الخوف الذي يعيد النساء إلى الظل

في المجتمعات التي عاشت سنوات طويلة من الحرب والعنف، لا ينتهي الخوف بانتهاء المعارك فقط، بل يبقى حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، ويتحوّل تدريجيًا إلى أسلوب حياة يفرض نفسه على الناس، وخصوصًا على النساء. في سوريا اليوم، يبدو هذا الخوف أكثر وضوحًا مع تزايد الحديث عن الفوضى الأمنية وحوادث خطف النساء في أكثر من منطقة، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة أسئلة الأمان والاستقرار وحدود الحرية الشخصية، وخصوصًا بالنسبة للنساء والفتيات.

خلال الفترة الأخيرة، تصاعد شعور السوريات والسوريين بأن الحياة اليومية أصبحت أكثر هشاشة وقلقًا. لم يعد الخوف مرتبطًا فقط بالأحداث الكبرى أو بالمواجهات العسكرية، بل أصبح حاضرًا في الطريق إلى الجامعة، وفي العودة من العمل، وفي التنقل بين المدن والأحياء، وحتى في الخروج العادي الذي كان يُعتبر يومًا جزءًا طبيعيًا من الحياة. ومع كل حادثة خطف أو اعتداء أو اختفاء، تتوسع دائرة القلق داخل المجتمع، وتتحول النساء تدريجيًا إلى الفئة الأكثر دفعًا لثمن هذا الخوف.

هذا الواقع لم يؤثر على النساء وحدهن، بل انعكس على الحياة الأسرية والاجتماعية أيضًا. فالكثير من العائلات أصبحت أكثر ترددًا في السماح لبناتها بالتنقل أو الدراسة أو العمل، ليس بدافع السيطرة، بقدر ما هو نتيجة الخوف وانعدام الشعور بالأمان. وأصبح القلق حاضرًا في العلاقات اليومية، من رسائل الاطمئنان المتكررة إلى إعادة ترتيب القرارات العائلية على أساس الخوف لا على أساس الرغبة أو الحاجة.

ومع اتساع مساحة الخوف، لا تتراجع حركة النساء فحسب، بل تتقلص المساحة العامة نفسها. فحين تصبح المشاركة في العمل المدني أو الثقافي أو السياسي محفوفة بالقلق، تفقد الحياة العامة جزءًا من تنوعها وحيويتها. وتتحول الفوضى الأمنية، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى عامل يحدّ من مشاركة النساء ويضعف حضورهن في النقاش العام وصناعة المبادرات المجتمعية، في وقت تحتاج فيه سوريا إلى مشاركة جميع بناتها وأبنائها في مواجهة تحديات المرحلة.

ولا تتوقف خطورة هذه الحالة عند الجانب الاجتماعي فقط، بل تمتد إلى المجال السياسي والمدني بشكل مباشر. فحين تنسحب النساء من الشارع والعمل والنشاط العام تحت ضغط الخوف، يخسر المجتمع جزءًا أساسيًا من حضوره وحيويته. إن تغييب النساء عن المجال العام لا يحدث دائمًا عبر القوانين أو القرارات الرسمية، بل قد يحدث أيضًا عبر خلق بيئة غير آمنة، تدفع النساء إلى الانكفاء والصمت والتراجع خطوة بعد أخرى.

وما يزيد من مرارة هذا الواقع أن النساء السوريات لم يكنّ على هامش سنوات الحرب، بل كنّ في قلبها في العمل الإغاثي والحقوقي والتعليمي والمدني، وتحملن مسؤوليات مضاعفة في ظروف بالغة القسوة. لذلك يبدو مؤلمًا أن تجد كثيرات أنفسهن اليوم أمام قيود جديدة يفرضها الخوف وانعدام الأمان، في وقت كان يُفترض أن تتسع فيه مساحة المشاركة والحضور، لا أن تضيق.

إن أخطر ما يحدث اليوم ليس فقط تزايد الخوف، بل اعتياد الناس عليه. أن يصبح من الطبيعي أن تخاف امرأة من طريقها، أو أن تُبنى قرارات الدراسة والعمل والتنقل على أساس القلق لا على أساس الحق الطبيعي في الحياة. فالمجتمع الذي يعتاد هذا الواقع يفقد تدريجيًا ثقته بنفسه وبمستقبله.

كما أن أخطر ما في هذه الظاهرة لا يكمن فقط في آثارها الحالية، بل في ما يمكن أن تتركه من آثار طويلة الأمد على الأجيال القادمة. فحين تكبر الفتيات وهن يشعرن أن الطريق إلى المدرسة أو الجامعة أو مكان العمل محفوف بالمخاطر، يتحول الخوف تدريجيًا إلى جزء من وعيهن وتصورهن للعالم. وعندما تدفع المخاوف الأمنية المتزايدة النساء والفتيات إلى المكوث في المنزل أو تقليص حضورهن في الحياة العامة، فإن المجتمع يواجه خطر إنتاج جيل جديد يعتاد القيود بدل أن يطالب بالحقوق، ويتكيف مع الخوف بدل أن يسعى إلى تجاوزه.

إن استمرار الفوضى الأمنية والتعامل مع أمن النساء بوصفه قضية ثانوية أو شأنًا عائليًا خاصًا، لا يعكس فقط خللًا أمنيًا، بل يكشف فشلًا في حماية أحد أبسط الحقوق الأساسية؛ الحق  في الأمان. فلا يمكن الحديث عن استقرار أو تعافٍ أو مشاركة سياسية حقيقية، بينما تُجبر النساء على إعادة رسم حدود حياتهن اليومية وفقًا لمستوى الخطر لا وفقًا لحقوقهن كمواطنات كاملات الحقوق. إن المجتمع الذي تعجز نساؤه عن الحركة بحرية وأمان، هو مجتمع تتقلص فيه الحريات العامة للجميع، مهما بدت مظاهر الاستقرار قائمة.

من هذا المنطلق، فإننا في الحركة السياسية النسوية السورية نطالب بتعزيز سيادة القانون، ومحاسبة مرتكبي جرائم الخطف والانتهاكات بحق النساء، واتخاذ إجراءات فعلية تضمن سلامة النساء والفتيات في الفضاء العام، بما يضمن لهن حقهن في التعليم والعمل والتنقل والمشاركة في الحياة العامة دون خوف أو تهديد.

إن المجتمعات التي تخاف فيها النساء ليست مجتمعات آمنة لأحد. وحين يصبح الخوف هو الذي يحدد من يخرج، ومن يشارك، ومن يعمل، ومن يحلم، فإن القضية تتجاوز النساء لتصبح قضية مجتمع بأكمله. فحين تخاف النساء، لا تتراجع النساء وحدهن، بل يتراجع المجتمع كله خطوة إلى الخلف. إن مستقبل سوريا لا يُقاس فقط بما يُبنى من مؤسسات، بل أيضًا بقدرة النساء على السير في شوارعها، والذهاب إلى مدارسهن وجامعاتهن.

 

اللجنة السياسية

الحركة السياسية النسوية السورية