفتقر إلى الواقعية السياسية والاقتصادية، كما يتجاهل تعقيدات الاندماج واحتياجات سوق العمل والاستقرار داخل سوريا. 

انطلاقاً من هذا التصور لملف العودة، يُصاغ الحديث عن عودة اللاجئين واللاجئات غالباً بلغة الدولة والأمن والاقتصاد، لكنه نادراً ما يلتفت إلى أوضاع النساء السوريات في أوروبا، حيث غالباً ما يُربط قرار عودتهن بقرار رب الأسرة، ما قد يُعيدهن إلى دوائر العنف دون حماية. فالعديد من النساء السوريات أصبحن معيلات لأسرهن، أو مستقلات مادياً، أو ناشطات في مجالات حقوقية وسياسية ومدنية، أو جزءاً من شبكات دعم اجتماعي ومهني داخل المجتمعات الأوروبية.

من هنا، ترى الحركة السياسية النسوية السورية أن أي مشروع للعودة لا يضع أوضاع النساء في مركزه سيعيد إنتاج هشاشة اجتماعية مضاعفة. فأي عودة لا توفر بيئة آمنة للنساء، ولا تضمن فرص عمل لهن، ولا تقدم ضمانات قانونية واضحة، ولا حماية من الاختطاف والعنف القائم على النوع الاجتماعي، قد تؤدي إلى تراجع حاد في المكتسبات التي حققتها النساء خلال سنوات اللجوء، بما فيها الاستقلال الاقتصادي والتمكين الاجتماعي والمشاركة العامة.

لا ينفصل هذا النقاش عن البعد الديمقراطي الذي برز بوضوح في لقاء لندن، حيث أظهر خطاب الشرع ميلاً إلى تأجيل أسئلة الديمقراطية والتمثيل السياسي لصالح أولويات الأمن والخدمات وإعادة الإعمار. غير أن هذا الطرح يطرح إشكالية أساسية من منظور الحركة السياسية النسوية السورية: فلا ديمقراطية من دون النساء، كما لا يمكن حماية حقوق النساء خارج إطار ديمقراطي يضمن المشاركة السياسية والمساءلة والتمثيل المتساوي. إن الفصل بين العدالة المعيشية والديمقراطية قد يؤدي إلى إعادة إنتاج بنى الإقصاء ذاتها، بما فيها إقصاء النساء عن مراكز صنع القرار. كما يؤدي إلى إعادة إنتاج علاقات التسلط والديكتاتورية والبنى البطريركية التي تُقصي الجميع، فيما يقع أثرها على النساء بصورة مضاعفة.

ترى الحركة السياسية النسوية السورية أن هذه الزيارة يجب أن تُبنى على عدة مستويات مترابطة:

  • فتح قنوات استثمار وإعادة إعمار ترتبط بإشراك السوريين والسوريات في دول الشتات وداخل سوريا، لا سيما أصحاب وصاحبات الخبرات.
  • أي انفتاح سياسي أو اقتصادي يجب أن يترافق مع حماية المواطنين السوريين، لا سيما النساء والشباب، مع الحرص على عدم التضحية بحقوقهم لصالح المقاربات الدولية.
  • يجب ألا تتحول عودة اللاجئين واللاجئات إلى أداة ضغط سياسي أو اقتصادي متبادل بين السلطة الانتقالية والدول الأوروبية، ولا ينبغي استخدامها كبازار اقتصادي سياسي، بل يجب أن تكون جزءاً من مسار قائم على الكرامة والاختيار الحر والضمانات الحقوقية.
  • إن الطرح الذي تحدث عنه الشرع حول مساهمة السوريين والسوريات في إعادة الإعمار دون التخلي عن حياتهم في ألمانيا يفتح أفقاً مهماً لما يُعرف بـ”الهجرة الدائرية”، وهو طرح يمكن البناء عليه بوصفه نموذجاً مرناً يجمع بين حق الاستقرار وواجب المساهمة الوطنية.

ختاماً، ترى الحركة السياسية النسوية السورية أن زيارة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع إلى أوروبا لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها إنجازاً قائماً بحد ذاته، بل كخطوة اختبارية ضمن مسار طويل ومعقد لإعادة صياغة العلاقة بين سوريا وأوروبا على أسس الاقتصاد، وملف اللاجئين واللاجئات، وإعادة الإعمار، والانتقال الديمقراطي. فالنجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد التفاهمات أو الصور الرسمية، بل بمدى قدرتها على إنتاج مسار عادل اقتصادياً، وآمن اجتماعياً، وحساس للمساواة بين الجنسين، يضع المواطن السوري – نساءً ورجالاً – في قلب العملية السياسية. كما أن الخطاب الذي ظهر في لندن بشأن تأجيل أسئلة الديمقراطية وتمثيل النساء في أعلى هرم السلطة يكشف أن معركة المساواة السياسية ما تزال قائمة، إذ إن الهروب من الإجابة الواضحة حول حق المرأة في رئاسة الدولة يعكس استمرار النظر إلى حقوق النساء بوصفها قضية مؤجلة أمام أولويات أخرى، بينما ترى الحركة السياسية النسوية السورية أن الانتقال الحقيقي يبدأ من الاعتراف الكامل بحق النساء في القيادة والتمثيل وصناعة المستقبل السياسي للبلاد. فالمستقبل الذي لا يُبنى على الكرامة والعدالة والمشاركة المتساوية سيظل هشاً وقابلاً لإعادة إنتاج الأزمات ذاتها.

 

اللجنة السياسية

الحركة السياسية النسوية السورية