أصوات نسوية، مقابلة مع الناشطة المدنية كندة علي

“أصوات نسوية، قراءة في الحراك النسوي السوري “

مقابلة مع الناشطة المدنية كندة علي

إعداد: كبرياء الساعور

 

أهلاً بكِ كندة،

   

1– كندة علي، ناشطة مدنية ومجتمعية سورية، مهندسة ميكاترونيك ومدرسة جامعية متخصصة في تدريب الروبوتيك. هل يمكنك أن تشاركينا تفاصيل رحلتك الشخصية كناشطة مدنية ومجتمعية منذ البدايات إلى اليوم ما الذي تغير في تجربتك على المستوى الشخصي والعملي؟

لقد بدأت رحلتي في عالم العمل التطوعي قبل أشهر فقط من بداية الاحتجاجات في سوريا، حيث كنت في عامي الدراسي الأول كطالبة جامعية. طبعاً أولويات العمل حينها لدى جيلنا كانت موجهة للعمل المجتمعي البحت، بالنسبة لي ولأصدقائي المقربين كانت التنمية العلمية المستدامة هي مسار عملنا الأساسي.

طبعاً شاركت كعضو مؤسس في عدد من الفرق والتشكيلات المجتمعية والمدنية منذ عام 2012، وأسهمت في إطلاق وتطوير مبادرات تنموية شبابية وعلمية واجتماعية كثيرة، كما عملت مستشارة للتخطيط الاستراتيجي والتسويق والعلاقات العامة مع عدة جمعيات ومنظمات. 

وفي مجال البزنس كان لي عدة تجارب لإنشاء أعمال تجارية، يمكن أن أصنف نفسي من خلالها كرائدة أعمال في مجال الدراسات الهندسية، وكذلك التسويق والمبيعات.

بخصوص تفاصيل الرحلة فلنترك ذلك للأسئلة المقبلة حيث أنني سأستحضر بعض المحطات بالتأكيد، وما الذي تغير على المستوى الشخصي.

 

2– كنتِ من بين النساء اللواتي شاركن بفاعلية في النشاط المدني والاجتماعي خلال فترة سيطرة نظام الأسد البائد، حيث قدّمتِ الدعم والمساندة للمهجّرين/ات الفارين من القصف في محافظة حلب وغيرها من المحافظات وتعرضت آنذاك لملاحقات وضغوط متعددة. ما أبرز التحديات التي اعترضت طريقكِ في تلك المرحلة، وكيف أثّرت هذه التجارب على مساركِ ودوركِ في العمل المجتمعي؟

لا أدري إن كان يمكن أن نسمّيها حقًا “مرحلة”، فنحن نتحدث هنا عن السنوات الأشد قسوة تحت جحيم القبضة الأمنية لسلطة الأسدين. عن ربيع الشباب بالنسبة لجيلنا، عن عمر كامل يمكن خلاله تدمير مجتمعات بأكملها أو إعادة بنائها من جديد. ثم جاءت الثورة السورية السلمية، التي للأسف سرعان ما تحوّلت إلى حرب دامية.

في عام 2011 بدأ مسار عملنا المجتمعي والتطوعي يتغير بطبيعة الحال. كان الوضع متخبطاً ولا أحد يعرف ما الذي يحدث فعلاً، كانت القبضة الأمنية في الساحل على المتظاهرين/ات والناشطين/ات وعلى الناس العاديين تضيق شيئاً فشيئاً خصوصاً بعد مجزرة ساحة العلبي في حي الصليبة بمدينة اللاذقية، وبدأ المهجّرون/ات يتدفقون أفواجاً إلى مدينة اللاذقية من جميع المدن، خصوصاً حلب وإدلب بحكم الموقع والامتداد الديمغرافي. حينها أصبح التحدي الأكبر بالنسبة لنا كناشطين/ات مجتمعيين/ات ومدنيين/ات هو شعورنا بالمسؤولية تجاه شعبنا في الساحل، وتجاه أهلنا النازحين/ات الذين أصبح الساحل بالنسبة لبعضهم المكان الآمن شبه الوحيد في البلاد.

