من يختار مستقبل النساء؟ قراءة نسوية في المفاضلة الجامعية السورية
- updated: 19 أكتوبر 2026
- |
*رنا العش
(ذكور فقط) و(إناث فقط) حين تظهر هاتان العبارتان في شروط القبول الجامعي، تصبح المفاضلة قراراً يحدد من يحق له أن يطمح إلى أيّ مستقبل. يستبعد أشخاص قبل النظر في مؤهلاتهن/م، ويصبح جنسهن/م سبباً كافياً لإغلاق الباب أمامهن/م. فمن يملك حق تقسيم المعرفة والمهن والطموحات بين النساء والرجال؟
أعاد الجدل حول مفاضلة القبول الجامعي في سوريا للعام الدراسي 2026–2027 طرح هذا السؤال.
بحسب تقرير الجزيرة المنشور في 11 تشرين الأول/أكتوبر، أوضحت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أن تخصيص بعض المسارات للذكور يرتبط بكليات عسكرية تابعة للجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية، وأن باقي الاختصاصات الجامعية متاحة للجنسين مع تخصيص برامج منها رياض الأطفال ومدارس التمريض والقبالة للإناث.
هذا التوضيح يستدعي الدقة في تحديد مواضع الاستبعاد، لكنه يترك السؤال الأساسي قائماًً؛ لماذا يصبح الجنس شرطاً يسبق تقييم الرغبة والكفاءة؟
لا يكتمل حق النساء في التعليم بمجرد السماح لهن بدخول الجامعة، فالحق يشمل أن يتمكن من اختيار مجال الدراسة، ومن التنافس على مقاعده وفق متطلبات واضحة، وأن تقيم كل طالبة بوصفها شخصاً له قدراته وطموحاته. حين يُغلق مسار أمامها لمجرد أنها امرأة، تُحسم أهليتها قبل أن تتاح لها فرصة إثباتها.
ولهذا الحق أساس في الالتزامات الدولية التي انضمّت إليها سوريا. فالمادة العاشرة من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة
(سيداو) التي انضمّت إليها سوريا عام 2003 تؤكّد المساواة في فرص التعليم وشروط الالتحاق به، وتدعو إلى إزالة الصور النمطية لأدوار النساء والرجال في المجال التعليمي. كما يقرّ العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي انضمّت إليه سوريا عام 1969 بإتاحة التعليم العالي للجميع على قدم المساواة وفق الكفاءة، مع ضمان عدم التمييز على أساس الجنس، لذلك فإن مراجعة القيود التي توزع الاختصاصات بين النساء والرجال تتصل بالتزامات الدولة نفسها، وبمدى ترجمتها إلى فرص فعلية في التعليم.
من منظور نسوي تكمن خطورة هذا التقسيم في تحويل تصوّرات اجتماعية عن النساء والرجال إلى قواعد تتبنّاها المؤسسات. تتلقّى الفتاة منذ الصغر رسائل عمّا يناسبها وما ينبغي أن تبتعد عنه، وحين تجد هذه الرسائل في شروط القبول، تصبح مواجهة التوقعات العائلية والاجتماعية أصعب لأن المؤسسة التعليمية تمنحها سنداً رسمياً كيف نقول لطالبة إن طموحها مشروع ثم نضع أمامه حاجزاً لا علاقة له بجهدها؟
قد يُقال إن بعض المسارات تحتاج إلى قوة جسدية أو استعداد للعمل الميداني أو تحمّل ظروف خاصة يمكن أن تكون للاختصاصات متطلبات فعلية لكن وجودها يستدعي تحديدها واختبارها لدى المتقدّمات والمتقدّمين، بدلاً من افتراض توافرها عند جميع الرجال، وغيابها عند جميع النساء. فإذا كانت القدرة هي المعيار فلتُقَس القدرة، وإذا كان التدريب ضرورياًً فلتُتح فرصة التأهّل لمن يستوفي شروطه.
