التوغل الإسرائيلي في جنوب سوريا: انتهاك للسيادة وتهديد للأمن الإنساني
- updated: 9 يوليو 2026
- |
تواصل “إسرائيل” اعتداءاتها على الأراضي السورية، لا سيما في الجنوب السوري، في خرقٍ مستمر لاتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، وذلك من خلال تنفيذ عمليات توغل متكررة، وشن اعتداءات على المدنيين/ات، وتنفيذ مداهمات واعتقالات بحق المواطنين/ات السوريين/ات، إلى جانب تجريف الأراضي الزراعية، والقصف المدفعي، وغيرها من الانتهاكات التي تمس سيادة الدولة السورية وتنتهك حقوق سكانها.
فمنذ سقوط نظام الأسد الديكتاتوري في 8 كانون الأول 2024، استغلت “إسرائيل” حالة الفراغ الأمني وانهيار المنظومة العسكرية السورية لتوسيع وجودها العسكري داخل الأراضي السورية، متجاوزةً المنطقة العازلة المنصوص عليها في اتفاقية فض الاشتباك، ساعيةً إلى فرض وقائع ميدانية جديدة وإعادة تشكيل الجغرافيا الأمنية في الجنوب السوري بما يخدم مصالحها الاستراتيجية. فمع حلول عام 2026، لم تعد العمليات الإسرائيلية تقتصر على الضربات الجوية أو التوغلات المحدودة، بل تحولت إلى سياسة عسكرية ممنهجة تقوم على إنشاء قواعد عسكرية ونقاط تمركز ميدانية ثابتة، وإقامة حواجز ونقاط تفتيش، وتنفيذ دوريات برية متكررة داخل محافظات القنيطرة ودرعا وريف دمشق. تشير التقارير إلى تنفيذ ما يقارب 300 توغل بري منذ بداية عام 2026 وحتى اليوم، في مؤشر واضح على تحول هذه العمليات من إجراءات عسكرية مؤقتة إلى سياسة تهدف إلى تكريس وجود عسكري طويل الأمد وفرض واقع أمني جديد في الجنوب السوري.
يمثل هذا التصعيد تحولًا نوعيًا في الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه سوريا على مستويين. يتمثل الأول في إعادة رسم الجغرافيا الأمنية في جنوب سوريا بيد “اسرائيل”، عبر انتقال “إسرائيل” من سياسة الردع التقليدية إلى سياسية تقوم على فرض وقائع ميدانية جديدة تهدف إلى ترسيخ نفوذ عسكري طويل الأمد. رافق هذا التوسع إنشاء بنية تحتية عسكرية متكاملة تضم قواعد دائمة، وطرقًا عسكرية، ومنظومات مراقبة، ومهابط للطائرات. بما يعكس توجهًا يتجاوز الادعاءات الإسرائيلية المتعلقة بالإجراءات الدفاعية وحماية الحدود ومنع التهديدات، إلى مشروع يهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الأمني والجغرافي في المنطقة. أما المستوى الثاني، فيتمثل في السيطرة على المواقع استراتيجية جنوب غرب سوريا، من أبرزها تل أحمر وقرص النفل وجباثا الخشب وقرية الحميدية وقرية العدنانية وثكنة الجزيرة في حوض اليرموك، إضافة إلى التوسع نحو الأراضي الزراعية والموارد المائية، وإشرافها على تقاطعات جغرافية حساسة تربط سوريا بلبنان والأردن. يعكس هذا الانتشار أهدافاً جيوسياسية تتجاوز الاعتبارات العسكرية المباشرة، بما يشير إلى سعي “إسرائيل” لترسيخ نفوذها الإقليمي وإعادة تشكيل موازين القوى في الجنوب السوري.
انعكست هذه التوغلات والانتهاكات بصورة مباشرة على المدنيين/ات السوريين/ات، الذين وجدوا أنفسهم في بيئة أمنية متدهورة وظروف معيشية تزداد صعوبة يوماً بعد يوم. فقد فرضت القوات الإسرائيلية قيودًا مشددة على حركة السكان في المناطق التي تسيطر عليها، وأقامت حواجز عسكرية مؤقتة، ونفذت عمليات دهم للمنازل وتفتيش للسكان، إضافة إلى اعتقالات متكررة طالت المزارعين والرعاة أثناء عملهم. كما تعرضت القرى الحدودية لقصف مدفعي وإطلاق نار متكرر، ما أدى إلى نزوح مئات العائلات، كما حدث في قرية عابدين بمنطقة حوض اليرموك، حيث اضطر العديد من سكان البلدة إلى مغادرة منازلهم مؤقتًا نتيجة القصف والتوغل العسكري.