كان أكثر ما يخيفنا حينها، وهو نفس ما يخيفنا اليوم بالمناسبة، هو قيامنا كناشطين/ات بأية حركة خاطئة يمكن أن تستفز السلطة، وتولد ردة فعل قمعية كبيرة في اللاذقية، حيث يتمترس عدد من مسؤولي سلطة الأسد الكبار. قمنا بحل ذلك عن طريق الإشهار بالأنشطة بدل الإخفاء، وهي من أهم تكتيكات عمل المجتمع المدني التي تستخدم لفرض الأمر الواقع، حيث قمنا كناشطي/ات “مجتمع مدني لادقاني” بدعم عدة مساحات حوارية مدنية علنية تستخدم استراتيجية الأرض الصلبة مثل حوار الشباب الوطني التشاوري لتعديل الدستور 2011، والمشاركة في تأسيس تجمعات متعددة لأصحاب المصالح، مثل تجمع شارك وطنك 2012، ووصلنا في عام 2015 إلى تنظيم اعتصامات مطلبية معيشية كنا نقدم طلباتها بشكل شهري إلى محافظات اللاذقية وحلب ودمشق بشكل علني من باب أخذ الإذن ثم من باب الإخبار، أهمها اعتصامات “خلص غازنا” عام 2015، احتجاجاً على أزمة الغاز المنزلي وغلاء المحروقات، كانت أول فرصة لنا حينها لاختبار ما الذي بقي من الهيكل العظمي لقانون التظاهر السلمي حينذاك لإحيائه أو تكسيره. للأمانة كانت العلنية هي حمايتنا الأساسية في ذلك الوقت من بطش سلطة الأسد، خصوصاً في محاولات ترخيص اعتصامات “خلص غازنا” مع وجود ثوابت ومبادئ عامة وطنية بسيطة غير مؤدلجة لا يمكن لأحد رفضها أو الاختلاف عليها حتى السلطة نفسها، وهي حمايتنا اليوم وغداً وبعد غد.

التحدي الكبير الثاني، كان قلة خبرتنا في التعامل مع حساسية النزاع العالية خلال عمليات بناء السلام وقلة الأكاديميين/ات لدينا في هذا المجال وضعف التجارب السورية الموثقة التي يمكن الاعتماد عليها، وهنا قمنا بتطوير خبراتنا وتجاربنا ذاتياً “كمجتمع مدني لادقاني” بالاستفادة من وجود نسبة كبيرة من النازحين/ات في اللاذقية، حيث كنا بحاجتهم لفهم العملية كما كانوا بحاجتنا تماماً، ثم جاءت مرحلة الانفتاح على تبادل الخبرات والتدريبات مع تشكيلات مدنية ذات تجارب سابقة طويلة في تحويل وإدارة النزاعات في دول الجوار ومناطق أخرى من العالم.

طبعاً التحدي الثالث، هو المضايقات الأمنية المتكررة دوماً التي لم تتجاوز في حالتي تلفونات تهديد متكررة ورسائل شفهية تصل عن طريق الأصدقاء/الصديقات، ربما بسبب سياسة العلنيّة التي كانت ملازمة لعملي منذ عام 2011، لكن العديد من أصدقائي كان لهم تجارب اعتقال مريرة لأشهر بسبب جملة هنا أو هناك، موقف هنا أو هناك.

التحديات كانت كثيرة، لكنها لم تغير شيئاً في داخلي طوال هذه السنوات إلا زيادة الخبرة والتصميم والمرونة في التعامل مع المتغيرات.

 

3– انطلاقاً من عملك كمدرسة جامعية، برأيك ما أبرز التحديات التي يواجهها التعليم العالي في سوريا اليوم؟ وما الفرص التي يمكن أن تسهم في تطويره ليكون قادراً على تلبية احتياجات التنمية المجتمعية؟

يطول الحديث كثيراً عن هذا الموضوع بالنسبة لي، لأن هناك سنوات طويلة من حياتي قضيتها في أروقة الجامعات كمدرسة جامعية من جهة، وكناشطة مجتمعية في مجال التنمية العلمية المستدامة من جهة أخرى.

