الشابات والشبان في سوريا: بين خطاب المشاركة وواقع الإقصاء

لم تكن الشابات والشبان في سوريا مجرد شهود على التحولات العميقة التي شهدتها البلاد، بل كانوا في قلبها، ودفعوا أثماناً باهظة من تعليمهم، وأمنهم، وفرصهم، ومستقبلهم. عاش جيل كامل الحرب والنزوح واللجوء والفقر والانقطاع عن التعليم وتقلص فرص العمل، وتعرض كثيرون وكثيرات لأشكال مختلفة من العنف والتهميش.

واليوم، مع الحديث عن مرحلة انتقالية وعن سلطة تُقدَّم بوصفها شابة أو ذات طابع شبابي، يصبح من الضروري أن نسأل: هل تعني شبابية السلطة بالضرورة مشاركة الشابات والشبان فيها؟ ومن يمتلك فعلياً مساحة التأثير وصناعة القرار؟ فالعمر وحده لا يصنع مشاركة شبابية.

إن وجود مسؤولين ومسؤولات من فئات عمرية شابة لا يعني تلقائياً وجود تمثيل سياسي حقيقي للأجيال الشابة. فالمشاركة لا تُقاس بأعمار من يتولون المناصب، وإنما بوجود مساحات وآليات تسمح للشابات والشبان، على اختلاف مناطقهم وخلفياتهم الاجتماعية والثقافية والسياسية، بالتأثير في القرارات والسياسات التي تحدد حاضرهم ومستقبلهم.

تصبح هذه المسألة أكثر إلحاحاً عندما يتعلق الأمر بالشابات. فمن منظور نسوي، لا يكفي أن نسأل عن حضور “الشباب” بوصفهم كتلة واحدة، بل علينا أن نسأل أيضاً: أين الشابات من مراكز القرار؟ من تتاح لهن فرصة الوصول إلى المجال السياسي؟ ومن تبقى أصواتهن خارج المؤسسات والحوارات ومساحات صنع السياسات؟

 

التعليم: أي مستقبل لجيل يتعلم ضمن خرائط مختلفة؟

ربما تكون أزمة التعليم واحدة من أكثر القضايا التي تكشف عمق الانقسام السوري. فبعد سنوات طويلة من النزاع، باتت العملية التعليمية موزعة بين سلطات ومناهج ومرجعيات متعددة، مع تفاوت في الإمكانات، وجودة التعليم، والاعتراف بالمخرجات، والشهادات.

وهنا لا نتحدث عن أزمة مدرسية أو جامعية فحسب، وإنما عن قضية سياسية واجتماعية تتعلق بمستقبل سوريا نفسها.

فأي مستقبل مشترك يمكن بناؤه عندما تنشأ الأجيال الجديدة ضمن بيئات تعليمية مختلفة وغير متكافئة؟ وكيف يمكن الحديث عن مواطنة جامعة فيما ما تزال فرص الوصول إلى تعليم آمن وجيد ومتساوٍ مرتبطة بالمنطقة التي يعيش فيها الطالب أو الطالبة وبالسلطة المسيطرة عليها؟

إن التعليم ليس خدمة يمكن تأجيل إصلاحها إلى ما بعد انتهاء المرحلة الانتقالية، بل هو أحد الشروط الأساسية لنجاح أي انتقال سياسي واجتماعي. واستمرار انقسام المنظومة التعليمية يعني استمرار إنتاج الفجوات بين السوريين والسوريات، ونقل آثار الصراع من جيل إلى آخر.

 

السويداء ليست هامشاً

يزداد هذا المشهد تعقيداً في ظل ما تعيشه السويداء وغيرها من المناطق السورية من هشاشة أمنية وسياسية واجتماعية. فحالات الخطف، وانتشار السلاح، وتراجع سلطة القانون، والخوف من العنف، ليست مجرد ملفات أمنية منفصلة عن حياة الناس اليومية، بل عوامل تحد من حرية الحركة والتعليم والعمل والمشاركة في المجال العام.

وتتحمل الشابات والنساء آثاراً مضاعفة في مثل هذه البيئات. فالخوف من الخطف أو العنف لا يهدد السلامة الجسدية فقط، وإنما قد يتحول إلى قيد اجتماعي إضافي على حركة النساء والشابات، وعلى قدرتهن على الوصول إلى الجامعة أو مكان العمل أو النشاط السياسي والمدني.

