غوتيريش في سوريا: زيارة تاريخية وأسئلة معلّقة
- updated: 3 أغسطس 2026
- |
وصل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى سوريا في أول زيارة له منذ عام 2009، حين زار الأمين العام الأسبق بان كي مون دمشق. وقد تصدرت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي عناوين تؤكد أن هدف الزيارة هو دعم بناء دولة أكثر استقراراً وشمولاً”، في خطوة وُصفت بأنها تاريخية وربما تحمل دلالات سياسية تتجاوز الطابع البروتوكولي فهل حقا كانت كذلك؟
تأتي هذه الزيارة في ظل تنامي الانفتاح الدولي على سوريا، ولا سيما من قبل ألمانيا وفرنسا، وبعد الزيارة الأخيرة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وما رافقها من توقيع عدد من مذكرات التفاهم، رغم أن تفاصيلها وجدولها الزمني ما زالت غير واضحة.
يبدو أن هذا الانفتاح شجّع الأمم المتحدة على الوفاء بتعهداتها التي أعلنتها منذ سقوط نظام الأسد وتولي السلطة الجديدة، والمتمثلة بدعم جهود إعادة الإعمار، وترسيخ الأمن والسلام، وصون سيادة سوريا ووحدتها على كامل أراضيها.
من الواضح أن هذه الزيارة تمثل أقوى مظاهر الاعتراف السياسي بالحكومة السورية الجديدة حتى الآن، كما تؤكد دعم الأمم المتحدة لجهود إعادة البناء وتحسين سبل العيش، وتعزيز دورها في تنفيذ الاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية فض الاشتباك مع إسرائيل لعام 1974، والعودة إلى الحدود المتفق عليها.
لعل الرسالة الأبرز التي وجهها غوتيريش كانت تأكيده أن الجولان أرض سورية وستبقى جزءاً من الأراضي السورية، وهي رسالة يُتوقع أن تشجع مزيداً من الانفتاح الدولي والاستثمارات، وأن تسهم بالتعاون مع الأمم المتحدة في انتقال سوريا من مرحلة التعافي إلى مرحلة التنمية الاقتصادية المستدامة، بما ينعكس على تحسين البنية التحتية ورفع مستوى دخل المواطنين والمواطنات.
من مسؤولية الأمم المتحدة أيضاً حث المجتمع الدولي على المشاركة في دعم دولة خرجت من سنوات طويلة من النزاع، وتقديم المساعدة في مختلف المجالات. كما أن عودة ما يقارب ثلاثة ملايين ونصف المليون لاجئ ولاجئة إلى مناطقهم الأصلية تعكس، إلى حد كبير، شعوراً متزايداً بالأمن والاستقرار.
لكن في المقابل، يطرح كثيرون سؤالاً مشروعاً: هل كانت هذه الزيارة بروتوكولية فحسب، أم أنها حملت أبعاداً سياسية أعمق؟
خلال الزيارة، التقى غوتيريش رؤساء عدد من المؤسسات التي تعد الأكثر أهمية في المرحلة الحالية، وهم رئيس مجلس الشعب، ورئيس هيئة العدالة الانتقالية، ورئيس لجنة المفقودين والمفقودات، ورئيس لجنة الانتخابات، كما التقى أعضاء مجلس الشعب، لكنه لم يُلقِ كلمة تحت قبة المجلس، وهو ما كان متوقعاً. ووفق ما صرح به الأستاذ “أيمن عبد النور” عبر قناة الشرق، فإن السبب يعود إلى أن النظام السياسي الحالي رئاسي، وأن لقاءه برئيس الجمهورية أحمد الشرع يُعد كافياً، بخلاف ما يجري في الأنظمة البرلمانية، حيث يوجّه الأمين العام كلمة إلى البرلمان. وهذه المسألة تحمل بدورها دلالات سياسية تستحق التوقف عندها.
كما التقى غوتيريش ممثلين وممثلات عن الأقليات، إلا أن تصريحه بشأن المجازر والانتهاكات التي تعرضوا لها اختزل القضية بالدعوة إلى نسيان الماضي والتوجه نحو المستقبل، من دون الإشارة إلى لجنة التحقيق الدولية التي وثقت تلك الانتهاكات وأقرت بوقوعها، أو الدعوة الصريحة إلى محاسبة كل من تورط فيها.
كان من المتوقع أيضاً أن يدعو الحكومة إلى معالجة حالة الاستعصاء الناجمة عن الهجمات، وإلى تحييد قطاع التعليم عن التجاذبات السياسية، وضمان حق الطلاب والطالبات في تقديم امتحاناتهم في ظروف آمنة وملائمة.