أعتقد أن أهم التحديات هو ضعف البنى التحتية لأغلب الجامعات، خصوصاً الكليات الهندسية التطبيقية، التي تدرّس أساليب تصنيع التكنولوجيا الحديثة، بالإضافة إلى ضعف الربط بين المناهج الجامعية وسوق العمل، وقلة حواضن الأعمال داخل الجامعات، والأهم هو هامش الحريات القليل حتى هذه اللحظة الذي يمنع وجود تجمعات لأصحاب المصالح في الجامعات السورية تحرك عجلة التنمية المجتمعية المستدامة.

طبعاً يمكن للجامعات أن تحوي بؤر التغيير الأكثف في مراكز المدن، لأنها خزان الطاقة البشرية الأكبر الذي يتجمع فيه جيل الشباب معاً يومياً بشكل تلقائي، لذلك فإن الفرص الأكبر للتغيير المجتمعي وليس فقط العلمي تبدأ دوماً من الجامعات، وللأمانة طلابنا لديهم دوماً حماس كبير وذكاء علمي مشتعل وقدرة جميلة على التفكير الإبداعي والتخطيط الاستراتيجي، ولم يتغير هذا الشيء على الإطلاق رغم كل ضغط سنوات الحرب، بل ربما زاد كل ذلك تحت الضغط، ولإثبات هذه الفكرة أذكر أننا قمنا باستثمار ذلك بين عامي 2014 و2019 لبناء شبكة أفقية من الفرق التطوعية العلمية بين مجموعة من الكليات داخل جامعة اللاذقية (تشرين سابقاً) كان أشهرها فريق معرض الهمك MEE، الذي أسس لحصر الأنشطة العلمية الطلابية المستقلة في جامعة اللاذقية ، وكان آخرها مثلاً فريق نادي الروبوت الذي نجحنا في حَوكَمَتِه ومَأسَسَتِه وتحويله إلى كيان تنظيمي رسمي دائم له خصوصيته ضمن الهيكل التنظيمي لكلية الهمك، وله غرفة صغيرة كمخبر ومقر عمل دائم ضمن الكلية، وذلك تحت ضغط النجاحات الكبيرة لأنشطة هذا الفريق ومنها أول مسابقة سورية محلية للروبوتيك.

 

4– اليوم، بعد سقوط النظام، ما هي برأيك أولويات العمل المدني؟ وكيف تقيّمين أهمية إشراك النساء والشباب، مع التركيز على بناء قيادات نسائية شابة؟ وما أهمية هذا التوجّه في المرحلة الراهنة؟

هناك 3 أدوار محورية برأيي يجب أن يلعبها المجتمع المدني بعد سقوط النظام البائد، في الدور المحوري الأول أكمل من نفس المكان الذي توقفت فيه في السؤال السابق، حيث علينا كناشطي/ات مجتمع مدني دعم وتشجيع الطلبة والأساتذة الجامعيين والأكاديميين على خلق فرق تطوعية مرنة وتجمعات علمية فئوية لأصحاب المصالح، تعمل على أهداف التنمية العلمية المجتمعية المستدامة، داخل الجامعات كمجتمعات مصغرة عن المجتمع الكبير، لكن ذلك لا يكفي لأن الناس تتجمع لفترة حتى تحقيق هدفها ثم تبرد الهمة وتتبخر التجمعات.

وهنا يأتي دورنا المحوري الثاني في دعم عمليات الحوكمة الرشيدة لهذه التجمعات ومع الزمن دعم عمليات المأسسة، أي تحول هذه التجمعات إلى مؤسسات، لكنها حوكمة ومأسسة قائمة على الأفكار والمبادئ والأهداف وليس على الأنشطة، وهو ما أخفقنا فيه حتى الآن منذ سقوط الأسد. طبعاً إن قمنا بتنفيذ هذه العملية ونحن ننظر إلى هذه التجمعات كمُخرجات مباشرة في خططنا الاستراتيجية فيفضل ألا نقوم بها أساساً، لأنها ستكون مجرد عمليات خنق وتأطير وتمييع لعمليات التغيير الذي يجب أن يبقى طبيعياً داخل المجتمعات الطلابية المصغرة. الأمور لا تحدث كذلك برأيي. دورنا كمجتمع مدني هو الدعم والتيسير فقط. هذا التحديد يضع المجتمع المدني في موقع عملي: ليس سلطة ولا بديل عن الدولة، بل أداة لتسهيل وتنمية المبادرات الأهلية الصغيرة، مع إمكانية توسيع نطاقها (scale) لتصبح عمليات تغيير أوسع وأكثر تأثيرًا.