ومن هنا، لا يمكن اختزال الأمن في ضبط السلاح أو السيطرة على الأرض. الأمن الذي تحتاجه سوريا هو أمن إنساني يحمي الإنسان وحقوقه وكرامته، ويضمن حرية الحركة والوصول إلى التعليم والعمل والمشاركة العامة، ويخضع الانتهاكات للمساءلة أياً كانت هوية مرتكبيها.

 

من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الريع

ولا تنفصل أزمة الشباب عن طبيعة الاقتصاد الذي تشكل خلال سنوات الحرب وما بعدها.

فإلى جانب اتساع العمل غير المنظم وتراجع فرص العمل المستقرة، ترسخت أنماط اقتصادية تقوم على الريع والامتياز والوصول إلى الموارد عبر شبكات النفوذ، بدلاً من الإنتاج والمنافسة العادلة وتكافؤ الفرص.

وهذا الواقع لا ينتج الفقر والبطالة وحدهما، بل يعيد تشكيل مفهوم الفرصة أمام جيل كامل. فعندما يصبح الوصول إلى الدخل، أو النفوذ مرتبطاً بالولاء، أو السلاح، أو شبكات القوة أكثر من ارتباطه بالتعليم والكفاءة والعمل، تفقد الشابات والشبان الثقة بجدوى التعليم والعمل المدني والمؤسسات.

وفي مثل هذه البيئات، يصبح الاقتصاد الريعي واقتصاد الحرب وانتشار السلاح حلقات متداخلة. ويصبح بعض الشباب والشابات أكثر عرضة للانخراط في شبكات مسلحة أو أنشطة غير قانونية، فيما يرى آخرون وأخريات في الهجرة الطريق الوحيد لبناء حياة مستقرة.

لا يعني ذلك أن الفقر أو انقطاع التعليم يقودان بالضرورة إلى التطرف أو حمل السلاح؛ فهذه ظواهر معقدة لها أسباب متعددة. لكن غياب التعليم الجيد والعمل اللائق والأمن وسيادة القانون والمشاركة السياسية يخلق بيئة أكثر هشاشة، يمكن للجماعات المسلحة والمتطرفة وشبكات المصالح استغلالها لاستقطاب الشباب والشابات.

 

الشبابية ليست صورة للسلطة

إن القضية، في جوهرها، ليست أن تكون السلطة شابة في أعمار من يمثلونها، بل أن تكون شبابية في سياساتها. أن ترى الشابات والشبان أصحاب حقوق، لا مجرد جمهور سياسي. أن تمنحهم القدرة على المشاركة والمساءلة وصناعة القرار.

وأن تدرك أن إشراك الشابات تحديداً لا يتحقق بمجرد وجود عدد محدود منهن في المؤسسات، بل بإزالة العوائق السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية التي تحول دون مشاركتهن المتساوية.

من موقعنا في ملتقى الشابات السياسيات في الحركة السياسية النسوية السورية، نرى أن سوريا بحاجة إلى مقاربة مختلفة تضع الإنسان في مركز العملية الانتقالية: تعليم جامع وعادل، واقتصاد منتج بدلاً من اقتصاد الريع والامتياز، ومؤسسات تخضع لسيادة القانون، وسياسات تحمي الشابات والشبان من العنف والخطف والاستغلال والتجنيد، ومساحات سياسية ومدنية تسمح لهم ولهن بأن يكونوا شركاء وشريكات في صياغة المستقبل.

فلا يمكن بناء سوريا جديدة بإعادة إنتاج علاقات القوة القديمة بأسماء ووجوه وأعمار جديدة. ولا يكفي أن نتحدث عن جيل المستقبل بينما نحرم هذا الجيل من حقه في صناعة الحاضر.

الشابات والشبان ليسوا جمهوراً للمرحلة الانتقالية، بل شركاء وشريكات فيها. ومن دون مشاركتهم الحرة والمتساوية والفاعلة، لن يكون الانتقال شاملاً، ولن يكون المستقبل الذي نبنيه مستقبلاً للجميع.

 

ملتقى الشابات السياسيات

الحركة السياسية النسوية السورية