خطف النساء: الحقيقة الضائعة بين التهويل والإنكار 

تعج صفحات التواصل الاجتماعي بأخبار اختفاء صبية ما في سوريا، ويبدأ السوريون والسوريات بالانقسام، بين متعاطف مع الصبية وأهلها، وناكر للخبر برمته، أو متبني لسردية أخرى تجعل هذا الاختفاء خيار شخصي للفتاة. وقد وثقت العديد من المنظمات المحلية والدولية، منها اللوبي النسوي السوري، والصحف العالمية عبر تقاريرها الحقوقية والصحفية حوادث خطف الفتيات بعد سقوط نظام الأسد، بينما أصدرت وزارة الداخلية تقريراً تتحدث فيه عن 41 حالة اختفاء، منها حالة خطف واحدة، وهي بذلك تنفي حالات الخطف التي تحدثت عنها التقارير الحقوقية والصحفية.

يمكن إرجاع حالات الخطف واختفاء النساء التي ظهرت في الفترة الأخيرة إلى عدة عوامل منها:

أولاً: الخطف الناتج عن أسباب سياسية:

 ويمكن تقسيمها إلى صنفين: الأول هو حالة انتقام عبر إهانة المجتمعات عبر النساء، وهو ما شهدته البشرية عبر التاريخ، فطالما استخدمت النساء وأجسادهن كوسيلة حرب، سواءً في الحرب العالمية الثانية، إذ تعرضت النساء الألمانيات إلى الاغتصاب بعد انهيار الحكم النازي، أو في الصراعات الداخلية كالبوسنة، وفي سوريا أيضاّ عبر حكم الأسدين الأب والابن، فتم اعتقال الزوجات كرهائن لأزواجهن في عهد الأب، وتعرضت النساء للعديد من الانتهاكات بما فيها العنف الجنسي إبان الثورة السورية في عهد الابن. وقد يأتي خطف بعض النساء العلويات الآن أيضاً كشكل من أشكال إذلال مجموعة سكانية، كعقوبة جماعية.

أما الصنف الثاني ناتج عن بعد أيديولوجي، إذ هناك اتهامات أن الخطف تقوم به فصائل إسلامية متشددة، تعتبر أن سبي النساء الكافرات حق، كما كانت داعش مع النساء الإيزيديات في العراق. كما كانت ظاهرة السبي منتشرة سابقاً في العصور القديمة، سواءً في العهد الروماني أو في الجاهلية قبل الإسلام، وانتهت في العالم بانتهاء العبودية، وبالتالي هي لا ترتبط بالإسلام كعقيدة. لكن بعض المتشددين الراديكاليين الإسلاميين ما زالوا يعيشون في العصور القديمة، ويتبعون قوانينه ومنها السبي، وهو ما رأيناه عند داعش. وقد تكون هناك في سوريا الآن بعض الفصائل الإسلامية المتشددة كداعش، والتي رأينا اعتقال بعض أفرادها الذين قاموا بتفجيرات مؤخراً، هذه الفصائل ما زالت تؤمن بالسبي للكافرات. 

ثانيًا: الخطف من قبل تجار البشر أو بسبب الفديات:

هذه العصابات تستغل الانفلات الأمني لتنشط، لذلك نراها نشطة جداً في مراحل النزاع وما بعدها، وعادة ما تستهدف هذه العصابات الفئات الأكثر ضعفاً وهشاشة، وبالتالي نراها تستهدف النساء، خصوصًا إذا كن من مكونات ضعيفة وغير محمية، بسبب الرأي السياسي حولها، وبغياب دولة ترعى مواطنة متساوية للجميع. 

قد تكون بعض حالات الاختفاء للنساء ليست ضمن هذين الصنفين، فقد تكون البعض منهن قد غادرن بإرادتهن، إما لأسباب خلاف مع أهاليهن بسبب الزواج، أو بسبب خلاف أيديولوجي أو ديني مع الأهل بسبب تبني آراء تختلف عن السائد في العائلة، خصوصًا في ظل الحملات الدعوية التي تعمل على غسل الدماغ، والتي تمنع معرفة إن كان تغيير الرأي ذلك جاء طوعيًا، أو بشكل قسري بعد الخطف، وبالتي لا نستطيع نفي وجود حالات الخطف فيها، هذا أيضًا لا ينفي حالات الخطف الأخرى التي تحدثنا عنها سابقاً. يشير ذلك إلى خطورة أسلمة المجتمع عبر السماح للحملات الدعوية ودعمها، من خلال مرافقة الأمن العام لها، مما يعطيها صبغة رسمية، حملة الشيخ الذهبي على سبيل المثال، والسماح لانتشار بيوت الأخوات. كما برزت خلال العام الماضي عدة حالات تم التلاعب بها، لنفي وإنكار حالات الخطف، وهذا يسيء للمخطوفات. 