الناس والمجتمعات ليسوا قوائم مهام على جداول الأعمال لدينا أو checklist، يجب أن نفهم ذلك جيداً كناشطي ومؤسسات مجتمع مدني، وإلا فلنرفع يدنا عن المجتمع ولنترك الحركة طبيعية.

دورنا الثالث المحوري، هو دراسة وفهم المجتمع وتطويع مؤشرات التنمية المستدامة العالمية ومفاهيم السلم الأهلي والعدالة الانتقالية بما يناسب بلادنا، وقيادة عمليات التغيير العام في هذه القطاعات. هنا لا يمكن لنا أن ننتظر المجتمع ليبادر، على عكس الدور المحوري السابق فالتغيير هنا نوعي للغاية، بالتالي فالمبادرة والحشد والضغط والمناصرة تحتاجنا نحن بالذات، إن كنا فعلاً نستحق تسمية ناشطي/ات مجتمع مدني.

طبعاً للنساء والشباب الدور الأساسي في ذلك، وكذلك للأكاديميين/ات ويجب إشراكهم. ذكرنا سابقاً لماذا الفئة الشابة والأكاديميون/ات، أما لماذا النساء فببساطة لأنهن الأقل تورطاً في الدماء خلال الحروب والنزاعات، بالتالي يمكن للمجتمع تقبل قيادتهن لعمليات التغيير المجتمعي والمدني وحتى السياسي بانسيابية وبساطة دون صور نمطية وأحكام مسبقة، ومع حساسية نزاع أقل. أيضاً النساء لديهن مهارات تواصل عاطفي أعلى وقدرة أكبر على العمل تحت الضغط، والأهم من ذلك فإن قضايا السلام وحل النزاعات والتنمية والعدالة بالنسبة لديهن هي قضايا محورية في الحياة أكثر من الرجال، لذلك أراهن أكثر نجاحاً في العمل المدني وفي ريادة الأعمال المجتمعية كذلك.

 

5– اليوم تطرح كثيرًا من الأسئلة حول موضوع حوكمة العمل المدني، كيف ترين إمكانية تطوير آليات واضحة لحوكمة هذا القطاع، خصوصًا فيما يتعلق بترخيص عمل المنظمات والجمعيات؟ وهل ترين أن هناك آفاقًا لوضع إطار قانوني فعّال يواكب التحولات الراهنة ويضمن استقلالية وشفافية العمل المدني؟

قد يكون الأفضل لفضاء العمل المدني ألا تتم حوكمته الآن. قد يكون هذا الجواب صادماً لكن هذا رأيي، يجب أن يبقى فضاء العمل المدني مفتوحاً بالكامل، ويجب أن نثق ببعضنا بعضًا. الحوكمة يمكن أن تكون للخطط الاستراتيجية وعمليات التغيير المجتمعي المطلوبة من جميع تشكيلاته وليس للفضاء نفسه، أي حوكمة على مستوى المضمون وليس الشكل.