ولإغلاق المسارات العسكرية أمام النساء بُعد سياسي أيضاً، فالمسألة تتصل بفرص حضورهن في مؤسسات الدفاع، وبإمكان الوصول إلى مواقع المسؤولية فيها. لا يعني هذا أن كل امرأة ترغب في الالتحاق بهذه المسارات، بل أن من ترغب يجب أن تجد معايير تتيح تقييمها عوضاً عن استبعادها مسبقاً. مشاركة النساء في مؤسسات الدولة تبدأ أيضاً من إمكان تعلّم المهن التي تقود إليها.
في الجهة الأخرى، يطرح حصر رياض الأطفال بالإناث سؤالاً كاشفاً؛ ما الذي يجعل تعليم الصغار ورعايتهم عملاً نسائياً حصراً؟
لماذا يُمنع شاب يرغب في دراسة الطفولة والعمل التربوي من اختيار هذا المجال؟ إن تربية الأطفال تحتاج إلى معرفة وتدريب وصبر ومسؤولية، وهي قدرات لا يحتكرها جنس واحد.
الإشارة إلى هذا الاستبعاد جزء من النقد النسوي نفسه. فاعتبار الرعاية اختصاصاً نسائياً يعيد إنتاج الفكرة التي تحمّل النساء مسؤولية الأطفال داخل البيت وخارجه، وتُبعد الرجال عن المشاركة فيها. وحين يتحوّل هذا التصوّر إلى شرط قبول جامعي، يُقدَّم توزيع اجتماعي للأدوار كما لو كان حقيقة لا تحتاج إلى نقاش.
ولا ينتقص الاعتراض على هذا الحصر من قيمة العمل التربوي أو الرعائي. لهذه المهن أهميتها، وتستحق العاملات والعاملون فيها التقدير وشروط العمل اللائقة. المطلوب أن تختارها المرأة لأنها ترغب فيها، وأن يستطيع الرجل اختيارها أيضاً، وأن تكون الخيارات الأخرى متاحة لكل منهما، قيمة المهنة لا تبرّر تخصيصها لجنس بعينه.
تمتد آثار شروط القبول إلى ما بعد سنوات الدراسة، فالمجال الذي تستطيع المرأة التأهّل فيه يؤثّر في فرص عملها، وفي قدرتها على بناء استقلال اقتصادي، وفي المواقع المهنية التي يمكن أن تصل إليها. لذلك، فإن مناقشة هذه القيود هي مناقشة لتوزيع الفرص والسلطة، وللمكان الذي يُتاح للنساء أن يشغلنه في المجتمع.
وقد يُدافع عن بعض القيود باعتبارها قديمة أو معتادةً، لكن استمرار قاعدة لسنوات لا يجعلها عادلة، كما أن الاعتياد عليها لا يلغي أثرها في من حُرمن أو حُرموا من الاختيار، ومراجعتها تقتضي السؤال عن ضرورتها الفعلية وعن إمكان تحقيق متطلبات المهنة من دون استبعاد جماعي قائم على الجنس.
في سوريا التي نطمح إلى بنائها، ينبغي أن تجد النساء في المؤسسات سنداً لحقوقهن وطموحاتهن. يبدأ ذلك بإلغاء القيود القائمة على الجنس وإعلان متطلبات كل اختصاص، وفتح التنافس وفق الكفاءة والمؤهلات، فالمساواة تصبح ملموسة حين تستطيع طالبة أن تسجّل رغبتها وتعرف أن قبولها أو رفضها مرتبط بمعايير تنطبق على الجميع.
من حق النساء أن يشاركن في تحديد مستقبلهن، وفي بناء مؤسسات بلدهن، ومن حق كل طالبة وطالب أن يختارا مسارهما من دون أن تتولّى شروط المفاضلة توزيع الأحلام إلى ما يصلح للنساء وما يصلح للرجال.
حرية الاختيار في التعليم حقّ، ويجب أن يظهر هذا الحق في أبواب تُفتح وفرص يمكن الوصول إليها، وضمانه خطوة أساسية لبناء مجتمع قائم على المساواة في الفرص والسلطة، تستطيع فيه النساء اختيار مساراتهن والمشاركة في صنع القرارات التي ترسم مستقبلهن ومستقبل بلدهن.