سوريا بين العدالة والثأر: مسؤولية السلطة الانتقالية في منع الانزلاق نحو الحرب الأهلية
- updated: 19 يونيو 2026
- |
في اللحظات الانتقالية التي تعقب الحروب والصراعات الكبرى، تواجه الدول اختباراً مصيرياً لا يتعلق فقط بإعادة بناء المؤسسات أو إنعاش الاقتصاد، بل بقدرة السلطة على كسب ثقة الشعب في حصوله على حقوقه ومنع المجتمع من الانزلاق إلى دوامة الانتقام.
سوريا اليوم تقف أمام هذا الاختبار التاريخي بكل ما يحمله من مخاطر وتعقيدات. فمع تزايد المؤشرات على وقوع أعمال ثأرية وانتقامية في عدد من المناطق السورية، ومع تصاعد الخطاب التحريضي والطائفي على بعض المنصات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي، يبرز سؤال ملح هل تتجه البلاد نحو ترسيخ دولة القانون، أم أنها تنزلق تدريجياً نحو منطق الثأر الذي كان سبباً في إشعال حروب أهلية مدمرة في تجارب عديدة حول العالم؟
إن التغاضي عن الانتهاكات الثأرية التي ابتدأت بحمص منذ بداية عام 2025 وغيرها من المناطق ذات البعد الطائفي وتأخير تفعيل ملف العدالة الانتقالية أنتج ثقافة شارع تحاول تحويل المظالم الفردية والجماعية إلى مبرر للانتقام الجماعي. لكن العدالة شيء، والثأر شيء آخر تماماً. العدالة تستهدف المسؤولين/ات عن الجرائم بصفتهم أفراداً يخضعون للمحاسبة القانونية، أما الثأر فيستهدف جماعات بأكملها على أساس الانتماء الطائفي أو المناطقي أو العائلي، وهو ما يؤدي إلى إنتاج مظالم جديدة ويؤسس لدورات متلاحقة من العنف والكراهية.
كان من المفترض أن تشكل المرحلة الانتقالية فرصة لإعادة بناء الثقة بين السوريين/ات، لا فرصة لتصفية الحسابات. ولذلك فإن المسؤولية الأولى تقع على عاتق السلطة الانتقالية التي يفترض أن تكون سلطة لجميع السوريين/ات دون استثناء. فالدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على السيطرة الأمنية، بل بقدرتها على فرض القانون بالتساوي على الجميع ومنع أي طرف من أخذ العدالة بيده.
إن التغاضي عن أعمال الثأر، أو التعامل معها باعتبارها ردود فعل طبيعية يمكن تجاوزها، يمثل خطأً سياسياً وأمنياً فادحاً. فالتاريخ يعلمنا أن الحروب الأهلية لا تبدأ بقرارات كبرى، بل تبدأ عندما يشعر قسم من المواطنين/ات بأن الدولة لا تحميهم، أو عندما يعتقد قسم آخر أن بإمكانه ممارسة العقاب خارج إطار القانون دون محاسبة. عندما تنتشر هذه القناعة، تبدأ الثقة بالمؤسسات بالتآكل، ويصبح السلاح والانتماء الطائفي أو العشائري بديلاً عن القانون.
إن السلطة الانتقالية مطالبة اليوم بإرسال رسالة واضحة لا تحتمل التأويل: لا مكان للانتقام الجماعي في سوريا الجديدة، ولا حصانة لأي شخص يرتكب أعمال قتل أو خطف أو تهجير أو تحريض مهما كانت الذريعة التي يتذرع بها. فالدولة التي تسمح باستمرار الثأر تفقد تدريجياً احتكارها الشرعي للقوة، وتفتح الباب أمام نشوء سلطات موازية قائمة على العصبيات المحلية والطائفية.
كما أن للإعلام الرسمي وشبه الرسمي دوراً محورياً في هذه المرحلة الحساسة. فمن غير المقبول أن تتحول بعض المنابر الإعلامية إلى أدوات لإثارة الأحقاد أو لتبرير خطاب الكراهية أو لإعادة إنتاج الانقسامات التي مزقت المجتمع السوري. إن وظيفة الإعلام الوطني في الظروف الانتقالية ليست تعبئة الجماهير ضد فئة من المواطنين/ات، بل المساهمة في ترميم النسيج الاجتماعي، وتعزيز ثقافة المواطنة، ونشر خطاب يركز على العدالة والمساءلة لا على الانتقام والتشفي.