طبعاً أية عملية حوكمة للعمل المدني شكلاً أو مضموناً لا تسبقها عملية حوكمة لفضاء السلطة التي تتشكل فهي غير صحية. لماذا؟ الموضوع بسيط. أنا أرى أنه من غير الصحي أن تتم حوكمة فضاء كامل (فضاء العمل المدني) من أهم مسؤولياته الضغط على فضاء آخر غير محوكم (وهو فضاء السلطة)، في نفس الوقت الذي تُغربل فيه أدوات حوكمة الفضاء الأول عن طريق الفضاء الثاني الذي لا يمكن له ألا يتدخل طالما أن العملية تمر بشكل أو بآخر من خلاله. نحن هنا لا نتحدث عن المأسسة وإيجاد أشكال قانونية للتحرك كمؤسسات وجمعيات ونقابات بل عن عملية الحوكمة نفسها السابقة لها وهي الأهم، وهذا حديث طويل أختلف فيه مع الكثير من الأصدقاء والصديقات خصوصاً عندما أتحدث عن القرار 2254، الذي ما أزال أجده الوعاء الأساسي والأفق الجيد الوحيد للحوكمة السياسية ومن ثم المدنية على المستوى الوطني، ونتيجة جيدة لتضافر جهود الكثير من القوى الدولية والسياسية السورية، كما يدعو القرار إلى تشكيل هيئة حكم انتقالية سياسية تشاركية في البلاد، فإن المقابل الموضوعي الطبيعي لذلك هو هيئة تشبهها تشاركية أكثر تحكم فضاء العمل المدني، فالفضاء السياسي لا ينمو بدون فضاء مدني كبير يقابله والعكس كذلك، فالعملية تبادلية ومرتبطة على صعيد الشكل والمضمون ارتباطاً عضوياً برأيي.

طبعاً بما يخص تراخيص عمل المنظمات والجمعيات، فالوضع لم يتغير كثيراً عن السنوات السابقة في مناطق سيطرة النظام البائد، فقد حدثت بعض التعديلات الجيدة في تصنيفات التراخيص الخاصة بالجمعيات والمؤسسات غير الربحية، لكن القانون الناظم لذلك بقي جامداً وقليل المرونة، كما السابق. إضافة إلى أن تراخيص الفرق التطوعية الصغيرة الفتية، التي تعتبر أهم مؤشر للمجتمع المدني الحي، أصبح أصعب بكثير. أما بالنسبة لتراخيص النقابات التي تدافع عن حقوق أعضائها وعضواتها عادةً فإن احتكار التمثيل مازال سيد الموقف كما كان أيام “الحزب القائد الواحد” ولا أملَ يلوح في الأفق حتى الآن بأن يستطيع المحامون/ات أو المهندسون/ات أو الحلاقون/ات ترخيص عشرات النقابات لهم أو أن تستطيع أية دوائر تمثيلية أخرى لأصحاب المصالح أن تبصر النور تنظيمياً. أما تراخيص الحركات والتجمعات المدنية والسياسية والاجتماعية فما زالت ضبابية جداً وكلها تحدث بطريقة فرض الأمر الواقع كما كانت أيام الأسدين، مع هامش حريات أكبر لنكون عادلين.

 

6- تعد المشاركة السياسية للمرأة السورية قضية محورية. برأيكِ، ما الضمانات الكفيلة بتحقيق مشاركة فعّالة للنساء والتي تعزز دورهن في الحياة السياسية، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر عدالة واستقرارًا؟

حملات ضغط مجتمعية وإقرار قوانين صارمة لمناهضة خطاب الكراهية لهن. هذا المطلوب فقط لا غير، واتركوا الباقي للنساء السوريات.

مازلت مؤمنة جداً بهنّ على كل المستويات كما كنت في بداية عملي المدني والسياسي منذ 14 عاماً، حيث إن الصديقات اللواتي وقفن في وجه الدبابات التي كانت تغلق وتحاصر مداخل الرمل الجنوبي في اللاذقية في 2011، وقمن بمبادرة باص العيد لأطفال الحي، وعدة مبادرات بناء سلام أخرى رغماً عن أنف الدبابات؛ هن ذاتهن من عانوا الأمرين خلال عملهن على تعليم الأطفال في المدرسة المسائية لنازحي حلب وإدلب، وتحملوا لسنوات مضايقات الضباط المشرفين على أماكن نزوح المهجرين/ات في المدينة الرياضية في اللاذقية في بداية الحرب. في هذه المواقف كلها كنت أرى بأم العين كيف تتصرف الناشطات العاملات في الشأن الإنساني والاجتماعي، وكنت أتعلم الجرأة في العمل. هذه الجرأة التي لا يمكن وجود عمل إنساني أو اجتماعي أو مدني أو سياسي بدونها. الجرأة التي تسقط كلها في لحظة واحدة أمام خطاب كراهية مسعور، خطاب تمييزي على أساس الجنس تجاههن، خصوصاً النساء الناشطات العلويات في السنة الأخيرة، وأعرف بعض الحالات التي اختارت فيها النساء التنحي تحت الضغط في السنة الأخيرة للأسف. هذا مؤسف، لأن ما تعجز عنه الدبابات أحياناً يمكن للعنف الرمزي واللفظي أن يقوم به.