تتحمل السلطة القائمة مسؤولية حماية النساء، والقبض على عصابات الاتجار بالبشر والفديات، كما القبض على الراديكاليين المتشددين الذين يستهدفون النساء، وهي بذلك مسؤولة عما يحصل وإن لم تكن مسؤولية مباشرة ولم تقم هي بالخطف. لكن للأسف بدلاً من أن تقوم السلطة بواجبها في الحماية والتحقيق، اتجهت لنفي التهمة عن نفسها عبر الترويج إلى سرديات تنفي الخطف أساسًا، كما جاء في بيانها الذي تلاه الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية، عدم قيامها كسلطة بالخطف أو عدم إعطاء الأوامر، لكن ذلك لا ينفي مسؤوليتها عن الحماية والتحقيق وتقديم المجرمين للعدالة، لإنهاء ظاهرة الخطف وحماية النساء. كما تتحمل السلطة مسؤولية السماح لهذه الحملات الدعوية التي تستهدف النساء، وليس السماح لها فقط بل وحمايتها، كما تتحمل مسؤولية وجود بيوت الأخوات، سواءً كانت مرخصة، أو فقط موجودة بتساهل وتعامي من السلطة، بينما تقيد السلطة أي حراك سياسي في البلد وتحصره بموافقات لا تعطيها. 

لا ينعكس خطف النساء على حياة المخطوفات فقط، اللاتي هن بحاجة شديدة للرعاية والاحتواء والدعم والعلاج النفسي في حال عودتهن لإعادة إدماجهن بالحياة، وإنما يتوسع تأثيره ليشمل كل النساء المعرضات لذلك، لذلك نرى انكفاء النساء في بعض المناطق عن الحياة العامة، ومنها الدراسة والعمل على سبيل المثال، خوفًا من خطف محتمل، ويدفع ذلك الأهالي في تلك المناطق إلى التضييق على بناتهن، خوفاً من خطف أو من تأثير أيديولوجي بالرضا أو بالغصب، قد يقول قائل إن ذلك لا يشمل كل السوريات، نعم لكنه ينتشر في المكونات التي تشعر بالضعف والاستهداف. كما وينعكس خطف النساء أيضًا على بنية المجتمع ككل، ويزيد من الشرخ الاجتماعي والانقسام العامودي الذي تعاني منه سوريا، خصوصاً بعد سنين طويلة من الاستبداد والحرب التي سببت هذا الانقسام، كما يدفع الخطف المجتمعات إلى الانكفاء وعدم التعامل مع الآخر.  

ولأن النساء هن الأكثر تعرضًا للعنف والعنف الجنسي في مراحل النزاع، صدر القرار الأممي 1325 عام 2000، الذي يتحدث عن النساء والأمن والسلام، ويعتمد على أربعة وسائل لذلك، هي الحماية والوقاية والمشاركة وأخذ مصالح النساء بالاعتبار في مرحلة الانتعاش والتعافي، وعادة يطلب من السلطات المحلية تقديم خطة وطنية لتنفيذ القرار الأممي 1325. قامت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بورشتي عمل في إدلب ودمشق، ليوم واحد في كل منهما، في كانون أول 2025 حول القرار 1325، لكنها لم تطور النتائج لتكون هناك خطة وطنية تتبناها السلطة عبر وزاراتها، تؤمن بها حماية النساء من استخدامهن واستخدام أجسادهن كوسيلة حرب وانتقام، كما تضمن مشاركتهن الفعلية في السياسة والعمل العام، وتضمن مصالحهن في عمليات التعافي والإنعاش، تلك العمليات التي تعتمد الآن على الاستثمارات التي لا تأخذ بالاعتبار مصالح الفئات المهمشة، وبينها النساء.

جاء القرار الأممي 1325 غير ملزم للحكومات، وطالب هذه الحكومات بكتابة خطة وطنية بالتعاون مع المجتمع المدني للتنفيذ، ولأنه غير ملزم ولا يمكن مراقبة تنفيذه، قامت الكثير من بلدان المنطقة بكتابة هذه الخطة دون أي تنفيذ، وبقيت هذه الخطط شكلية لا ترتبط بالواقع. 

نحن في الحركة السياسية النسوية السورية نطالب بحماية النساء السوريات، أيًا يكن انتمائهن وخياراتهن، والتحقيق في كل حالات الخطف، والشفافية بإصدار نتائج التحقيق، وعدم الدفع بسرديات الإنكار التي تغبن حق النساء، وإغلاق بيوت الأخوات التي تفرض على النساء أيديولوجيات متشددة. لا يمكن الوصول إلى مجتمع آمن، وإلى سلام مستدام دون دور فاعل للنساء، مما يتطلب تفعيل القرار الأممي 1325 لحمايتهن وضمان مشاركتهن في الحياة العامة، كما ندعو إلى تعديله ليكون ملزمًا للحكومات، وللضغط على السلطة السورية لتفعيله. 

 

اللجنة السياسية

الحركة السياسية النسوية السورية