إن نشر صور الإذلال أو التحريض أو الخطابات التي تصنف السوريين/ات وفق انتماءاتهم الطائفية أو المناطقية لا يخدم الاستقرار، بل يزرع بذور صراعات جديدة قد تنفجر في أي لحظة. لذلك فإن ضبط الخطاب الإعلامي ومحاسبة المحرضين/ات على العنف والكراهية يجب أن يكون جزءاً أساسياً من سياسة الدولة في هذه المرحلة.
وفي الوقت نفسه، تقع على عاتق المؤسسات القانونية مسؤولية تاريخية في بناء الثقة بين المواطنين/ات والدولة. فلا يمكن الحديث عن استقرار حقيقي دون قضاء مستقل وقادر على محاسبة مرتكبي الجرائم وفق معايير العدالة والإجراءات القانونية السليمة. فالمواطن/ة الذي يرى أن حقه يمكن أن يعود عبر المحكمة لن يلجأ إلى الثأر، أما المواطن/ة الذي يفقد الثقة بالقضاء فسيبحث عن وسائل أخرى لاسترداد حقه، وغالباً ما تكون هذه الوسائل مدمرة للمجتمع بأسره.
أما أجهزة الأمن الداخلي، فإن دورها لا ينبغي أن يقتصر على ملاحقة الجريمة بعد وقوعها، بل يجب أن يمتد إلى منع أسبابها ومظاهرها. فالمطلوب اليوم ليس فقط التدخل عند وقوع أحداث عنف، بل بناء منظومة أمنية وقانونية تمنع تشكل بيئة تسمح بانتشار الثأر والتحريض الطائفي. ويتطلب ذلك إجراءات واضحة تشمل ملاحقة المحرضين/ات على العنف، وتجريم خطاب الكراهية، وحماية المدنيين/ات في جميع المناطق دون تمييز، وإظهار حياد الدولة تجاه جميع مكونات الشعب السوري.
أيضاً هناك مسؤولية على القادة المجتمعيين ومنظمات المجتمع المدني في محاربة خطاب الكراهية، وبناء ثقافة السلم الأهلي والتماسك المجتمعي.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في سوريا اليوم، هو أن تتحول الانتماءات الطائفية والمناطقية إلى مرجعيات سياسية وأمنية بديلة عن الدولة. فعندما يشعر المواطن/ة أن أمنه مرتبط بطائفته أو عشيرته أكثر من ارتباطه بالمؤسسات الوطنية، تكون الدولة قد بدأت بخسارة أهم وظائفها. لذلك فإن حماية السلم الأهلي ليست مجرد قضية أمنية، بل مشروع وطني شامل يتطلب مشاركة السلطة والقضاء والإعلام والمجتمع المدني معاً.
لقد أثبتت تجارب الشعوب الخارجة من الحروب أن السلام لا يُبنى بالنسيان، لكنه أيضاً لا يُبنى بالانتقام. السلام يُبنى بالعدالة، وبالاعتراف بالحقوق، وبالمحاسبة القانونية، وبالقدرة على منع الكراهية من التحول إلى مشروع سياسي أو اجتماعي. هذه هي المهمة الكبرى التي تواجه السلطة الانتقالية السورية اليوم، فإما أن تنجح في بناء دولة القانون والمؤسسات، وإما أن تسمح، بالفعل أو بالتقصير، بتمدد منطق الثأر الذي لن يوفر أحداً.
إننا في الحركة السياسية النسوية السورية، نرى أن السوريين/ات الذين عانوا سنوات طويلة من الحرب يستحقون دولة تحميهم جميعاً، لا دولة تميز بينهم. ويستحقون عدالة تنصف الضحايا، لا انتقاماً يخلق ضحايا جدداً. كما يستحقون مستقبلاً يقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، لا على الخوف والثأر والانقسامات. ولن يكون ذلك إلا بمؤتمر وطني جامع، وحياة سياسية تشاركية، وحرية عمل للأحزاب السياسية، وتفعيل حقيقي لملف العدالة الانتقالية، وإلا لن يكون الخاسر طرفاً بعينه، بل سوريا كلها.
اللجنة السياسية
الحركة السياسية النسوية السورية