لم تقتصر آثار هذه الانتهاكات على الجانب الأمني، بل امتدت إلى الاقتصاد المحلي، الذي يعتمد بصورة رئيسية على الزراعة وتربية المواشي. فقد أدت عمليات تجريف الأراضي الزراعية، ومصادرة آلاف الدونمات لإقامة قواعد عسكرية وشق طرق جديدة، إلى حرمان عدد كبير من العائلات من مصادر دخلها الأساسية. كما تعرض الرعاة والمزارعون لإطلاق النار أو الاحتجاز أثناء محاولتهم الوصول إلى أراضيهم، في حين نفقت أعداد من الماشية نتيجة الاستهداف المباشر أو منع أصحابها من الوصول إلى مناطق الرعي. أسهمت هذه الإجراءات في تعميق مستويات الفقر، وارتفاع معدلات النزوح الداخلي، وتراجع الإنتاج الزراعي في واحدة من أهم المناطق الزراعية في سوريا.
إلى جانب الخسائر الاقتصادية، خلقت التوغلات الإسرائيلية آثارًا اجتماعية ونفسية عميقة على السكان المحليين، لا سيما النساء والأطفال. فقد أصبحت القرى تعيش تحت تهديد دائم نتيجة التحليق المستمر للطائرات، والقصف المفاجئ، والاقتحامات الليلية، ما أدى إلى انتشار الشعور بعدم الأمان والخوف. كما أثرت عمليات النزوح المتكررة في استقرار الأسر، وإضعاف قدرة المجتمعات المحلية على استعادة حياتها الطبيعية، في ظل غياب الخدمات الأساسية وضعف الإمكانات الحكومية.
في هذا السياق، بقي موقف الحكومة السورية الانتقالية محصورًا في الإطار الدبلوماسي، دون أن يقترن بإجراءات ميدانية تحد من التوسع الإسرائيلي أو تضع حدًا للتوغلات المستمرة داخل الأراضي السورية. فقد أدانت وزارة الخارجية السورية، في أكثر من بيان، كان آخرها في 29 حزيران 2026، الاعتداءات الإسرائيلية التي استهدفت الأراضي السورية، مؤكدة أن القصف المدفعي والتوغلات العسكرية تشكل انتهاكًا صارخًا لسيادة سوريا ووحدة أراضيها، وخرقًا واضحًا للقانون الدولي واتفاقية فض الاشتباك لعام 1974. كما دعت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياتهم القانونية والسياسية، واتخاذ إجراءات فاعلة لوقف الانتهاكات الإسرائيلية، وضمان احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها. تعود محدودية هذا الموقف إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها طبيعة المرحلة الانتقالية التي تمر بها الدولة السورية بعد سقوط النظام السابق، وما رافقها من إعادة هيكلة للمؤسسات العسكرية والأمنية، إلى جانب التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجه الحكومة الجديدة. كما أسهمت الضربات الإسرائيلية المكثفة التي استهدفت البنية العسكرية السورية عقب سقوط النظام البائد في إضعاف القدرات العسكرية للدولة، الأمر الذي حدّ من قدرتها على التعامل ميدانيًا مع التصعيد الإسرائيلي. أدى ذلك إلى اتساع الفجوة بين الموقف السياسي الرسمي والقدرة الفعلية على فرض السيادة على الأرض، ما أتاح لإسرائيل الاستمرار في فرض وقائع ميدانية جديدة في الجنوب السوري.