 

7 -إعادة بناء الثقة بين السوريين/ات تمثل رأسمالًا معنويًا للمجتمع، وتشكل عملًا سياسيًا تأسيسيًا لبناء مجتمع المواطنة، بعد أن دمّر النظام هذه الثقة وأضعف مظاهر التضامن الاجتماعي. انطلاقًا من مشاركتك في مبادرات السلم الأهلي، كيف ترين دور هذه المبادرات، وما أبرز التحديات التي تواجهها؟

تبدأ مبادرات السلم الأهلي أو ما يُعرف بدقة أكبر بعمليات صناعة وبناء السلام، بإعادة بناء الثقة بعد توقف الحروب، وبإعادة تعريف الناس والمجتمعات المحلية الصغيرة على بعضها بعضًا. وتُستخدم لتحقيق ذلك أدوات متعددة مثل العمل المشترك، الحوار، التضامن، والفن. هذه المرحلة التأسيسية تحتاج إلى وقت كافٍ لترسيخ أرضية صلبة، إذ لا يمكن إنجاز أي عملية سلام مستدامة دون قاعدة متينة. ومن خلال تجربتنا كمجتمع مدني سوري، فإن معظم المبادرات منذ خمسة عشر عاماً وحتى اليوم ما تزال تتمحور حول هذه النقطة الجوهرية.

أحد أبرز التحديات التي نواجهها كناشطين/ات في مسارات بناء السلام؛ سرعة تغيّر الوضع السوري، الأمر الذي يجعل من الصعب تثبيت تحليل واحد للسياق وتصميم العمل على أساسه. يضاف إلى ذلك، بطء التشريعات الحامية للعاملين/ات في مناطق النزاع، فضلاً عن التعقيدات المرتبطة بالموافقات الرسمية، خصوصاً منذ بداية هذا العام.

الأصل في مبادرات السلم الأهلي أن تكون مستقلة تماماً عن سلطات الأمر الواقع، وأن تُشرك السكان المحليين في قيادتها لتبقى أقرب إلى فضاء العمل الأهلي، وإلا فإنها ستتعرض لخطر التمييع وفقدان المصداقية. الدور الأهم لتشكيلات المجتمع المدني هنا هو أن تؤدي وظيفة الوساطة بين الأهالي والسلطات وذوي الضحايا وجميع أطراف النزاع، وأن تيسّر العملية بدلاً من احتكارها.

لكن التحدي الأكبر يتمثل في إعادة تدوير بعض رموز النظام الأسدي السابق من قبل السلطة الحالية كقيادات لملف السلم الأهلي، دون شفافية مع الناس، هذا يضع ملف العدالة الانتقالية أمام أزمة حقيقية. السلم الأهلي والعدالة الانتقالية ملفان توأمان في الحالة السورية، ولا يمكن فصلهما. إذ لا ينبغي أن يتحول السلم الأهلي إلى استسلام طرف مهزوم أمام طرف منتصر، ولا أن تكون العدالة مجرد عدالة المنتصر. إن فصل الملفين حتى الآن أدى إلى سلسلة طويلة من الانتهاكات الموثقة، بلغت ذروتها في مجازر آذار الأسود في الساحل وفي مجازر السويداء. لذلك، فإن العمل والضغط والمناصرة يجب أن يتركز على إعادة ربط مصير الملفين معاً، لضمان سلام عادل ومستدام، يضع حدّاً لدورات العنف والانتهاكات.

 

*كل ما ذكر في المقابلة يعبر عن رأي من أجريت معهن/م المقابلة، ولا يعبر بالضرورة عن رأي الحركة السياسية النسوية السورية