في المقابل، بدا غوتيريش منسجماً مع مجمل العملية السياسية القائمة واعتبارها منجزة أصلاً معبراً عن تقديره للإعلان الدستوري، وتشكيل مجلس الشعب، واللجنة الدستورية، وهيئة العدالة الانتقالية، رغم أن هذه العدالة، بصيغتها الحالية، لا تبدو شاملة، ولا تمتد إلى مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات التي ارتُكبت خلال عام 2025.
وقد شدد غوتيريش على ضرورة إعادة صياغة القوانين الأساسية اللازمة لبناء مؤسسات الدولة والاقتصاد، ووضع دستور جديد. غير أن الأمم المتحدة، بوصفها المنظمة الدولية المعنية بحفظ السلم والأمن الدوليين، والتي تستند في عملها إلى مبادئ القانون الدولي والاتفاقيات الدولية، كان يُنتظر منها أن تمارس دوراً أكثر فاعلية في الدفع نحو استكمال متطلبات العدالة الانتقالية.
ومن بين تلك المتطلبات، كان من الطبيعي أن تحث الحكومة السورية على المصادقة على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، بما يعزز التزام الدولة بمبادئ العدالة وسيادة القانون، ويحد من الإفلات من العقاب، ويشكل خطوة أساسية في مسار العدالة الانتقالية.
كما حرص الأمين العام للأمم المتحدة على لقاء ممثلين عن مختلف المكونات، والتقى بمنظمات تقودها نساء وبعدد من ممثلات المجتمع المدني. إلا أن الزيارة لم تُولِ اهتماماً كافياً لقضية المشاركة السياسية للمرأة، ولا لضعف تمثيلها في مجلس الشعب، الذي لا يتجاوز نحو 11%، ولا في الحكومة وأيضاً لمشاركتها الحقيقية في صنع القرار. ورغم دعوته إلى تفعيل دور المجتمع المدني، فقد صرح بوضوح قائلاً: “ليس لدينا أجندة كأمم متحدة، أجندتنا هي أجندة الحكومة السورية.”
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تخلت الأمم المتحدة عن دورها بوصفها جهة ضامنة لمتطلبات المرحلة الانتقالية، بما في ذلك دعم انتخابات ديمقراطية، وصياغة دستور توافقي، وضمان المشاركة الفاعلة للنساء والمجتمع المدني، وهي المبادئ التي تبنتها ورعتها طوال أكثر من عشر سنوات؟
تبقى أسئلة كثيرة مطروحة، وهي أسئلة ما تزال بحاجة إلى إجابات واضحة حول مصداقية المنظمات الدولية، ومدى تبنيها لأعمال وتنفيذ القرارات والاتفاقيات ودعم منظومة حقوق الإنسان ومرجعياتها الدولية التي تضمن الحقوق المتساوية وتحقق العدالة وحرية الرأي والتعبير.
من هذا المنطلق، تؤكد الحركة السياسية النسوية السورية تمسكها الكامل بحق النساء في أن يكنّ شريكات متساويات في رسم مستقبل سوريا، وصنع القرار، وبناء المؤسسات، لا مجرد مشاركات شكليات.
إن العدالة الانتقالية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق دون مشاركة النساء مشاركةً فعالة ومؤثرة، ودون عملية سياسية شاملة تضمن تمثيل جميع مكونات المجتمع السوري، بما في ذلك الحركات النسوية المستقلة، والناجيات، والمدافعات عن حقوق الإنسان.
ونعرب عن خيبة أملنا لأن زيارة الأمين العام للأمم المتحدة لم تمنح هذه القضايا ما تستحقه من اهتمام، إذ اقتصرت لقاءاته مع عدد من النساء وممثلات المجتمع المدني، بينما غابت عنها أصوات الحركات النسوية المستقلة التي تمثل شريحة واسعة من النساء السوريات اللواتي ناضلن من أجل الديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان.
إن اختزال تمثيل النساء بمجموعة محددة لا يعكس تنوع الحركة النسوية السورية ولا واقع المجتمع المدني، ويتعارض مع مبادئ الشمولية والتعددية التي تؤكد عليها الأمم المتحدة نفسها.
وعليه، نجدد دعوتنا إلى الأمم المتحدة وجميع الأطراف الدولية إلى ضمان مشاركة النساء السوريات المستقلات مشاركةً حقيقية وذات أثر في جميع مراحل العملية السياسية، وفي تصميم وتنفيذ العدالة الانتقالية، وصياغة الدستور، وبناء مؤسسات الدولة، بما ينسجم مع مبادئ المساواة وعدم الإقصاء، ويضمن سلاماً مستداماً قائماً على العدالة والكرامة لجميع السوريين والسوريات.
اللجنة السياسية
الحركة السياسية النسوية السورية