لا يمكن فصل التطورات في الجنوب السوري عن السياق الإقليمي، إذ جاءت اتفاقية الإطاري “Framework Agreement” الموقعة بين لبنان و”إسرائيل” في 26 حزيران 2026 لتضيف بعداً جديداً إلى المشهد الأمني في المشرق العربي. فقد نص الاتفاق، برعاية الولايات المتحدة، على انسحاب إسرائيلي تدريجي مقابل تعزيز انتشار الجيش اللبناني وإعادة تنظيم الوضع الأمني في جنوب لبنان، مع استمرار الدور الأمريكي في الإشراف والمتابعة. ورغم أن الاتفاق يركز بصورة مباشرة على الساحة اللبنانية، فإن انعكاساته تمتد إلى سوريا بحكم الترابط الجغرافي والأمني بين الجبهتين.
فمن المرجح أن يمنح هذا الاتفاق “إسرائيل” هامشاً أوسع لإعادة توزيع قدراتها العسكرية وتركيز اهتمامها على الجبهة السورية. وهو ما بدا واضحاً في تصاعد التوغلات العسكرية التي شهدتها قرية عابدين في 28 حزيران 2026، وما رافقها من مقاومة شعبية قادها أهالي القرية رفضاً للتوغل الإسرائيلي. كما قد يشجع الاتفاق “إسرائيل” على تعزيز سياسة إنشاء مناطق أمنية داخل الأراضي السورية، باعتبارها جزءاً من استراتيجية إقليمية تهدف إلى فرض واقع أمني جديد على حدودها الشمالية. في المقابل، قد يحد الاتفاق من قدرة سوريا على التأثير في التوازنات الأمنية المرتبطة بالحدود اللبنانية، مع انتقال جزء من إدارة هذا الملف إلى ترتيبات دولية تشرف عليها الولايات المتحدة.
في ظل هذه التطورات، تبرز الحاجة إلى مقاربة سياسية وإنسانية شاملة، وهو ما تدعو إليه الحركة السياسية النسوية السورية، التي تنطلق من مفهوم الأمن الإنساني بوصفه إطاراً يضع حماية المدنيين/ات وكرامتهم في صدارة الأولويات. وترى الحركة السياسية النسوية السورية أن استمرار التوغلات الإسرائيلية لا يهدد السيادة الوطنية فحسب، بل يهدد أيضاً النسيج المجتمعي، ويعمق هشاشة المجتمعات المحلية، ويؤثر بصورة خاصة في النساء والأطفال، الذين يتحملون العبء الأكبر للنزوح والفقر وانعدام الأمن.
وانطلاقاً من مسؤوليتنا الوطنية، فإننا في الحركة السياسية النسوية السورية ندين بأشد العبارات الاعتداءات والتوغلات الإسرائيلية المتكررة داخل الأراضي السورية، ونؤكد رفضنا القاطع لأي محاولات لفرض وقائع جديدة بالقوة العسكرية أو المساس بسيادة سوريا ووحدة أراضيها. كما نطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية من جميع الأراضي التي سيطرت عليها خارج حدود اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، باعتبار أن هذه الأراضي هي جزء لا يتجزأ من السيادة السورية، ولا يجوز إخضاعها لأي شكل من أشكال الاحتلال أو السيطرة العسكرية.
كما تدعو الحركة السياسية النسوية السورية المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، واتخاذ إجراءات عملية وفاعلة لمنع استمرار التوسع الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، وضمان احترام قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. ونطالب جامعة الدول العربية، بوصف سوريا دولةً عضواً فيها، بالتحرك العاجل وطلب عقد جلسة طارئة في مجلس الأمن والأمم المتحدة لوقف الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، والعمل على حماية المدنيين/ات، وصون سيادة الدولة السورية.
إننا في الحركة السياسية النسوية السورية نرفع صوتنا عالياً رفضاً لهذا العدوان المستمر، وإدانةً لاستهداف المدنيين/ات، وتأكيداً على أن حماية الإنسان وكرامته يجب أن تبقى فوق كل الاعتبارات السياسية والعسكرية. ونؤمن بأن بناء سوريا الحرة، الديمقراطية، المستقلة والآمنة لا يمكن أن يتحقق في ظل استمرار الاحتلال والانتهاكات الخارجية، وأن الدفاع عن السيادة الوطنية وحماية المدنيين/ات يشكلان ركيزة أساسية لبناء دولة المواطنة والعدالة والسلام المستدام.
اللجنة السياسية
الحركة السياسية النسوية السورية